فيليكس بومغارتنر.. أول إنسان يخترق حاجز الصوت بلا مركبة
من حلم طفولة إلى حدود الفضاء

لم يكن فيليكس بومغارتنر مجرد مظلي يجيد القفز من المرتفعات، بل كان رجلاً يصنع حلمه بيديه منذ طفولته في سالزبورغ بالنمسا. وُلد في 20 أبريل 1969، وكان يحلم بالتحليق والسقوط الحر قبل أن يعرف العالم اسمه. قضى سنواته الأولى في الجيش النمساوي حيث تدرب على القفز المظلي وأتقن الهبوط على مناطق مستهدفة صغيرة بدقة متناهية، وهي المهارة التي ستصبح حجر الأساس في كل مغامراته اللاحقة.
المغامرة التي خُلدت باسمه لم تكن قفزة عادية من طائرة. كانت القفزة من ارتفاع يفوق 39 كيلومتراً فوق سطح الأرض، أي على حافة الفضاء نفسه، حيث لا هواء يكفي للتنفس، وحيث الضغط الجوي يكاد يكون معدوماً. في ذلك الارتفاع، يتوقف الدم عن الغليان داخل الجسم إن لم يكن الإنسان محاطاً ببدلة ضغط مصممة بعناية، وهي البدلة التي صُممت خصيصاً لهذه المهمة وأصبحت لاحقاً من أهم معروضات متحف الطيران في شباير بألمانيا.
البحث عن مستحيل جديد
قبل أن يصل إلى تلك المرتفعات القصوى، كان فيليكس قد بنى سجلاً حافلاً بالمغامرات الحدية. في عام 1999، حقق رقماً قياسياً عالمياً بالقفز من أعلى مبنى على وجه الأرض حينها، وهما برجي بتروناس التوأم في كوالالمبور بماليزيا، بارتفاع 451 متراً. وفي العام ذاته، قفز من تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو من ارتفاع 29 متراً فقط، مسجلاً أدنى قفزة بيس جومب في التاريخ.

عام 2003، أصبح أول إنسان يعبر القناة الإنجليزية بالسقوط الحر مستخدماً جناحاً من الألياف الكربونية صُمم خصيصاً. القفزة استغرقت نحو 14 دقيقة عبر مسافة 35 كيلومتراً. ثم واصل تحطيم الحواجز: قفز من جسر ميلو في فرنسا عام 2004، ومن مبنى تورنينغ تورسو في السويد عام 2006، حتى أنه اقتحم الطابق 91 من تايبيه 101 في تايوان عام 2007 في قفزة غير مصرح بها.
كل هذه المغامرات كانت تدريباً لهدف أكبر بكثير، هدف ظل يراوده سنوات طويلة قبل أن يتحول إلى حقيقة مذهلة.
مشروع رد بول ستراتوس: التحضير لمهمة مستحيلة
في يناير 2010، أُعلن رسمياً عن مشروع رد بول ستراتوس بالتعاون بين فيليكس وفريق من العلماء والمهندسين. الهدف المعلن: الصعود إلى طبقة الستراتوسفير باستخدام منطاد هيليوم عملاق، ثم القفز لتحطيم الرقم القياسي العالمي في السقوط الحر الذي سجله الكولونيل جوزيف كتنجر عام 1960 من ارتفاع 31,333 متراً.
لكن الهدف الأعمق كان تجاوز سرعة الصوت في السقوط الحر، أي الوصول إلى ما يفوق 1,234 كيلومتراً في الساعة، ليصبح أول إنسان يخترق حاجز الصوت بلا أي قوة محركة. في الأجواء العادية تبلغ السرعة النهائية للسقوط الحر نحو 320 كيلومتراً في الساعة بسبب مقاومة الهواء، لكن في الستراتوسفير تنخفض المقاومة مما يسمح ببلوغ سرعات خيالية.
عانى فيليكس من رهاب الأماكن المغلقة أثناء ارتداء بدلة الضغط المحكمة، وهي المشكلة التي هددت المشروع بالكامل. لكنه عمل مع أخصائي نفسي لتجاوزها بعد تدريبات مكثفة. تضمنت التحضيرات قفزتين تجريبيتين: الأولى في مارس 2012 من ارتفاع 21,818 متراً، والثانية في يوليو من ارتفاع 29,460 متراً.
الرابع عشر من أكتوبر 2012: اللحظة التاريخية
صباح يوم 14 أكتوبر 2012، من قاعدة روزويل في نيومكسيكو، ارتقى منطاد الهيليوم حاملاً كبسولة فيليكس فوق رمال الصحراء. استغرق الصعود نحو ساعتين ونصف حتى بلغ ارتفاع 38,969 متراً. عند هذا الارتفاع تكون السماء سوداء داكنة حتى في وضح النهار، والأرض تظهر مقوسة تحته.
قبل أن يغادر الكبسولة، لاحظ فيليكس مشكلة في سخانة خوذته، إذ كان الزجاج يتصاعد فيه الضباب مما يعيق رؤيته. قرر المتابعة رغم المخاطرة. قال مرشده جوزيف كتنجر عبر اللاسلكي: «حسناً فيليكس، أصبحنا جادين الآن». فتح باب الكبسولة، ووقف فيليكس على حافتها الضيقة. في الساعة 12:08 بتوقيت مونتين دايلايت، قفز.
داخل الفراغ: اختراق الصوت في 34 ثانية
خلال الثواني الأولى كان فيليكس يسقط في هواء شديد الرقة لا يكاد يمنحه إحساساً بالسقوط. وصفه لاحقاً بأنه «يسبح دون أن يشعر بالماء».
بعد 34 ثانية فقط من القفز، بلغ سرعة الصوت. بعدها بأربعين ثانية وصل إلى أقصى سرعة بلغت 1,357.6 كيلومتراً في الساعة، أي ماخ 1.25، ليصبح أول إنسان يخترق حاجز الصوت بلا قوة محركة. استمر فوق سرعة الصوت لنحو 30 ثانية قبل أن يبطئه الهواء الكثيف تدريجياً.
لكن الخطر لم يكن في السرعة فقط. بعد نحو دقيقة بدأ فيليكس بالدوران بعنف خارج السيطرة، وهو ما هدد حياته مباشرة. أي إنسان في دوران عنيف من هذا الارتفاع يمكن أن يفقد الوعي بسبب قوة الطرد المركزي. كان يملك مظلة فرعية للطوارئ توقف الدوران، لكن استخدامها كان سيعني التخلي عن حلم تحطيم الأرقام القياسية. في الدقيقة 1:23 تمكن من استعادة السيطرة.
بعد 4 دقائق و16 ثانية من السقوط الحر نشر مظلته الرئيسية. في الدقيقة 12:17 هبط بسلام على قدميه في شرق نيومكسيكو. سقط على ركبتيه ورفع قبضته في الهواء احتفاءً بالإنجاز.

