حكم من يقول أن الاسلام غير صالح لكل زمان ومكان؟

يتكرر في النقاشات المعاصرة سؤال حول صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وحكم من يقول إن بعض الأحكام الشرعية لم تعد مناسبة لتطور العصر. وهو سؤال يمس العقيدة والفقه معاً، ويحتاج إلى فهم الفرق بين الثوابت التي لا تتغير والمتغيرات التي فتحت الشريعة فيها باب الاجتهاد.

بعد عرض نص الفتوى المنقولة، يقدم هذا المقال شرحاً لمعنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وأقسام الأحكام بين القطعي والظني، ومكانة الاجتهاد ومقاصد الشريعة، والحكمة التي ذكرها العلماء في أحكام الميراث، مع التنبيه إلى أن الحكم على الأفراد شأن أهل العلم والقضاء.

نص السؤال والجواب المنقول


حكم من يقول إن الإسلام غير صالح لكل زمان ومكان

السؤال :رجل يقول إن بعض الأحكام الشرعية تحتاج إلى إعادة نظر وأنها بحاجة إلى تعديل لكونها لا تناسب تطور هذا العصر ، مثال ذلك في الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين . فما حكم الشرع في مثل من يقول هذا الكلام ؟

الجواب :الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وبعد: 
الأحكام التي شرعها الله لعباده وبينها في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم كأحكام المواريث والصلوات الخمس والزكاة والصيام ونحو ذلك مما أوضحه الله لعباده وأجمعت عليه الأمة ليس لأحد الاعتراض عليها ولا تغييرها؛ لأنه تشريع محكم للأمة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى قيام الساعة ، ومن ذلك تفضيل الذكر على الأنثى من الأولاد وأولاد البنين والإخوة للأبوين وللأب؛ لأن الله سبحانه قد أوضحه في كتابه الكريم وأجمع عليه علماء المسلمين ، فالواجب العمل بذلك عن اعتقاد وإيمان ، ومن زعم أن الأصلح خلافه فهو كافر ، وهكذا من أجاز مخالفته يعتبر كافرا؛ لأنه معترض على الله سبحانه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى إجماع الأمة ، وعلى ولي الأمر أن يستتيبه إن كان مسلما ، فإن تاب وإلا وجب قتله كافرا مرتدا عن الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري . 
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين العافية من مضلات الفتن ومن مخالفة الشرع المطهر . 

معنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان

يقصد العلماء بقولهم إن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان أن أصولها وقواعدها الكلية قادرة على استيعاب حاجات البشر ومستجداتهم في كل عصر، لا أن كل مسألة جزئية منصوص عليها بعينها. فالشريعة جاءت بنصوص قطعية محدودة في أبواب العقائد والعبادات وبعض المعاملات، ثم وضعت قواعد عامة ومقاصد كلية يُبنى عليها الحكم في ما لم يرد فيه نص صريح، وهذا ما يمنحها المرونة والقدرة على التجدد.

ومن هنا يقرر كثير من العلماء أن ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم يقتضي أن تكون رسالته عامة شاملة للناس كافة إلى قيام الساعة، وأن تشتمل على ما يحقق مصالحهم في كل عصر، وقد جاءت نصوص القرآن الكريم مؤكدة على عموم الرسالة وكمال الدين.

الثوابت والمتغيرات في الأحكام الشرعية

الأحكام القطعية

هي الأحكام التي ثبتت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، أو انعقد عليها إجماع العلماء، مثل وجوب الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج، وتحريم الربا والخمر والزنا، وأنصبة المواريث المفصلة في القرآن الكريم. وهذه الأحكام لا تتغير بتغير الزمان والمكان عند جمهور العلماء، لأنها مبنية على علم الله المحيط بمصالح عباده.

