سبب إسلام القس اسحق!!

تتداول المواقع والكتب الدعوية قصصا كثيرة عن أشخاص اعتنقوا الإسلام بعد رحلة طويلة من التفكير والبحث، ومن أشهر ما يُروى في هذا الباب قصة القس إسحاق التي يذكر فيها أن سؤالا واحدا عن مغفرة الذنوب كان بداية تحوله. وقصة سبب إسلام القس إسحاق تلامس قضية إيمانية عميقة هي علاقة الإنسان بخالقه مباشرة دون وسيط.

نعرض القصة كما يرويها صاحبها، ثم نتناول المعاني التي تدور حولها: مفهوم التوحيد، والتوبة والمغفرة في التصور الإسلامي، ودوافع اعتناق الإسلام كما يصفها المهتدون عموما، والمنهج الصحيح في التعامل مع قصص الهداية المتداولة، واحترام حرية الاعتقاد.

قصة القس إسحاق كما يرويها

قصة إسلام القس السابق إسحاق ورحلته إلى الإيمان


كانت الخطوة الأولى في رحلة العذاب التي بدأها القس السابق "إسحاق" ليبلغ واحة الإيمان، رحلة كلفته ألوانًا من الاضطهاد لا يحتملها إنسان. وكرسي الاعتراف تقيمه الكنائس في أثناء قداس الأحد أسبوعيًّا، حيث يجلس القس ليستمع إلى اعترافات المسيحيين العاديين بخطاياهم.

يتذكر إسحاق هذه اللحظة قائلاً: جاءتني امرأة تعضّ أصابع الندم قالت: إنها انحرفت ثلاث مرات، وأنا أمام قداستك الآن أعترف لك رجاء أن تغفر لي، وأعاهدك ألاّ أعود لذلك أبدًا.

ومن العادة المتبعة أن يقوم الكاهن برفع الصليب في وجه المعترِف، ويغفر له خطاياه.

وما كدتُ أرفع الصليب حتى عجز لساني عن النطق، فبكيت بكاءً مرًّا وقلتُ: هذه جاءت لتنال غفران خطاياها مني، فمن يغفر لي خطاياي؟!! وإذا بذهني يتوقف بالعبارة القرآنية الجميلة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، هنا أدركت أن فوق العالي عاليًا أكبر من كل كبير، إلهًا واحدًا لا معبود سواه.

ذهبت على الفور للقاء الأسقف، وقلت له: أنا أغفر الخطأ لعامَّة الناس، فمن يغفر لي خطئي؟ فأجاب دون اكتراث: البابا. وسألته فمن يغفر للبابا؟ وهنا انتفض جسمه ووقف صارخًا وقال: إن قداسة البابا معصوم، فكيف تتطاول بمثل هذا السؤال؟! بعد ذلك صدر قرار البابا بحبسي في الدير.

أخذوني معصوب العينيين، وهناك استقبلني الرهبان استقبالاً عجيبًا، كل منهم يحمل عصا يضربني بها وهو يقول: هذا ما يُصنع ببائع دينه وكنيسته، وهكذا حتى أمر بجميع الرهبان، حيث استعملوا معي كل أساليب التعذيب التي ما زالت آثارها موجودة على جسدي، وأمروني بأن أرعى الخنازير، وبعد ثلاثة أشهر حوّلوني إلى كبير الرهبان لتأديبي دينيًّا.

وعندما ذهبت إليه فُوجئت به يقول: يا بُنَيّ، إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، اصبر واحتسب {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3]. قلت في نفسي: ليس هذا الكلام في الكتاب المقدس، أو من أقوال القديسين.

ما زلت في ذهولي بسبب هذا الكلام، حتى رأيته يضيف ذهولاً على ذهولي بقوله: "نصيحتي لك السر والكتمان إلى أن تعلن الحق مهما طال الزمان".