أرقام حطمت كل التصورات
أكد الاتحاد الدولي للرياضات الجوية في فبراير 2013 ثلاثة أرقام قياسية: أعلى ارتفاع للقفز عند 38,969.4 متراً، وأعلى سرعة عمودية بلا مظلة فرعية عند 1,357.6 كيلومتراً في الساعة، وأطول مسافة سقوط حر عند 36,402.6 متراً. والأهم: أول إنسان يخترق حاجز الصوت في السقوط الحر.
المشروع اجتذب أيضاً اهتماماً علمياً حقيقياً. البيانات التي جُمعت من أجهزة الاستشعار على بدلة فيليكس غذت أبحاثاً حول سلوك الجسم البشري في الارتفاعات الشاهقة، وطرق النجاة المحتملة لرواد الفضاء في حالات الطوارئ. حتى بدلة الضغط قدمت معطيات ثمينة لتصميم أجيال جديدة من البدلات الواقية.
ملايين العيون على حافة الفضاء
تابع نحو 9.5 مليون مشاهد البث المباشر على يوتيوب، مسجلين رقماً قياسياً لأكبر عدد مشاهدات متزامنة لبث حي في تاريخ المنصة حينها. ملايين آخرون تابعوا عبر شاشات التلفزيون حول العالم. الصورة الأشهر تُظهر فيليكس واقفاً على حافة الكبسولة، والأرض المقوسة تحته، والسماء المظلمة فوقه. لحظة بين عالمين.
نهاية مغامر ومغامرة لم تنتهِ
بعد القفزة، اعتزل فيليكس القفزات الحدية وتحول إلى متحدث تحفيزي وسائق سيارات سباق. شارك في سباق 24 ساعة نورنبورغرينغ عام 2014.
لكن المغامرة ظلت تجري في عروقه. في 17 يوليو 2025، وخلال رحلة طيران شراعي مزود بمحرك على الساحل الإيطالي، فقد فيليكس السيطرة على طائرته واصطدم بمقصورة خشبية قرب مخيم عائلي. توفي عن ستة وخمسين عاماً، متنفساً آخر أنفاسه وهو يمارس ما أحبه: التحليق فوق الأرض.
أظهر تقرير التحقيق أن الطائرة كانت في حالة ميكانيكية مثالية بلا أي عطل. لم يكن هناك عطل في المحرك ولا خلل في أجهزة التحكم. كان كل شيء يعمل، لكن الرجل الذي غالباً ما كان يتحكم في المستحيل، فقد السيطرة تلك المرة.
إرث يتجاوز الأرقام
رغم أن رقم فيليكس في الارتفاع حُطم بعد عامين بواسطة ألان يوستاس الذي قفز من 41,420 متراً عام 2014، إلا أن إرث فيليكس يبقى مختلفاً. يوستاس استخدم مظلة فرعية أثناء السقوط مما منعه من تحطيم رقم السرعة. أما فيليكس، فقفز بلا مظلة فرعية، وواجه الموت وجهاً لوجه، وخرج منتصراً.
مشروع رد بول ستراتوس لم يكن مجرد عرض ترويجي. كان تجربة علمية حقيقية أنتجت بيانات حول سلوك الجسم البشري في ظروف قاسية، وقدمت رؤى حول بروتوكولات النجاة الفضائية. البدلة التي صُممت لفيليكس أحدثت تطوراً في هندسة بدلات الضغط، وأجهزة القياس وفرت معطيات ما كان سيحصل عليها أحد بغير هذه الطريقة.
فيليكس بومغارتنر لم يكن رجلاً يسعى للموت، بل كان رجلاً يسعى للحياة بأقصى ما تستطيعه. عاش ستة وخمسين عاماً مفعمة بالتحدي. وحين هبط من حافة الفضاء يوم 14 أكتوبر 2012، كان ينزل وفي جعبته إثبات أن الجسم البشري قادر على ما يبدو مستحيلاً، إن وُجدت الإرادة والشجاعة الكافيتان. بين كل المغامرين، يبقى فيليكس مختلفاً لأنه لم يقفز ليثبت شيئاً لنفسه فحسب، بل ليثبت لكل إنسان أن الحدود ليست سوى خطوط مرسومة على ورق، وأن السماء لا سقف لها لمن يملك الجرأة ليقف على الحافة.
