يُعد أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الخلفاء الراشدين، وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة، وأول من أسلم من الرجال الأحرار في قول كثير من المؤرخين. وقد تولى الخلافة في مرحلة دقيقة بعد وفاة النبي، فحافظ على وحدة الأمة وثبّت أركان الدولة. وبعد ما تعرضه المقالة من سيرته، نضيف حديثاً عن أبرز إنجازات خلافته، كجمع القرآن الكريم وحروب الردة وبعث الجيوش، وعن صفاته القيادية، ومنهجه في الحكم والإدارة.
سيرة الصديق رضي الله عنه

حياته قبل الإسلام
ولد أبو بكر في مكة المكرمة بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر. ونشأ فيها في حضن أبوين لهما الكرامة والعزّ في قومهما مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه. وكانت إقامته في مكة لا يخرج منها إلا لتجارة، إذ كان في الجاهلية رجلاً تاجرًا، ودخل بصرى من أرض الشام للتجارة وارتحل بين البلدان وكان رأس ماله 40 ألف درهم، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عُرف به في الجاهلية.
كان أبو بكر ممن حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية، فلم يشربها، وقد أجاب من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: «أعوذ بالله»، فقيل: «ولم؟» قال: «كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيّعًا لعرضه ومروءته».
كان أبو بكر أبيض البشرة نحيف الجسم خفيف العارضين (صفحتا الوجه) في ظهره انحناء لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه، معروق الوجه (لحم وجهه قليل)، غائر العينين نأتئ الجبهه، عاري الأشاجع (أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف).
اتفق جمهور أهل النسب وجزم به البخاري وغيره من المحدّثين على أن اسمه الأصلي هو "عبد الله" سمّاه به النبي محمد لما أسلم، وكان اسمه قبل ذلك "عبد الكعبة"، وقال أكثر المحدّثين أن "عبد الله" هو اسمه سماه به أهله. ويرى كثيرٌ من المحدّثين أن اسمه كان "عتيق"، سمّاه به النبي محمد، وقيل بل سمّاه بذلك أبوه، وقيل بل أمّه. بينما رجّح النووي والسيوطي وابن عساكر أن "عتيقًا" لقبٌ له وليس اسمًا. واختلفوا لم سمي "عتيقًا" فقيل: سُمي بذلك لعتاقة وجهه وجماله (والعتق: الجمال)، وقيل أنّ أمه كانت لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت «اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي»، وقيل إنما سُمي عتيقًا لأنه لم يكن في نسبه شيء يُعاب به، وقيل كان له أخوان عتق وعتيق فسمي باسم أحدهما، وقيل غير ذلك.
وأما لقب "الصّدّيق" فقيل أنه كان يُلقب به في الجاهلية لِما عرف منه من الصدق، إذ كان وجيهًا رئيسًا من رؤساء قريش وإليه كانت الديات في الجاهلية، وكان إذا حمل شيءًا قالت فيه قريش: «صدّقوه وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه أبو بكر»، وإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.
وسميت صدِّيقًا وكل مهاجر سواك يسمّى باسمه غير منكر
سبقت إلى الإسلام والله شاهد وكنتَ جليسًا بالعريش المشهر
وبالغار إذ سُمّيت بالغار صاحبًا وكنت رفيقا للنبي المطهّر
وكذلك لُقب أبو بكر "بالأوّاه" وهو لقب يدل على الخوف والوجل والخشية من الله، فعن إبراهيم النخعي أنه قال: «كان أبو بكر يُسمى بالأوّاه لرأفته ورحمته».
هو: عبد الله بن أبي قحافة واسمه عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
أمّه: أم الخير واسمها سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وهي ابنة عم أبي قحافة.
زوجاته
قتيلة بنت عبد العزى العامرية القرشية: وقد اختلف في إسلامها، وهي والدة عبد الله وأسماء. كان أبو بكر قد طلقها في الجاهلية، فيها نزل من القرآن آية: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ بعد أن رفضت ابنتها أسماء من أن تدخلها بيتها في المدينة المنورة.
أم رومان بنت عامر الفراسية الكنانية: وهي من بني الحارث بن غنم من قبيلة بني كنانة بن خزيمة، مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة في مكة، فتزوجها أبو بكر، وأسلمت قديمًا، وهاجرت إلى المدينة المنورة وهي والدة عبد الرحمن وعائشة. توفيت في المدينة المنورة في ذي الحجة سنة 6 هـ.
حبيبة بنت خارجة الخزرجية الأنصارية: أسلمت وولدت لأبي بكر أم كلثوم بعد وفاته. تزوجها من بعده "خبيب بن أساف بن عتبة بن عمر".
إسلامه
تختلف الروایات في سبقته بالإسلام وجاء الطبري في تاریخه بأقوال مختلفه بین أنه أوّل من أسلم من الذکور وبین أنه أسلم قبله أکثر من خمسین.ولكن يؤمن المسلمون السنة بروايات تقول أنه أول من أسلم من الذكور البالغين ، روی عن ابن اسحاق انه الوحيد الذي أسلم دون تردد وصدق دعوة محمد على الفور.
بعد أن أسلم أبو بكر، ساند النبي محمد بن عبد الله في دعوته للإسلام مستفيداً من مكانته بين أهل قريش وحبّهم له، فأسلم على يديه الكثير، منهم خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم: عثمان بن عفان، والزُّبَير بن العوَّام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيدالله.
هاجر الكثير من المسلمين إلى يثرب، وبقي النبي في مكة وبعض المسلمين منهم أبو بكر الذي ظل منتظراً قراره بالهجرة حتى يهاجر معه، وكان قد أعد العدة للهجرة، فجهز راحلتين لهذا الغرض واستأجر عبد الله بن أريقط الليثي الكناني وكان مشركًا آنذاك ليدلهما على الطريق، ولم يعلم بخروجهما غير علي وآل أبي بكر .
بعدما وصل الرسول وأبي بكر للمدينة، قام النبي بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار،. عاش أبو بكر في المدينة طوال فترة حياة النبي وشهد معه الكثير من المشاهد، تقول الروايات أنه ممن حاولوا اقتحام حصن اليهود في غزوة خيبر، وأنه ممن ثبتوا مع النبي في معركة حنين حين انفض عنه المسلمين خوفاً وتفرقوا، كذلك يقال أنه حامل الراية السوداء في غزوة تبوك حيث كان هناك رايتان إحداهما بيضاء وكانت مع الأنصار والأخرى سوداء وقد اختلفت الروايات على حاملها فقيل علي بن أبي طالب وقيل أبو بكر. تزوج من حبيبة بنت زيد بن خارجة فولدت له أم كلثوم، ثم تزوج من أسماء بنت عميس فولدت له محمدًا.
وردت في السنّة النبوية عند أهل السنة والجماعة نصوص كثيرة تصرّح بفضل أبي بكر وتقديمه على غيره من الصحابة. ومن هذه النصوص ما أشارت إلى أحقّية أبي بكر في تولي الخلافة بعد النبي محمد. فمنها:
ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في المسند وغيرهم:
« عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : أتت امرأة النبي ،فأمرها أن ترجع إليه، قالت : أرأيت إن جئت ولم أجدك ؟ كأنها تقول : الموت، قال : «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» "»
وروى الحاكم في المستدرك وقال هذا حديث صحيح الإسناد، عن أنس بن مالك قال:
وروى البيهقي في دلائل النبوّة عن سعيد بن جمهان عن سفينة والحاكم في المستدرك عن عائشة، وقال هذا حديث صحيح الإسناد:
« قالت: أول حجر حمله النبي لبناء المسجد، ثم حمل أبو بكر حجرا آخر، ثم حمل عثمان حجرا آخر، فقلت : يا رسول الله، ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك ؟ فقال : «يا عائشة، هؤلاء الخلفاء من بعدي»
«لما مرض رسول الله مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فأذن فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، وأعاد فأعادوا له، فأعاد الثالثة فقال: «إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس» فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي أن مكانك ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه.»
قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح": قال النووي: (أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضله).
وبعد وفاة النبي بويع أبو بكر بالخلافة في سقيفة بني ساعدة.
وجهز في فترة حكمه حروب الردة؛ ضد أولئك الذين رفضوا دفع الزكاة، وأرسل جيشاً بقيادة أسامة بن زيد كان قد جهزه النبي محمد قبل وفاته لقتال الروم.
قبيل وفاة أبو بكر، شاور طائفة من ذوي النظر والمشورة من الصحابة، فاتفقت كلمتهم على أن يعهد بالخلافة من بعده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ذكر ذلك الطبري وابن الجوزي وابن كثير: «أن أبا بكر خشي على المسلمين أن يختلفوا من بعده ثم لا يجتمعوا على رأي، فدعاهم لما أثقل عليه المرض إلى أن يبحثوا لأنفسهم عن خليفة من بعده. إلا أن المسلمين لم يتفقوا فيما بينهم على من يخلف أبا بكر، فوضعوا الأمر بين يدي أبي بكر، وعندئذ أخذ يستشير أعيان الصحابة، كلاً منهم على انفراد، ولما رأى اتفاقهم على جدارة عمر وفضله، طلع على الناس وأخبرهم أنه قد استخلف عمر عليهم، فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا.» ، وبعد أن رأى أبو بكر موافقة الناس جميعاً على استخلافة عمر عليهم، دعا عثمان بن عفان وأملى عليه الكتاب التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر ويوقن فيها الفاجر؛ إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن صبر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدّل فلا علم لي بالغيب، والخيرَ أردتُ، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون»
توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء 7 جمادى الآخرة في سنة 13 هـ الموافق 634 م في المدينة المنورة عن عمر يناهز 63 سنة، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ، ودفن في بيت عائشة إلى جوار الرسول رسول الله محمد. وترك من الأولاد: عبد الله، عبد الرحمن، محمد، عائشة أسماء وأم كلثوم.
شهادة علي بن أبي طالب في أبي بكر
قد ذكر ابن الجوزي بسنده في كتابه "التبصرة": «لما قبض أبو بكر الصديق وسجى عليه ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض رسول الله قال: فجاء علي بن أبي طالب مستعجلاً مسرعاً مسترجعاً فقال: "رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته وكنت أول القوم إسلاماً وأخلصهم إيماناً وأشدهم لله يقيناً وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل وأحوطهم على رسول الله وأحد بهم على الإسلام وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله هدياً وسمتاً وأشرفهم منزلة وأرفعهم عنده وأكرمهم عليه فجزاك الله عن رسوله وعن الإسلام أفضل الجزاء... فإنا لله وإنا إليه راجعون رضينا عن الله عز وجل قضاءه وسلمنا له أمره والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً كنت للدين عزا وحرزا وكهفا فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك" فسكت الناس حتى قضى كلامه ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله .» .
أبرز إنجازات خلافته
استمرت خلافة الصديق نحو سنتين وأشهر، لكنها كانت حافلة بأحداث كبرى أسهمت في حفظ الدين وتثبيت الدولة.
إنفاذ جيش أسامة
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جهز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد قبل وفاته، فأصر أبو بكر على إنفاذه رغم الظروف الصعبة، تنفيذاً لأمر النبي، وكان لذلك أثر في إظهار قوة المسلمين.
مواجهة الردة
ارتدت بعض القبائل بعد وفاة النبي، وامتنع بعضها عن أداء الزكاة، وظهر مدعو نبوة، فاتخذ الخليفة موقفاً حازماً، وأرسل الجيوش التي أعادت الاستقرار إلى الجزيرة العربية.
جمع القرآن الكريم
بعد استشهاد عدد كبير من حفظة القرآن في معركة اليمامة، أشار عمر بن الخطاب بجمع القرآن في مصحف واحد، فتردد أبو بكر أولاً ثم اقتنع، وكلف زيد بن ثابت بهذه المهمة، فجمعه من الرقاع وصدور الحفاظ بمنهج دقيق في التوثيق.
صفاته القيادية ومنهجه في الحكم
- الثبات عند الأزمات: وظهر ذلك يوم وفاة النبي حين ثبت الناس وذكّرهم بحقيقة الموت.
- التواضع والزهد: إذ ظل يعيش حياة بسيطة رغم توليه الخلافة.
- الشورى: كان يستشير كبار الصحابة في الأمور المهمة.
- العدل والمساءلة: وقد أعلن في خطبته الأولى بعد توليه الخلافة أن الطاعة له مرتبطة بطاعته لله، وأن للناس أن يقوّموه إن أخطأ.
بداية الفتوحات
في أواخر خلافته بدأت حركة الفتوح نحو العراق والشام، وأرسل قادة مثل خالد بن الوليد، وكانت تلك بدايات التوسع الذي استمر في عهد من جاء بعده.
أسئلة شائعة
لماذا لُقب بالصديق؟
تذكر كتب السيرة أنه لُقب بذلك لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، ومن أشهر ذلك تصديقه بخبر الإسراء والمعراج دون تردد.
من خلفه في الخلافة؟
عهد قبل وفاته بالخلافة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن استشار عدداً من كبار الصحابة.
خلاصة
تمثل سيرة الخليفة الأول نموذجاً في الإيمان والثبات والحكمة، فقد حفظ الله به وحدة الأمة في أصعب لحظاتها، وجمع القرآن في مصحف واحد، ووضع أسس دولة قامت على الشورى والعدل.