الأحكام الاجتهادية

هي الأحكام التي ثبتت بنصوص ظنية الدلالة أو الثبوت، أو بنيت على العرف والمصلحة، وهي مجال واسع لاجتهاد العلماء، ويجوز أن تختلف فيها الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأحوال. وقد صاغ الفقهاء في هذا قاعدة مشهورة تفيد أنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، والمقصود بها الأحكام المبنية على العرف والمصلحة لا الأحكام القطعية.

أمثلة على المتغيرات

  • وسائل إثبات العقود وتوثيقها، فقد استجدت فيها وسائل حديثة كالتوثيق الإلكتروني.
  • تنظيم شؤون الإدارة والدولة والمؤسسات بما يحقق العدل والمصلحة.
  • كثير من مسائل المعاملات المالية المعاصرة التي يجتهد فيها العلماء والمجامع الفقهية.
  • الأعراف المتعلقة بالنفقة والمهر وتقدير الحاجات بحسب البلد والزمن.

مكانة الاجتهاد في الإسلام

الاجتهاد هو بذل الفقيه وسعه في استنباط الحكم الشرعي من أدلته التفصيلية، وقد أقرته الشريعة وجعلت للمجتهد أجراً إن أخطأ وأجرين إن أصاب، كما هو مشهور عند أهل العلم. وللاجتهاد شروط ذكرها الأصوليون، منها العلم بالقرآن والسنة ومواضع الإجماع واللغة العربية وأصول الفقه ومقاصد الشريعة، ولذلك لا يكون الاجتهاد لكل أحد، بل لمن تأهل له.

وفي العصر الحديث نشأت المجامع الفقهية التي تجمع العلماء من بلدان مختلفة للنظر في النوازل والقضايا المستجدة، كالمسائل الطبية والمصرفية والتقنية، وهو ما يعرف بالاجتهاد الجماعي، ويعد من أبرز مظاهر حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على مواكبة العصر.

مقاصد الشريعة

تحدث العلماء، ومنهم الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، عن أن الشريعة جاءت لحفظ مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وجمعوا هذه المصالح في الضروريات الخمس، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ثم تأتي بعدها الحاجيات التي ترفع الحرج والمشقة، والتحسينيات التي تتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

ويساعد فهم المقاصد على إدراك الحكمة من الأحكام، وعلى الاجتهاد في المستجدات بما يحقق هذه المصالح، لكنه لا يعني عند العلماء تعطيل النصوص القطعية بدعوى المصلحة، لأن المصلحة الحقيقية هي ما شهد له الشرع بالاعتبار.

الحكمة في أحكام الميراث

تعد أحكام المواريث من أكثر الأحكام تفصيلاً في القرآن الكريم، وقد ذكر العلماء في تفسير تفاوت الأنصبة في بعض الحالات حكماً متعددة، أبرزها ارتباط الميراث بنظام النفقة في الإسلام، إذ يكلف الرجل بالمهر والنفقة على زوجته وأولاده وأحياناً على أقاربه، بينما لا تكلف المرأة بالنفقة على أحد ولو كانت غنية، ويبقى مالها خالصاً لها.

وينبه الباحثون في علم المواريث إلى أن قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين ليست قاعدة عامة في كل الحالات، بل تخص حالات محددة كالأبناء والبنات والإخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، وأن هناك حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل، وحالات ترث فيها أكثر منه، وحالات ترث فيها ولا يرث نظيرها من الرجال. ولذلك فإن النظر إلى نظام المواريث نظرة شاملة يبين توازنه ضمن منظومة الحقوق والواجبات في الأسرة.

خصائص الشريعة التي يستدل بها على صلاحيتها

ذكر العلماء المعاصرون جملة من الخصائص التي تميز الشريعة الإسلامية وتجعلها قادرة على الاستمرار عبر العصور، ومن أبرزها:

  1. الربانية: أي أن مصدرها الوحي الإلهي، وهو ما يمنحها الثبات في أصولها والاستقلال عن أهواء البشر وتقلباتهم.
  2. الشمول: فهي تنظم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبمجتمعه، وتشمل العبادات والمعاملات والأخلاق وشؤون الأسرة والحكم.
  3. الوسطية والاعتدال: إذ تجمع بين حاجات الروح والجسد، وبين مصلحة الفرد والجماعة، دون إفراط أو تفريط.
  4. اليسر ورفع الحرج: وقد تواترت النصوص على أن الله يريد بعباده اليسر، ومن هنا شرعت الرخص كقصر الصلاة للمسافر والفطر للمريض.
  5. الواقعية: فهي تراعي طبيعة الإنسان وضعفه وتدرجه، وتعالج الواقع بأحكام قابلة للتطبيق.
  6. الجمع بين الثبات والمرونة: وهي الخاصية الأهم في موضوع هذا المقال، إذ تثبت في الأصول والغايات، وتتسع في الوسائل والتفاصيل.

ويرى العلماء أن هذه الخصائص مجتمعة هي التي مكنت الفقه الإسلامي من التعامل مع بيئات متنوعة من الأندلس غرباً إلى آسيا شرقاً، ومن عصور متعاقبة حتى يومنا هذا، فقد تعامل الفقهاء في كل بيئة مع أعراف الناس وظروفهم المحلية، فنشأت المذاهب الفقهية المتعددة التي يعدها العلماء ثروة تشريعية تتيح للأمة سعة في الاختيار ضمن الأصول المتفق عليها، وتدل على أن الاختلاف المنضبط في الفروع رحمة وسعة لا تفرق وتناقض.

منهج التعامل مع الشبهات المعاصرة

يرى العلماء أن التعامل مع من يثير الشبهات حول الأحكام الشرعية يبدأ بالحوار العلمي الهادئ، وبيان الأدلة والحكم، وإزالة اللبس، فكثير من الاعتراضات تنشأ عن عدم معرفة تفاصيل الحكم أو عن مقارنته بمعزل عن منظومته الكاملة. كما يؤكدون أن الحكم على شخص بعينه بالكفر أو الردة مسألة خطيرة لها شروط وموانع، ولا يتولاها عامة الناس، بل يرجع فيها إلى أهل العلم الراسخين والقضاء الشرعي المختص، مع التثبت والتحقق من قصد القائل وفهمه. ويحذر العلماء من التسرع في إطلاق الأحكام على الناس، لما في ذلك من مفاسد عظيمة على الفرد والمجتمع، ويؤكدون أن الأصل في المسلم السلامة حتى يثبت خلاف ذلك بيقين.

أسئلة شائعة

هل يعني تجديد الخطاب الديني تغيير الأحكام؟

يفرق العلماء بين تجديد أسلوب عرض الدين ووسائل الدعوة وفهم الواقع، وبين تغيير الأحكام القطعية، فالأول مطلوب ومشروع، والثاني مرفوض عند جمهورهم.

من يحق له الاجتهاد في المسائل المعاصرة؟

يحق للعلماء المؤهلين الذين تتوافر فيهم شروط الاجتهاد، ويفضل في القضايا العامة الاجتهاد الجماعي عبر المجامع الفقهية والهيئات العلمية.

هل ترث المرأة دائماً نصف ما يرثه الرجل؟

لا، فهذه القاعدة تخص حالات محددة، وفي حالات أخرى تتساوى المرأة مع الرجل أو تزيد عليه، بحسب درجة القرابة وموقع الوارث.

خلاصة

صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تقوم على الجمع بين ثوابت قطعية تحفظ هوية الدين، ومساحة واسعة من الاجتهاد المنضبط تستوعب المستجدات، تحكمها مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. ومن المهم عند مناقشة هذه القضايا التمييز بين القطعي والظني، وفهم الأحكام ضمن منظومتها الكاملة، وترك الحكم على الأشخاص لأهل العلم والقضاء، مع اعتماد الحوار العلمي سبيلاً لإزالة الشبهات.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !