يُعد المشي أبسط أنواع النشاط البدني وأكثرها قرباً من الناس، فلا يحتاج إلى أدوات أو اشتراكات أو مهارات خاصة. وقد ازداد اهتمام الباحثين في السنوات الأخيرة بالعلاقة بين المشي السريع وطول العمر، إذ تشير دراسات عدة إلى أن سرعة المشي قد تكون مؤشراً على الصحة العامة واللياقة لدى كبار السن.
بعد عرض ما ورد في المقال، نشرح في هذه الصفحة الفرق بين السير العادي والسير النشيط، وكيف يؤثر في القلب والعضلات والعظام والمزاج، ونقدم برنامجاً تدريجياً للمبتدئين ونصائح للسلامة، مع التذكير بأهمية استشارة الطبيب لمن يعانون من أمراض مزمنة.
ما كشفته الدراسة عن سرعة المشي

ما المقصود بالمشي السريع؟
يختلف تعريف السرعة من شخص لآخر بحسب العمر واللياقة، لكن المختصين يصفون هذا النوع عادة بأنه السير بوتيرة ترفع معدل ضربات القلب وتزيد سرعة التنفس، بحيث يستطيع الإنسان الكلام بجمل قصيرة لكنه لا يستطيع الغناء بسهولة. ويُصنف هذا النوع ضمن النشاط البدني متوسط الشدة. وتوصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة ما لا يقل عن مئة وخمسين دقيقة أسبوعياً من النشاط متوسط الشدة، أو ما يعادله من النشاط الشديد، ويُعد السير النشيط من أسهل الطرق لتحقيق هذا الهدف.
كيف تقيس شدة النشاط؟
- اختبار الكلام: إذا استطعت التحدث بارتياح تام فالسرعة خفيفة، وإذا صعب الكلام كثيراً فالشدة مرتفعة.
- عدد الخطوات في الدقيقة: تستخدم بعض الدراسات عدد الخطوات مؤشراً تقريبياً للشدة، ويمكن متابعته بالهاتف أو الساعة الذكية.
- الإحساس بالجهد: أن تشعر بأن الجهد متوسط إلى مرتفع قليلاً دون إرهاق.
كيف يفيد السير الجسم؟
القلب والأوعية الدموية
يساعد التمرين المنتظم على تقوية عضلة القلب وتحسين الدورة الدموية، وتشير أبحاث عديدة إلى ارتباطه بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية وارتفاع ضغط الدم. كما قد يسهم في تحسين مستويات الدهون في الدم.
السكر والوزن
تستهلك هذه الحركة طاقة ويساعد العضلات على استخدام سكر الدم، ولذلك ينصح الأطباء كثيراً بهذه الرياضة لمرضى السكري من النوع الثاني ولمن يرغبون في الحفاظ على وزن صحي، مع ضرورة ضبط النظام الغذائي أيضاً.
العظام والمفاصل والعضلات
السير نشاط يحمل فيه الجسم وزنه، وهذا يحفز العظام على الحفاظ على كثافتها، كما يقوي عضلات الساقين والجذع. ويُعد خياراً مناسباً لكثير ممن يعانون من آلام المفاصل الخفيفة لأنه منخفض التأثير مقارنة بالجري، وإن كان ينبغي استشارة الطبيب في حالات الخشونة المتقدمة.
الصحة النفسية والدماغ
تشير دراسات إلى أن النشاط البدني المنتظم قد يخفف من أعراض القلق والاكتئاب الخفيف، ويحسن جودة النوم، ويرتبط بصحة أفضل للوظائف الإدراكية مع التقدم في العمر. كما أن التنزه في الهواء الطلق أو بين المساحات الخضراء يمنح إحساساً بالاسترخاء.
لماذا ترتبط سرعة المشي بالصحة؟
يرى الباحثون أن سرعة المشي لا تعكس قوة العضلات فقط، بل هي محصلة لعمل أجهزة متعددة معاً، كالقلب والرئتين والجهاز العصبي والتوازن والمفاصل. ولذلك فإن تباطؤ الخطى لدى كبار السن قد يكون علامة مبكرة على تراجع اللياقة أو وجود مشكلات صحية كامنة، ويستخدم بعض الأطباء اختبار السرعة البسيط ضمن تقييم الضعف أو الهشاشة لدى المسنين. ومن المهم فهم أن هذه الدراسات تكشف ارتباطاً لا يعني بالضرورة أن الإسراع في الخطى وحده سبب مباشر لإطالة العمر، فالأشخاص الأصحاء يمشون أسرع بطبيعة الحال، لكن الأدلة تدعم بقوة أن زيادة النشاط البدني مفيدة للصحة.
أنواع مختلفة لتجديد الروتين
يمل بعض الناس من تكرار المسار نفسه كل يوم، ولذلك يقترح المدربون أساليب متنوعة تحافظ على الحماس. فهناك السير المتقطع الذي يتناوب فيه الشخص بين دقائق من الوتيرة العالية وأخرى من الوتيرة الهادئة، وهو أسلوب يرفع الشدة دون إرهاق مستمر. وهناك السير على المرتفعات أو صعود الدرج الذي يقوي عضلات الفخذين والأرداف ويرفع معدل ضربات القلب. كما يستخدم بعضهم العصي المخصصة لما يُعرف بالسير الإسكندنافي، فتشارك الذراعان والكتفان في الحركة. ويفضل آخرون الجهاز الكهربائي داخل البيت أو النادي في الأيام الماطرة أو شديدة الحرارة. ومن الأفكار المحفزة كذلك مرافقة صديق أو أحد أفراد العائلة، أو الاستماع إلى محتوى صوتي مفيد أثناء التمرين، أو تحديد هدف أسبوعي لعدد الخطوات.
برنامج تدريجي للمبتدئين
- الأسبوع الأول والثاني: امشِ عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة يومياً بسرعة مريحة، مع التركيز على الانتظام أكثر من السرعة.
- الأسبوع الثالث والرابع: زد المدة إلى عشرين دقيقة، وأدخل فترات قصيرة من الخطو الأسرع لمدة دقيقة أو دقيقتين.
- الشهر الثاني: استهدف ثلاثين دقيقة في معظم أيام الأسبوع، مع زيادة نسبة الوتيرة العالية تدريجياً.
- بعد ذلك: نوّع المسارات، وأضف بعض المرتفعات الخفيفة، واجمع بين الجولات اليومية وتمارين التقوية مرتين أسبوعياً.
نصائح للمشي الصحيح والآمن
- ارتدِ حذاء رياضياً مريحاً يدعم القوس ويمتص الصدمات.
- حافظ على استقامة الظهر وارفع الرأس وانظر إلى الأمام، وحرك الذراعين بحرية.
- ابدأ بخمس دقائق من الحركة البطيئة للإحماء، واختم بالتهدئة والإطالة الخفيفة.
- اشرب الماء قبل التمرين وبعده، خاصة في الأجواء الحارة.
- تجنب المشي في ساعات الحر الشديد، واختر الأماكن الآمنة جيدة الإضاءة.
- توقف واستشر الطبيب فوراً إذا شعرت بألم في الصدر أو دوخة أو ضيق تنفس غير معتاد.
المشي في الثقافة الإسلامية
تحث الثقافة الإسلامية على الاعتدال في المشية والبعد عن التكبر والخيلاء، كما يعد كثير من المسلمين الذهاب سيراً إلى المساجد عادة يومية تجمع بين الأجر والحركة. ويرى بعض المهتمين بالصحة أن هذه العادات تسهم في زيادة النشاط اليومي، خاصة لكبار السن.
أسئلة شائعة
هل المشي أفضل من الجري؟
لكل منهما فوائد؛ فالجري يستهلك طاقة أكثر في وقت أقل، أما السير فأقل إجهاداً للمفاصل وأسهل في الالتزام لكثير من الناس، والأفضل هو النشاط الذي تستطيع المداومة عليه.
هل تكفي عشر دقائق متفرقة؟
تشير التوصيات الحديثة إلى أن كل نشاط بدني مفيد، وأن الفترات القصيرة المتفرقة تتراكم لتحقق فوائد صحية، وإن كانت المدة المتصلة مفيدة أيضاً.
متى يحتاج الشخص إلى استشارة الطبيب قبل البدء؟
يُنصح بذلك لمن يعانون من أمراض القلب أو الرئة أو السكري غير المنضبط أو آلام المفاصل الشديدة، ولكبار السن غير المعتادين على النشاط.
خلاصة
التنقل بخطى نشيطة عادة بسيطة ومجانية، تحمل فوائد كبيرة للقلب والعظام والمزاج، وقد تكون سرعته مرآة للصحة العامة مع التقدم في العمر. والبدء التدريجي والانتظام هما مفتاح النجاح، مع الإصغاء إلى إشارات الجسم واستشارة الطبيب عند الحاجة.
