منطقة اسمها "الجونة"، بينها وبين الغردقة نحو ثلث ساعة بالسيارة فقط، وساعة ونصف بالطائرة إن انطلقت من بلاد الشام أو الخليج لتصل إلى مطار الغردقة الدولي الذي أصبح يستقبل رحلات من كافة أنحاء العالم، ثم ثلث ساعة إضافية تكون في الجونة، التي لا تُبالغ في وصفها ولا تحتاج لتجميل: من أجمل بقاع العالم، بجمال يُضاهي، بل يتفوّق أحيانًا على، أجمل المدن الأوروبية والعالمية الساحلية.

مدينة بُنيت من الصفر: قصة نشأة استثنائية
على عكس معظم المدن الساحلية التي تطوّرت عضويًا عبر قرون من التاريخ، تُمثّل الجونة حالة استثنائية في عالم التطوير العمراني السياحي، إذ أُنشئت بالكامل من الصفر بدءًا من أواخر ثمانينيات القرن الماضي، على يد رجل الأعمال المصري سامح ساويرس ومجموعة أوراسكوم للتنمية، على مساحة كانت في الأصل أرضًا صحراوية قاحلة تمامًا على ساحل البحر الأحمر. تحوّلت هذه الأرض القاحلة تدريجيًا، عبر تخطيط عمراني مدروس بعناية فائقة، إلى مدينة متكاملة تجمع بين الفنادق الفاخرة، والمناطق السكنية، والمرافق الترفيهية، دون أن تفقد طابعها المعماري المتناغم الفريد الذي يُميّزها عن أي وجهة سياحية أخرى على البحر الأحمر.

"البندقية المصرية": نظام البحيرات الفريد
يُطلق كثيرون على الجونة لقب "البندقية المصرية"، وذلك بفضل نظام البحيرات والقنوات المائية الاصطناعية المعقّد الذي صُمِّم بعناية ليمتد عبر أجزاء واسعة من المدينة، رابطًا بين مختلف مناطقها السكنية والفندقية والترفيهية بشبكة مائية ساحرة تُذكّر فعلًا بالمدينة الإيطالية الشهيرة. لا تخدم هذه البحيرات غرضًا جماليًا فقط، بل توفّر أيضًا وسيلة تنقّل بحرية ممتعة عبر قوارب صغيرة بين مختلف أجزاء المدينة، ما يمنح الزائر تجربة تنقّل مختلفة تمامًا عن أي وجهة سياحية تقليدية أخرى في مصر أو المنطقة.

جنة الغوص والرياضات المائية
تحظى مياه البحر الأحمر المحيطة بالجونة بسمعة عالمية استثنائية بين هواة الغوص، بفضل الشعاب المرجانية النابضة بالحياة والتنوع البيولوجي البحري الغني الذي تحتضنه هذه المنطقة تحديدًا من البحر الأحمر. تنتشر في الجونة عشرات مراكز الغوص المرخّصة والمعتمدة دوليًا، التي تُقدّم دورات تدريبية لجميع المستويات، من المبتدئين تمامًا وحتى الغواصين المحترفين الباحثين عن مواقع غوص متقدمة، إضافة لرياضات مائية أخرى شائعة جدًا في المدينة كركوب الأمواج الشراعي (Kitesurfing)، الذي تشتهر به الجونة عالميًا بفضل ظروف الرياح المثالية نسبيًا التي تتميز بها المنطقة معظم أيام السنة.

هوية معمارية متجذّرة في التراث النوبي
رغم كونها مدينة حديثة النشأة نسبيًا، حرص مخططو الجونة على تجنّب الوقوع في فخ العمارة السياحية النمطية الحديثة الجاهزة، واعتمدوا بدلًا من ذلك طرازًا معماريًا مستوحى بعمق من التراث النوبي المصري الأصيل: القباب الطينية المُقوَّسة، والألوان الترابية الدافئة المتناغمة مع البيئة الصحراوية المحيطة، والأزقة الضيقة المتعرّجة التي تُذكّر بالقرى النوبية التقليدية على ضفاف النيل. هذا الاختيار المعماري الواعي منح الجونة هويتها البصرية الفريدة والمميزة، التي تجعلها تبدو أصيلة ومتجذّرة رغم حداثة عمرها الفعلي كمدينة.

موقع استراتيجي يجمع بين الهدوء وسهولة الوصول
يُعدّ الموقع الجغرافي للجونة أحد أهم عوامل جاذبيتها السياحية، إذ توفّر المدينة توازنًا مثاليًا نادرًا بين الهدوء والخصوصية النسبية بعيدًا عن ازدحام المراكز السياحية الكبرى، وسهولة الوصول الفائقة بفضل قربها الشديد من مطار الغردقة الدولي، الذي يستقبل رحلات مباشرة من عشرات الوجهات العالمية والإقليمية. هذا الجمع النادر بين "العزلة المريحة" و"سهولة الوصول" يجعل الجونة خيارًا مثاليًا لمن يبحث عن هروب سريع وفعّال من صخب المدن الكبرى، دون الحاجة لرحلة سفر طويلة ومُرهقة للوصول إلى وجهته.
وجهة عالمية للفعاليات والمهرجانات
عزّزت الجونة مكانتها السياحية العالمية عبر استضافتها لفعاليات ومهرجانات دولية بارزة على مرّ السنوات، أبرزها مهرجان الجونة السينمائي، الذي أصبح منذ انطلاقه أحد أهم المهرجانات السينمائية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، ويستقطب سنويًا نجومًا وصنّاع أفلام من مصر والعالم العربي والعالمية على حدٍّ سواء، ما زاد من الحضور الإعلامي والثقافي للمدينة عالميًا، بجانب سمعتها السياحية الراسخة أصلًا كوجهة شاطئية فاخرة.

الحياة الليلية والذواقة: تنوّع يُرضي كل الأذواق
لا تقتصر جاذبية الجونة على الأنشطة النهارية والشاطئية فقط، بل تمتد لتشمل مشهدًا ترفيهيًا وحياة ليلية نشطة تُلبّي أذواقًا متنوعة، من المطاعم العالمية المتخصصة في مختلف المطابخ حول العالم، إلى المقاهي الساحلية الهادئة المطلّة مباشرة على البحيرات، وصولًا للنوادي الليلية والفعاليات الموسيقية الحية التي تجعل من المدينة وجهة جذابة لفئات عمرية متنوعة، لا للعائلات الباحثة عن الاسترخاء الشاطئي فقط.

الجونة كمثال للسياحة المستدامة
حرصت إدارة الجونة منذ البداية على تبنّي مبادئ استدامة بيئية واضحة في تخطيط المدينة وإدارتها اليومية، نظرًا لحساسية البيئة البحرية والصحراوية المحيطة بها. من أبرز هذه الجهود الاهتمام الخاص بحماية الشعاب المرجانية المحيطة من أي أضرار قد تنتج عن الأنشطة السياحية المكثّفة، عبر وضع قواعد صارمة لممارسة الغوص والرياضات المائية بالقرب من المناطق الحساسة بيئيًا، إضافة إلى اعتماد أنظمة معالجة مياه متطورة نسبيًا للحفاظ على جودة مياه البحيرات الداخلية الاصطناعية التي تُشكّل جزءًا أساسيًا من هوية المدينة البصرية. هذا الاهتمام بالاستدامة البيئية جعل من الجونة نموذجًا يُستشهَد به أحيانًا في نقاشات التطوير السياحي المسؤول في المنطقة، خاصة في ظل التحديات البيئية المتزايدة التي تواجه مناطق البحر الأحمر الساحلية عمومًا نتيجة التوسّع السياحي السريع في العقود الأخيرة.
نصيحة عملية لمخطط الزيارة
يُنصح بتخصيص عدة أيام على الأقل لاستكشاف الجونة بشكل كافٍ، نظرًا لاتساع المدينة وتوزّع مناطقها الجذابة المختلفة (الميناء، والمارينا، وأحياء البحيرات، والشاطئ الرئيسي) على مسافات تتطلب وقتًا للتنقّل والاستكشاف الهادئ. كما يُفضّل تجنّب فصل الصيف الحار جدًا لمن لا يعتاد الحرارة الصحراوية الشديدة، واختيار فصلي الربيع أو الخريف للاستمتاع بطقس أكثر اعتدالًا يُناسب الأنشطة الخارجية والرياضات المائية على حدٍّ سواء.

تُثبت الجونة أن التطوير العمراني المدروس بعناية فائقة، حين يُوازن بين الطموح الحديث واحترام الهوية الثقافية المحلية الأصيلة، يمكن أن يُنتج مدينة تبدو وكأنها موجودة منذ قرون طويلة، لا مجرد مشروع سياحي حديث النشأة نسبيًا.
في الختام، تستحق الجونة فعلًا مكانتها كواحدة من أجمل الوجهات السياحية على ساحل البحر الأحمر المصري، بمزيجها الفريد من الجمال الطبيعي والتخطيط العمراني المتقن والهوية الثقافية الأصيلة، لتكون خيارًا مثاليًا لكل من يبحث عن تجربة سياحية متكاملة تجمع بين الاسترخاء الشاطئي، والمغامرة تحت الماء، والاستمتاع بحياة ثقافية وترفيهية نابضة، كل ذلك على أرض مصرية أصيلة تستحق الزيارة والاكتشاف مرارًا وتكرارًا.
.png)