البعيد القريب " قصة مفيدة "

تحمل قصة البعيد القريب، أو قصة الفأر والمصيدة، درسًا بليغًا في أسلوب الحكايات الرمزية التي تجري على ألسنة الحيوانات: فما يبدو مشكلة تخص غيرنا قد يمتد أثره إلينا بطرق لا نتوقعها. فقد استخفت الدجاجة والخروف والبقرة بخوف الفأر، فكانت المفاجأة أنهم كانوا أول الضحايا.

بعد عرض القصة كما وردت، نتناول في هذا المقال فن الحكاية على لسان الحيوان في التراث العربي والعالمي، من كليلة ودمنة إلى حكايات إيسوب ولافونتين، ونقف عند المعاني التي تحملها القصة عن التضامن والمسؤولية الجماعية، ونربطها بأمثال عربية مشهورة، ونقترح طرقًا للاستفادة منها في التربية والعمل.

حكاية الفأر والمصيدة


البعيد القريب 

قصة البعيد القريب والفأر ومصيدة المزرعة

في احدي المزارع كان هناك فأر يزعج أهل المزرعة فقرروا شراء مصيدة للفئران و عندما شاهد الفأر تلك المصيدة اندفع كالمجنون في أرجاء المزرعة وهو يصيح : " لقد جاؤوا بمصيدة الفئران يا ويلنا !!! " .

هنا صاحت الدجاجة محتجة !! :" اسمع يا فرفور ، المصيدة هذه مشكلتك أنت فلا تزعجنا بصياحك وعويلك "

فتوجه الفأر إلى الخروف قائلاً :" الحذر، الحذر ففي البيت مصيدة " .

فابتسم الخروف وقال : "يا جبان ، لماذا تمارس السرقة والتخريب طالما أنك تخشى العواقب ثم إنك المقصود بالمصيدة فلا توجع رؤوسنا بصراخك ، وأنصحك بالكف عن سرقة الطعام وقرض الحبال والأخشاب …" .

هنا لم يجد الفأر مناصا من الاستنجاد بالبقرة التي قالت له باستخفاف …:" ماذا ؟ في بيتنا مصيدة يبدو أنهم يريدون اصطياد الأبقار بها …!!هل أطلب اللجوء السياسي في حديقة الحيوان ؟ " .

عندئذ أدرك الفأر أنه لن يساعده أحد وقرر أن يتدبر أمره بنفسه وواصل مراقبة المزرعة حتى عرف موضع المصيدة، ونام بعدها قرير العين بعد أن قرر الابتعاد من مكمن الخطر وفجأة شق سكون الليل صوت المصيدة وهي تنطبق على فريسة وهرع الفأر إلى حيث المصيدة ليرى ثعبانا يتلوى بعد أن أمسكت المصيدة بذيله ثم جاءت زوجة المزارع …وبسبب الظلام حسبت أن الفأر هو الذي وقع في المصيدة وأمسكت بالمصيدة فعضها الثعبان فذهب بها زوجها على الفور إلى المستشفى حيث تلقت إسعافات أولية، وعادت إلى البيت وهي تعاني من ارتفاع في درجة الحرارة.

وبالطبع فإن الشخص المسموم بحاجة إلى سوائل، ويستحسن أن يتناول الشوربة وهكذا قام المزارع بذبح الدجاجة وصنع منها حساء لزوجته المحمومة وتدفق الأهل والجيران لتفقد أحوالها، فكان لابد من ذبح الخروف لإطعامهم ولكن الزوجة المسكينة توفيت بعد صراع مع السموم دام عدة أيام وجاء المعزون بالمئات واضطر المزارع إلى ذبح بقرته لتوفير الطعام لهم.

هل لاحظت !!!
بأن الحيوان الوحيد الذي بقي على قيد الحياة هو الفأر الذي كان مستهدفا بالمصيدة … وكان الوحيد الذي استشعر الخطر ثم فكر في أمر من يحسبون أنهم بعيدون عن المصيدة ،فلا يستشعرون الخطر بل يستخفون بمخاوف الفأر الذي يعرف بالغريزة والتجربة أن ضحايا المصيدة قد يكونون أكثر مما تتصورون


:: في الختام تذكر ::
حتى لو كـانت المشكلة التي تحدث قريباً منك لا تعنيـك فلا تستخف بهـا لأن من الممكن أن تؤثر عليك نتائجها لاحقـا ومن الأولى أن تقف مع صديقك عند الحاجة وكأنها مشاكلك .

الحكاية على لسان الحيوان: فن قديم

تُعد الحكايات التي يتحدث فيها الحيوان من أقدم أشكال الأدب في العالم، لأنها تتيح للكاتب أن يعرض الأخلاق والطباع البشرية بصورة غير مباشرة، فيتقبلها القارئ دون أن يشعر بأنه المقصود بالنقد. ويطلق النقاد على هذا اللون اسم الخرافة أو الحكاية الرمزية، وغالبًا ما تنتهي بعبرة أخلاقية واضحة.

كليلة ودمنة

في التراث العربي يبرز كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه عبد الله بن المقفع في العصر العباسي عن أصل فارسي، يعود بدوره إلى أصول هندية قديمة. ويضم حكايات يرويها الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم، تدور على ألسنة الأسد والثور وابن آوى والحمامة والغراب والفأر وغيرها، وتحمل حكمًا في السياسة والصداقة والحذر والتعاون. ومن أشهر أبوابه باب الحمامة المطوقة الذي يروي كيف تعاونت حمامات وفأر وغراب وسلحفاة وظبي على النجاة من الصيادين، وهو قريب في روحه من قصتنا، وإن اختلفت نهايته.

إيسوب ولافونتين

وفي التراث الإغريقي تُنسب إلى إيسوب حكايات كثيرة مشهورة، كحكاية الأرنب والسلحفاة، والثعلب والعنب. ثم أعاد الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين في القرن السابع عشر صياغة كثير من هذه الحكايات شعرًا، فصارت من كلاسيكيات الأدب الفرنسي. وقد ترجم أمير الشعراء أحمد شوقي وغيره من الأدباء العرب حكايات مشابهة، ونظموا حكايات جديدة للأطفال على لسان الحيوان.

معاني القصة ودروسها

الخطر لا يعرف الحدود

الفكرة المحورية أن المشكلات لا تبقى محصورة في من تبدأ عنده. فالمصيدة التي وُضعت للفأر جرّت سلسلة من الأحداث: ثعبان علق فيها، فلدغ الزوجة، فمرضت، فذُبحت الدجاجة لعلاجها، ثم الخروف لإطعام الزوار، ثم البقرة لإطعام المعزين. ويُسمى هذا النوع من التسلسل في التفكير الحديث بالأثر المتتالي أو أثر الدومينو.

التعاطف ليس ترفًا

تكشف ردود الحيوانات الثلاثة أنواعًا من اللامبالاة يعرفها الناس في حياتهم: الدجاجة رأت أن المشكلة لا تعنيها، والخروف أضاف إلى اللامبالاة اللوم والوعظ، والبقرة سخرت واستخفت. وكلها مواقف تُضعف الروابط بين أفراد الجماعة الواحدة، وتجعل كل فرد يواجه مصيره وحيدًا.

من يستشعر الخطر

المفارقة أن الفأر، الذي كان المستهدف الأول، هو الوحيد الذي نجا، لأنه أخذ الخطر بجدية وراقب ودبّر أمره. وفي ذلك إشارة إلى أن الإحساس المبكر بالمشكلة، والتخطيط لمواجهتها، أنفع من الاطمئنان الزائف.

أمثال عربية تعبر عن المعنى

يحفظ التراث العربي أمثالًا تقترب من مغزى القصة، أشهرها قولهم: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض، ويروى في حكاية الأسد الذي استفرد بثلاثة ثيران بعد أن فرّق بينها، فقال آخرها هذا القول حين أدرك أن تخليه عن أخيه الأول كان بداية نهايته. ومن المعاني القريبة ما يتداوله الناس من أن النار تبدأ صغيرة في بيت الجار ثم تمتد إلى البيوت كلها إن لم تُطفأ. كما حث التراث الإسلامي على التعاون على البر والتقوى، وشبه المؤمنين في توادهم وتراحمهم بالجسد الواحد الذي يتداعى كله إذا اشتكى منه عضو.

تطبيقات في الحياة اليومية

  • في الأسرة: مشكلة أحد الأبناء في المدرسة قد تؤثر في استقرار البيت كله، فالاهتمام المبكر بها أفضل من تجاهلها.
  • في العمل: الخلل في قسم واحد قد ينعكس على أداء المؤسسة كاملة، ولهذا تشجع الإدارات الحديثة ثقافة الإبلاغ عن المخاطر والتعاون بين الفرق.
  • في الحي والمجتمع: قضايا كالنظافة والأمن والصحة العامة تمس الجميع، حتى من يظنون أنهم بعيدون عنها.
  • في الصحة العامة: الأوبئة مثال واضح على أن حماية الآخرين حماية للنفس.

القصة في التربية

تصلح هذه الحكاية للاستخدام في الصفوف الدراسية وجلسات الأسرة، فيمكن روايتها للأطفال ثم سؤالهم: لماذا لم تساعد الحيوانات الفأر؟ وماذا كان سيحدث لو تعاونت معه؟ ومن هو الفأر في حياتنا؟ وتساعد هذه الأسئلة على تنمية التفكير الناقد والتعاطف، وتعلم الأطفال أن مساعدة الآخرين ليست فضلًا فحسب، بل جزء من حماية الجماعة كلها.

البناء الفني للحكاية

تعتمد القصة على بناء بسيط محكم يتكرر فيه المشهد ثلاث مرات: الفأر يحذر، والحيوان يرفض. وهذا التكرار الثلاثي من سمات الحكايات الشعبية في ثقافات كثيرة، لأنه يسهل التذكر ويبني التوتر تدريجيًا لدى السامع. ثم تأتي نقطة التحول عند انطباق المصيدة في الليل، لتبدأ سلسلة النتائج التي تعكس الترتيب نفسه تقريبًا: الدجاجة أولًا، ثم الخروف، ثم البقرة. وهذا التناظر بين الرفض والعاقبة يمنح القصة إحكامًا فنيًا، ويجعل العبرة تصل إلى القارئ قبل أن يقرأ الخاتمة.

كما تحمل الشخصيات ملامح بشرية واضحة، فالدجاجة تمثل الأنانية الصريحة، والخروف يمثل من يتحدث بلغة الأخلاق والوعظ ليبرر تقاعسه، والبقرة تمثل المستهين الذي يسخر من مخاوف غيره لأنه يشعر بالقوة والأمان. أما الفأر، رغم أنه في نظر أهل المزرعة مخرب ومزعج، فيظهر في القصة كائنًا حذرًا ذكيًا، وكأن الحكاية تقول إن الحكمة قد تأتي من حيث لا نتوقع.

نسخ متعددة للقصة

تنتشر هذه الحكاية بنسخ مختلفة في لغات عدة، وتُستخدم كثيرًا في دورات التنمية الإدارية وبناء الفرق، مع اختلاف بسيط في التفاصيل والحيوانات. ولا يُعرف لها مؤلف محدد، فهي من القصص المتداولة التي تتناقلها الألسن ووسائل التواصل، ويضيف إليها كل راوٍ لمسته الخاصة.

أسئلة شائعة

ما العبرة الرئيسية من قصة الفأر والمصيدة؟

أن المشكلة التي تبدو بعيدة عنا قد تصيبنا آثارها، وأن التضامن مع الآخرين عند الشدة يحمي الجميع.

ما أصل الحكايات على لسان الحيوان في الأدب العربي؟

من أشهرها كتاب كليلة ودمنة الذي ترجمه ابن المقفع، ثم تواصل هذا الفن في أعمال أدباء كثيرين حتى العصر الحديث.

ما المثل العربي القريب من معنى القصة؟

أشهرها المثل القائل: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.

كيف يمكن استخدام القصة في بيئة العمل؟

يستعملها المدربون لتوضيح أهمية التواصل بين الأقسام، وتشجيع الموظفين على الإبلاغ عن المشكلات مبكرًا، والتعامل معها بوصفها مسؤولية مشتركة لا شأنًا فرديًا.

خلاصة

قصة البعيد القريب حكاية بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، تذكرنا بأن مصائرنا متشابكة، وأن اللامبالاة بمشكلات الآخرين قد ترتد علينا. وهي امتداد لتراث طويل من الحكايات الرمزية من كليلة ودمنة إلى إيسوب ولافونتين، تحمل للأطفال والكبار درسًا في التعاطف والتعاون واستشعار الخطر قبل وقوعه.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !