تتداول المنتديات ومواقع التواصل منذ سنوات قصة عن دعاء يقال إنه أبكى الشيطان، وتنسبه إلى التابعي الزاهد محمد بن واسع. وقد لقيت هذه القصة انتشاراً واسعاً لما فيها من تشويق ولأن الدعاء المذكور فيها يتضمن معاني الاستعاذة من الشيطان وطلب البعد عنه.
نعرض في هذا المقال نص القصة كما تداولها الناس، ثم نتناول التعريف بمحمد بن واسع، وموقف أهل العلم من مثل هذه الحكايات، ومنهج الدعاء والاستعاذة في الإسلام، وآداب الدعاء وأوقات إجابته، مع إجابات عن أسئلة شائعة.
القصة والدعاء كما يتداولهما الناس

من هو محمد بن واسع؟
محمد بن واسع من التابعين الذين عاشوا في البصرة، واشتهر بالعبادة والزهد والورع، وتذكره كتب التراجم والسير ضمن العباد والصالحين في القرن الهجري الأول وبدايات الثاني. وقد نُقلت عنه أقوال كثيرة في الحث على الخشية ومحاسبة النفس والتواضع، وكان من الذين شاركوا في الجهاد في عصره، وتروى عنه مواقف تدل على صدق تدينه وبعده عن الرياء.
وبسبب مكانته في نفوس الناس نُسبت إليه أخبار وأقوال متعددة، بعضها ثابت في كتب الرجال والزهد، وبعضها مما يتناقله الناس دون أن يعرف له إسناد معتبر.
موقف أهل العلم من القصة
ينبه عدد من أهل العلم والباحثين في الحديث والآثار إلى أن قصة مجيء الشيطان إلى محمد بن واسع ومساومته على ترك الدعاء لا تعرف بإسناد صحيح يمكن الاعتماد عليه، وأن كثيراً من تفاصيلها مما زاده الناس عند تداولها في المنتديات والرسائل. ولذلك يحسن بالمسلم ألا يجزم بوقوعها، وألا يعتقد أن لهذا الدعاء بعينه خصوصية أو فضلاً لم يثبت بدليل.
لماذا يجب التثبت قبل النشر؟
- لأن نسبة قول أو فعل إلى شخص دون تحقق قد تكون نوعاً من الكذب عليه، حتى لو كان المعنى حسناً.
- لأن ربط الثواب أو الحماية بدعاء معين يحتاج إلى دليل شرعي ثابت.
- لأن القصص المشوقة قد تصرف الناس عن الأذكار الصحيحة الثابتة في الكتاب والسنة.
- لأن المسلم مأمور بالتبين في الأخبار وعدم التحديث بكل ما يسمع.
هل يجوز الدعاء بهذه الألفاظ؟
يذكر العلماء عموماً أن الدعاء بألفاظ حسنة المعنى لا تتضمن مخالفة أو اعتداء جائز في الأصل، فباب الدعاء واسع، والمسلم يدعو ربه بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة. لكن الفرق كبير بين أن يدعو الإنسان بهذه الكلمات لأنها حسنة المعنى، وبين أن يعتقد أنها دعاء مخصوص له أثر ثابت أو فضل مقرر. والأولى أن يحرص المسلم على الأدعية الثابتة لما فيها من الأجر وموافقة السنة.
القصص الوعظية في التراث الإسلامي
اعتنى الوعاظ عبر العصور بالقصص المؤثرة لأنها تخاطب العاطفة وتثبت المعاني في النفوس، وقد ألفت كتب كثيرة في أخبار الزهاد والعباد. غير أن المحدثين والنقاد نبهوا مبكراً إلى خطر القصاصين الذين يروون ما لا أصل له بقصد التأثير في الناس، وميزوا بين الأخبار الثابتة والمرويات الواهية أو المختلقة. وقد ألف بعض العلماء مصنفات خاصة في التحذير من القصاص وبيان أخطائهم، ودعوا إلى الاقتصار على ما صح من الأخبار في الوعظ والتذكير.
كيف تنتشر مثل هذه القصص؟
مع ظهور المنتديات ثم الرسائل الجماعية وتطبيقات المحادثة، صار من السهل أن تنتشر قصة واحدة بين ملايين الناس خلال أيام، وغالباً ما تختم بعبارات تحث على النشر وتعد من ينشرها بالأجر، أو تحذر من يتجاهلها. وهذا الأسلوب في حد ذاته علامة ينبغي أن تدفع القارئ إلى التريث والتحقق، لأن الدين لا يقوم على الرسائل المجهولة المصدر، والأجر الحقيقي في نشر العلم الصحيح لا في نشر كل ما يصل إلى الهاتف.
وسائل عملية للتحقق
- البحث عن القصة في كتب التراجم والزهد المعروفة، أو في المواقع العلمية الموثوقة التي تعنى بتخريج الأخبار.
- سؤال أهل الاختصاص من العلماء وطلبة العلم المعروفين بالتثبت.
- الحذر من القصص التي تتضمن وعوداً مبالغاً فيها أو تفاصيل غريبة لا نظير لها في المصادر المعتبرة.
- التوقف عن النشر عند الشك، فالسلامة في عدم نقل ما لم يتبين صدقه.
الاستعاذة من الشيطان في الإسلام
يقرر القرآن الكريم في مواضع كثيرة أن الشيطان عدو للإنسان، ويأمر المؤمنين باتخاذه عدواً والحذر من خطواته واستعاذة الله من نزغاته. كما يبين أن كيده ضعيف أمام من صدق في لجوئه إلى الله، وأنه لا سلطان له على عباد الله المخلصين المتوكلين عليه.
وسائل التحصن المشروعة
- المحافظة على الصلوات: فهي صلة دائمة بين العبد وربه وحصن من الفواحش والمنكرات.
- قراءة القرآن: ومنه آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة والمعوذتان، وقد وردت في فضلها أحاديث صحيحة.
- أذكار الصباح والمساء: وهي مجموعة في كتب الأذكار المعتمدة بأسانيدها.
- الاستعاذة عند الغضب: فقد أرشدت السنة إلى الاستعاذة بالله من الشيطان عند اشتداد الغضب.
- ذكر الله عند دخول البيت والطعام والنوم: وهي أذكار يومية بسيطة لها أثر في حياة المسلم.
- صحبة الصالحين: فالرفقة الطيبة تعين على الطاعة وتبعد عن مواطن الغفلة.
آداب الدعاء وأسباب إجابته
الدعاء عبادة عظيمة، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه هو العبادة في حديث مشهور. ويذكر العلماء جملة من الآداب التي يستحب مراعاتها:
- الإخلاص لله وحضور القلب أثناء الدعاء.
- البدء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
- الإلحاح في الدعاء وعدم استعجال الإجابة.
- تحري الحلال في المطعم والمشرب والملبس.
- اختيار الأوقات الفاضلة كالثلث الأخير من الليل، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، ويوم الجمعة.
- الدعاء بجوامع الكلم والابتعاد عن التكلف والاعتداء في الدعاء.
دعاء يجمع معاني القصة من السنة
من يرغب في معنى الاستعاذة من الشيطان والتوكل على الله سيجد في الأذكار الثابتة ما يغنيه، فهناك صيغ صحيحة في الاستعاذة بعزة الله وقدرته، وفي الاستعاذة من همزات الشياطين، وفي التوكل والإنابة إليه، ويمكن الرجوع إليها في كتب الأذكار المحققة مثل كتاب الأذكار للإمام النووي وغيره من المصنفات التي تعتني ببيان درجة الأحاديث.
الدعاء بين الرجاء والعمل
يربط العلماء دائماً بين الدعاء والسعي، فالمؤمن يدعو ربه أن يصرف عنه كيد الشيطان، وفي الوقت ذاته يبتعد عن الأسباب التي تفتح له أبواب الوسوسة، كالخلوة بالمعصية، وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع، ورفقة السوء، والإسراف في الغضب. ومن جمع بين الدعاء الصادق والعمل الصالح كان أقرب إلى التوفيق والثبات. كما أن التوبة المتجددة من أعظم ما يغيظ الشيطان، إذ يدل القرآن والسنة على أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يحب التوابين، فلا ينبغي لمسلم أن ييأس من رحمة ربه مهما كثرت ذنوبه، بل يبادر إلى الاستغفار والرجوع.
أثر الطمأنينة في مواجهة الوساوس
يشير المختصون في الإرشاد إلى أن القلق الزائد من الوساوس قد يزيدها حدة، وأن الطمأنينة والانشغال بالنافع من أسباب ضعفها. فإذا كانت الوساوس شديدة وتسبب ضيقاً متكرراً أو تعطل حياة الإنسان، فيُنصح بمراجعة مختص نفسي موثوق إلى جانب المحافظة على الذكر، لأن بعض الحالات قد تحتاج إلى علاج متخصص.
أسئلة شائعة
هل قصة الدعاء الذي أبكى الشيطان صحيحة؟
لا يعرف لها إسناد صحيح عن محمد بن واسع وفق ما ذكره عدد من الباحثين، ولذلك لا ينبغي الجزم بها أو نسبتها إليه على وجه القطع.
هل في الدعاء المذكور معنى مخالف؟
معانيه العامة في الاستعاذة وطلب البعد عن الشيطان معان حسنة، والإشكال في نسبة القصة واعتقاد خصوصية لهذا الدعاء دون دليل، لا في أصل الدعاء بالخير.
ما البديل الصحيح للتحصن من الشيطان؟
البديل هو الأذكار الثابتة في الكتاب والسنة، مع المحافظة على الفرائض والإكثار من ذكر الله، وسؤال أهل العلم الموثوقين عما يشكل.
خلاصة
قصة الدعاء الذي أبكى الشيطان من الحكايات المنتشرة التي تنسب إلى التابعي محمد بن واسع دون إسناد معتبر، وإن كانت ألفاظ الدعاء نفسها تحمل معاني حسنة في الاستعاذة والتوكل. والمنهج السليم أن يتثبت المسلم قبل النشر، وأن يحرص على الأذكار الصحيحة، ويجمع بين الدعاء والعمل الصالح، ليكون في حصن من ربه بعيداً عن الغفلة. فالقوة الحقيقية في مواجهة عدو الإنسان لا تكمن في قصة مثيرة أو صيغة غامضة، بل في قلب متعلق بالله، ولسان رطب بذكره، وجوارح مشغولة بطاعته، وعلم صحيح يقي صاحبه من الخرافات والمبالغات، ويهديه إلى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.