تُرى ماذا يعني بهذا الكلام، وهو كبير الرهبان؟!الصدفة وحدها كشفت لي الإجابة عندما طرقت بابه ذات يوم فلم يجبني أحد، فقمت بفتحه ودخلت، وجدته يؤدي صلاة الفجر، تسمَّرت في مكاني أمام هذا الذي أراه، ولكني انتبهت بسرعة عندما خشيت أن يراه أحد من الرهبان، فأغلقت الباب، جاءني بعد ذلك وهو يقول وفي عينيه الدموع: "تستر عليَّ؛ فإن غذائي القرآن، وأنيس وحدتي توحيد الرحمن، ومؤنس وحشتي عبادة الواحد القهار".

أخذتُ أفكر في الأمور تفكيرًا عميقًا، وبدأت أدرس الإسلام جيدًا حتى تكون هدايتي عن يقين تام، فكان أن هداني الله إلى دين القيم والأخلاق الحميدة، وجدت صعوبات كبيرة في إشهار إسلامي؛ نظرًا لأنني قس كبير ورئيس لجنة التنصير في إفريقيا، فقد حاولوا تعطيل ذلك بكل الطرق؛ لأنه فضيحة كبيرة لهم. 

خيّروني بين كل ممتلكاتي وبين ديني الجديد، فتنازلت لهم عنها كلها، فلا شيء يعدل لحظة الندم التي شعرت بها وأنا على كرسي الاعتراف(1).

السؤال الذي غيّر المسار

تدور القصة حول لحظة فارقة يقف فيها رجل دين أمام امرأة جاءت تطلب منه غفران خطاياها، فيتساءل في داخله عمن يغفر له هو خطاياه. وهذا السؤال، بصرف النظر عن تفاصيل الرواية، يمثل قضية فكرية حاضرة في كثير من روايات المهتدين، وهي البحث عن علاقة مباشرة بالله لا تمر عبر وسطاء من البشر، وعن تصور للمغفرة يقوم على رحمة الخالق وحده.

التوحيد جوهر الرسالة

يقوم الإسلام على عقيدة التوحيد، أي إفراد الله بالعبادة والربوبية والأسماء والصفات، وهي العقيدة التي تلخصها سورة الإخلاص القصيرة التي تذكر القصة أن صاحبها تأثر بها. فالله في التصور الإسلامي واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولا يشبهه شيء من خلقه، وهو أقرب إلى عبده من كل قريب، يسمع دعاءه ويعلم سره.

لا وسيط بين العبد وربه

من أبرز سمات التصور الإسلامي أن العبادة والدعاء والتوبة تتجه إلى الله مباشرة، فليس في الإسلام كهنوت يملك صلاحية الغفران أو الحرمان، والعلماء في الإسلام معلمون ومرشدون يبينون الأحكام، لا وسطاء يمنحون صكوك المغفرة. وقد ذكر القرآن الكريم أن الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو معنى يتكرر في مواضع عدة من الكتاب والسنة.

التوبة والمغفرة في الإسلام

يفتح الإسلام باب التوبة أمام كل إنسان مهما عظمت ذنوبه، ويؤكد القرآن أن رحمة الله وسعت كل شيء، وينهى عن القنوط من رحمته. وقد بيّن العلماء أن التوبة الصادقة تقوم على شروط معروفة:

  1. الإقلاع عن الذنب: بالتوقف عنه فورا.
  2. الندم: على ما فات من التقصير والمعصية.
  3. العزم على عدم العودة: نية صادقة في ترك الذنب مستقبلا.
  4. رد الحقوق إلى أصحابها: إذا كان الذنب متعلقا بحقوق الناس، كمال أُخذ أو عرض انتُهك.

وهذه التوبة علاقة خاصة بين العبد وربه، ولا يُطلب من التائب أن يعترف بذنوبه أمام أحد من البشر، بل يُستحب له أن يستر على نفسه ويُقبل على الطاعات.

الاستغفار عبادة يومية

لا يقتصر طلب المغفرة في حياة المسلم على لحظات الندم الكبرى، بل هو عبادة متكررة يرددها في صلاته وأذكاره صباحا ومساء، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، كما تذكر كتب السيرة والحديث، يكثر من الاستغفار في يومه مع أنه المعصوم. ويرى العلماء أن هذه المداومة تربي القلب على التواضع والمراجعة المستمرة للنفس، وتجعل الإنسان قريبا من ربه في كل حين، لا في أوقات الأزمات والشدائد وحدها كما يفعل كثير من الناس، كما يربط كثير منهم بين الاستغفار وانشراح الصدر وتيسير الأمور.

الإسلام يجبّ ما قبله

يقرر العلماء استنادا إلى نصوص السنة أن من دخل الإسلام صادقا غُفر له ما سبق من ذنوبه، فيبدأ صفحة جديدة نقية، وهذا المعنى كثيرا ما يذكره المهتدون بوصفه من أعظم ما شدهم إلى هذا الدين.

دوافع اعتناق الإسلام كما يصفها المهتدون

عند قراءة سير من اعتنقوا الإسلام من خلفيات دينية وثقافية متنوعة، تتكرر دوافع عدة، منها:

  • وضوح العقيدة: وبساطة فكرة التوحيد وانسجامها مع الفطرة والعقل.
  • القرآن الكريم: إذ يذكر كثيرون أن قراءة معانيه أو سماع تلاوته تركت فيهم أثرا عميقا.
  • العلاقة المباشرة بالله: دون وسطاء أو طقوس معقدة.
  • شمول الدين للحياة: فهو يجمع بين العبادة والأخلاق والمعاملات.
  • القدوة الحسنة: فسلوك مسلم أمين أو جار طيب كان سببا في اهتمام بعضهم بالإسلام.

تحديات ما بعد الإسلام

تشير روايات المهتدين إلى أن رحلتهم لا تنتهي بإعلان الإسلام، فكثير منهم يواجهون صعوبات اجتماعية وأسرية، وأحيانا خسارة عمل أو علاقات، إضافة إلى تحدي تعلم العبادات واللغة العربية. ولذلك يؤكد العاملون في هذا المجال على أهمية احتضان المسلمين الجدد وتعليمهم بلطف وتدرج، وتجنب الضغط عليهم بالتفاصيل دفعة واحدة.

منهج التعامل مع قصص الهداية المتداولة

قصص الهداية مؤثرة وملهمة، لكن الأمانة العلمية تقتضي التعامل معها بوعي، ومن ذلك:

  • التحقق من مصدر القصة قبل نشرها، فبعض الروايات المتداولة تُنسب إلى أشخاص دون توثيق كاف.
  • عدم المبالغة في التفاصيل أو إضافة ما لم يرد فيها بقصد التأثير.
  • الحرص على عدم الإساءة إلى أتباع الديانات الأخرى، فالدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن كما وجه القرآن.
  • تذكر أن قوة الإسلام في حججه ونصوصه لا في القصص الفردية وحدها.

حرية الاعتقاد

قرر القرآن الكريم مبدأ نفي الإكراه في الدين، فالإيمان الحقيقي لا يكون إلا عن قناعة واختيار، ولهذا يحرص الدعاة على عرض الإسلام بوضوح، وترك القرار لعقل الإنسان وقلبه.

أسئلة شائعة

كيف يدخل الإنسان في الإسلام؟

يدخل الإنسان الإسلام بالنطق بالشهادتين عن قناعة وإيمان، ولا يشترط لذلك حضور جهة رسمية، وإن كان توثيق الإسلام لدى الجهات المختصة مفيدا لأغراض قانونية واجتماعية.

هل يحتاج المسلم الجديد إلى تغيير اسمه؟

لا يلزمه ذلك ما دام اسمه لا يحمل معنى مخالفا للعقيدة، وكثير من المسلمين الجدد يحتفظون بأسمائهم الأصلية.

من أين يبدأ المسلم الجديد تعلمه؟

يبدأ عادة بتعلم أركان الإيمان والإسلام، وكيفية الطهارة والصلاة، وقراءة سورة الفاتحة وبعض السور القصيرة، بمساعدة مركز إسلامي موثوق أو معلم صبور.

خلاصة

تعكس قصة القس إسحاق، كما يرويها صاحبها، سؤالا إنسانيا عميقا عن المغفرة والعلاقة بالخالق، وهو سؤال يجد جوابه في عقيدة التوحيد وباب التوبة المفتوح. ومع الاستفادة من هذه القصص في التأمل والعبرة، يبقى التحقق والإنصاف واحترام الآخرين من صميم الأخلاق التي يدعو إليها الإسلام.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !