تُعد الهجرة النبوية من أعظم الأحداث في تاريخ الإسلام، فقد كانت نقطة تحول من مرحلة الدعوة في مكة وما واجهته من أذى إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة في المدينة المنورة، واتخذها المسلمون بداية لتقويمهم الهجري. وقد سبقتها هجرة بعض الصحابة إلى الحبشة فراراً بدينهم. وبعد ما تعرضه المقالة عن الهجرتين وأهدافهما، نضيف حديثاً عن الخطوات الأولى لبناء المجتمع في المدينة، ودروس التخطيط والتوكل المستفادة من الرحلة، وقصة اعتماد التقويم الهجري.
الهجرة إلى الحبشة ويثرب وأهدافها

الهجرة
هي انتقال الأفراد من مكان إلى اّخر لأسباب مختلفة ،الهجرة النبوية :: هي خروج النبى (صلى الله عليه وسلم) واصحابه رضوان الله عليهم من مكة إلى المدينة المنورة (الاسم القديم للمدينه المنوره هو يثرب)فرارا من اذى الكفار، ومنها قد بدأ التاريخ الهجرى على يد "عمر بن الخطاب " (رضى الله عنه وارضاه)
ولما كان الانتقال جهدا لأصحابه نفسيا وماديا حيث يترك أرضه الأولى وما له فيها من ذكريات ومنافع، إلى أرض أخرى جديدة لا يدري ماذا يحدث له فيها: كان التوجيه القرآنى والترغيب النبوى مصاحبا للمهاجرين الذين اضطهدوا في أرضهم لإيمانهم بربهم وما اقتضاه إيمانهم من انتقالهم إلى العبادة الصحيحة والمعاملة الحسنة ومكارم الأخلاق، فأخرج المؤمنون من ديارهم، وأوذوا في سبيل الله، فكان التوجيه النبوى أن تكون الهجرة لله وحده "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، يؤجرعليها بما جاء من الوعد الصادق، "ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"،.
وكما أثنى الله على المهاجرين أثنى على من أحسنوا استقبالهم ونصرتهم قال جل شأنه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم}التوبة،
وقال رسول الإسلام: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".
الهجرة الأولى إلى الحبشة
لما رأى رسول ومكث هو فلم يبرح يدعو إلى الله سرا وجهرا. وكاننسطوريين، فخرج المهاجرون متسللين سرا وذلك في شهر رجب سنة خمس بعد النبوة 615 م.
وكان الذين خرجوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة حتى انتهوا إلى الشعيبة، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيها إلى أرض الحبشة وخرجت قريش في أثرهم حتى جاؤوا البحر حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا، فكان خروجهم سرا.
وكانت هذه الهجرة الأولى مقدمة إلى يثرب. كان ممن هاجر إلى الحبشة عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت محمد وأبو حذيفة بن عتبة ومعه امرأته سلمة وعثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو وسهيل
سبب عودة المسلمين من هجرة الحبشة الأولى إلى مكة: لم تدم هجرة المسلمين الأولى للحبشة طويلاً، حيث رجع المسلمون من أرض هجرتهم إلى مكة بعد أن بلغهم أن قريشاً هادنت الإسلام وتركت أهله أحراراً، إن الأشاعة التي بلغت المؤمنين في أرض الهجرة تركت أثرها في قلوبهم، فقرروا العودة إلى وطنهم، وكان سبب هذه الإشاعة أن النبي خرج إلى الحرم وفيه جمع كبير من قريش، فقام فيهم وأخذ يتلو سورة النجم، ولم يكن المشركون قد سمعوا القرآن سماع منصت من قبل، لأن أسلوبهم المتواصل كان العمل بما تواصى به بعضهم بعضاً {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}[فصلت: 26]. فلما فاجأهم النبي بتلاوة هذه السورة، وقرع آذانهم القرآن في روعة بيانه، وجلالة معانيه، أعطوه سمعهم، فلما قرأ النبي قوله تعالى:(فاسجدوا لله واعبدوا)[النجم: 62]سجد، فلم يتمالك المشركون أنفسهم فسجدوا. وفي الحقيقة كانت روعة الحق قد صدعت العناد والكبر الذي في نفوسهم، فخروا ساجدين، فبلغ هذا الخبر مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تماماً عن صورته الحقيقية، حيث بلغهم أن قريشاً أسلمت، فرجعوا إلى مكة آملين أن يعيشوا مع رسول الله وبين قومهم وأهلهم آمنين، فلما وصلوا قريباً من مكة عرفوا حقيقة الأمر، وأن ما وصلهم من الأخبار غير صحيح، بل إن قريشاً أشد وأنكى على المسلمين من ذي قبل، فرجع من رجع منهم، ومن دخل مكة دخلها مستخفياً، أوفي جوار رجل من المشركين.
لما قدم أصحاب النبي مكة من الهجرة الأولى (بسبب إسلام عمر وإظهار الإسلام)، اشتد عليهم قومهم واعتدت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديداوقررت مكة من جديد أن تنشط في مواجهة الدعوة، فاستنَّت التشريعات والقرارات التالية: أولاً: منع المؤمنين من السفر: وفي سبيل ذلك قاموا بتشديد الحراسة على مخارج مكة، ومطاردة كل من يخرج منها من المؤمنين، وقد وضعوا على قائمة الممنوعين من السفر كل من عرف عنه الإيمان أو اشتبه في إيمانه، وذلك كله لوقف الهجرة إلى الحبشة. وقد يرى البعض أنه من المفترض أن يكون المشركون سعداء بترك المسلمين لأرض مكة؛ حيث إنهم سيتخلصون من القلق الذي يسببه وجودهم معهم وبينهم، فلماذا إذن يمنعونهم من الهجرة؟! أما الإجابة فهي أن قريشًا كانت تفكر فيما يلي:
هاجر الرسول إلى المدينة المنورة، مع أبي بكر الصديق بما عرف بـ عام الهجرة. وفشلت محاولات قريش في تتبعه وإعادته وتجلت عناية الله في الطريق وشهدت بذلك "أم معبد" كما شهد سراقة حتى وصل إلى المدينة المنورة فاستقبل بفرح المؤمنين، وأنشد الأنصار طلع البدر علينا، وأقام مسجدا وحمل فيه الحجارة مع أصحابه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ووضع ميثاقا عظيما لتنظيم العلاقة بين المقيمين من المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة المنورة وظهرت آثار الهجرة في مغالات التأسيس للدولة والأمة.
وسميت المدينة بدار الهجرة والسنة كما في صحيح البخاري، وصارت الهجرة إليها من سائر الأنحاء الأخرى التي بلغها الإسلام تقوية للدولة إلى أن قال النبي بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" (متفق عليه) وبقي معنى الهجرة في هجر ما نهى الله عنه، وبقت تاريخا للأمة.
يقول الرسول الكريم لأتباعه قبل هجرته بأشهر قليلة: " رأيت دار هجرتكم أرض نخل بين لابتين ـ حرتين ـ "، وهذا الوصف موجود كذلك في الانجيل والتواة كما ورد في بعض الروايات وكان اليهود يهددون أهل يثرب من الأوس والخزرج بقولهم : (لقد أظلنا زمان نبي فوالله لنتبعنه ثم لنقاتلنكم معه ولنذبحنكم كذبح عاد وثمود)
للهجرة عند المسلمين معان عميقة في الوجدان والعقيدة، إذ تفصل بين الحق والباطل بالهجرة إلى الله، بالهجرة من الشرك والكفر إلى الإسلام، وبذلك تعد الحد الفاصل بين عوائد المجتمع الجاهلي ونظامه وتأسيس دولة الإسلام بالمدينة المنورة. ولذلك كله بدأ التأريخ الهجري أو (تقويم هجري) عند المسلمين انطلاقا من عام الهجرة النبوية من مكة إلى يثرب التي أصبحت بعد ذلك تسمى المدينة المنورة.
بناء المجتمع في المدينة
بدأ النبي صلى الله عليه وسلم فور وصوله إلى المدينة خطوات تأسيسية وضعت أسس المجتمع الجديد، ويذكرها كتّاب السيرة مرتبة على النحو الآتي.
الخطوات التأسيسية
- بناء المسجد النبوي: ليكون مكاناً للعبادة والتعليم والشورى واستقبال الوفود.
- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: فتقاسم الأنصار مع إخوانهم المهاجرين ما يملكون، وتحقق التكافل في أبهى صوره.
- كتابة الصحيفة: وهي وثيقة نظمت العلاقات بين سكان المدينة من المسلمين وغيرهم، وحددت الحقوق والواجبات.
- تنظيم السوق: لتحرير التجارة من الاحتكار والغش.
دلالات هذه الخطوات
يرى الباحثون في السيرة أن هذه الخطوات جمعت بين البناء الروحي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأنها تكشف عن رؤية متكاملة للمجتمع تقوم على العبادة والأخوة والعدل والتعايش.
دروس من رحلة الهجرة
- الأخذ بالأسباب: ظهر في اختيار الصاحب والدليل والطريق غير المعتاد والاختباء في الغار.
- التوكل على الله: مع كمال الأخذ بالأسباب، ظل القلب معلقاً بالله.
- دور الشباب والمرأة: فقد شارك في تفاصيل الرحلة شباب ونساء من آل أبي بكر.
- الأمانة: إذ ترك النبي علياً رضي الله عنه في مكة ليرد الأمانات إلى أهلها رغم عداوتهم.
اعتماد التقويم الهجري
تذكر كتب التاريخ أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الصحابة للتشاور في اعتماد تاريخ تُؤرخ به المكاتبات، فاستقر الرأي على جعل الهجرة بداية التقويم، وجُعل شهر المحرم أول شهوره.
أسئلة شائعة
لماذا اختار المسلمون الحبشة للهجرة الأولى؟
لأن ملكها كان معروفاً بالعدل، فأرشد النبي أصحابه إليها ليأمنوا على دينهم وأنفسهم.
هل وصل النبي إلى المدينة في محرم؟
يذكر كثير من المؤرخين أن وصوله كان في شهر ربيع الأول، أما اختيار محرم بداية للسنة الهجرية فكان لاحقاً لاعتبارات تنظيمية.
خلاصة
كانت الهجرة إلى المدينة بداية عهد جديد للأمة الإسلامية، جمعت بين التخطيط المحكم والتوكل الصادق، وأثمرت مجتمعاً قائماً على الإيمان والأخوة والعدل، وما زالت دروسها حية لكل جيل.