الضرة مرة ولو كانت جرة

لقطة ظلية لجرة فخارية ذات مقبضين تظهر باللون الأسود أمام خلفية مضيئة باللونين الأصفر والأبيض توحي بمشهد غروب الشمس

قصة الضرة مرة ولو كانت جرة

كان أحد الرجال متزوجاً منذ زمن طويل وكانت زوجته لا تنجب فألحت عليه زوجته ذات يوم قائلة لماذا لا تتزوج ثانية يا زوجي العزيز فربما تنجب لك الزوجة الجديدة أبناء يحيون ذكرك. فقال الزوج ومالي بالزوجة الثانية فسوف تحدث بينكما المشاكل والغيرة. فقالت كلا يا زوجي العزيز فأنا أحبك وأودك وسوف أراعيها ولن تحدث أية مشاكل.

وأخيراً وافق الزوج على نصيحة زوجته وقال لها سوف أسافر يا زوجتي وسأتزوج امرأة غريبة عن هذه المدينة حتى لا تحدث أية مشاكل بينكما. وعاد الزوج من سفرته إلى بيته ومعه جرة كبيرة من الفخار قد ألبسها ثياب امرأة وغطاها بعباءة دون علم زوجته وأفرده لها حجرة خاصة وناداها قائلاً لها ها أنا ذا حققت نصيحتك يا زوجتي ولقد تزوجت امرأة ثانية.

وعندما عاد الزوج من عمله إلى البيت وجد زوجته تبكي فسألها ماذا يبكيك يا زوجتي فردت الزوجة إن زوجتك التي جئت بها شتمتني وأهانتني وأنا لن أصبر على هذه الإهانة. تعجب الزوج ثم قال أنا لن أرضى بإهانة زوجتي وسترين بعينيك ما سأفعله بها ثم تناول الزوج عصاه وضرب بها الضرة المزعومة على رأسها فتهشمت وإذا بها جرة فخارية والزوجة قد ذهلت فقال لها الزوج هل أدبتها لك. فقالت المرأة لزوجها لا تلمني على ما حدث فالضرة مرة ولو كانت جرة.

أصل المثل ودلالته

يُعدّ هذا المثل من الأمثال العربية الشعبية التي ظلت متداولة على ألسنة الناس عبر الأجيال ويُضرب في الحالات التي تُظهر فيها الغيرة بين الضرائر طبيعتها المريرة حتى في أبسط الصور وأخفها. فكلمة الضرة تعني الزوجة الثانية أو الزوجات الأخريات اللواتي يشاركن الزوجة الأولى في زوجها وهي كلمة تحمل في طياتها معنى الألم والمرارة منذ القدم.

والمثل يُشير إلى أن الغيرة بين النساء في مسألة الزواج ليست وليدة ظرف طارئ بل هي صفة متأصلة في النفس البشرية لا يمكن تجاوزها أو إزالتها مهما بدت الظروف مهيأة للوئام والتفاهم. فحتى الجرة الفخارية التي لا روح فيها ولا لسان لها أثارت الغيرة في نفس الزوجة الأولى بمجرد وجودها في البيت تحت مسمى الضرة.

السياق الاجتماعي للمثل

ينبع هذا المثل من بيئة اجتماعية عربية كان فيها تعدد الزوجات ظاهرة شائعة ومقبولة اجتماعياً لكنها لم تكن خالية من التوترات والمشاعر السلبية. وقد أدرك العرب من تجاربهم الطويلة أن المشكلات الناشئة عن تعدد الزوجات لا يمكن حلها بمجرد النوايا الحسنة أو الوعود المتبادلة بين الزوجات. فالزوجة التي تبدو متفهمة وراضية قبل الزواج الثاني غالباً ما تتغير مشاعرها بعد الوقوع الفعلي.

ويُعبّر هذا المثل عن حكمة اجتماعية عميقة مفادها أن المرء لا ينبغي أن يُغرّه الوعود الكريمة ولا التصريحات الطيبة عندما يتعلق الأمر بمسألة تمس مشاعر الإنسان في عمقها. فالزوجة التي طلبت من زوجها الزواج ثانية ظنت أنها ستستطيع التعامل مع الوضع الجديد بروح متسامحة لكنها سرعان ما اكتشفت أن الأمر يختلف كلياً حين أصبح واقعاً معاشاً.

بنية القصة وعناصرها الفنية

تتميز هذه القصة الشعبية ببنية فنية محكمة تبدأ بمشكلة وهي العقم ثم تتطور من خلال الحوار بين الزوجين حول الحل المقترح وهو الزواج الثاني ثم تصل إلى الذروة حين تُهان الزوجة الأولى من قبل الضرة المزعومة وأخيراً تنتهي بالمفاجأة حين يكتشف أن الضرة ليست سوى جرة فخارية. وقد صاغت الزوجة المثل من تجربتها الخاصة حين أدركت أن الغيرة تغلبها حتى على الشيء الجامد.

ومن العناصر الفنية البارزة في القصة استخدام الجرة الفخارية رمزاً ذكياً فهي من ناحية تمثل الضرة في شكلها الخارجي إذ أُلبست ثياب امرأة وغطيت بعباءة ومن ناحية أخرى هي شيء لا إرادة له ولا وعي مما يجعل رد فعل الزوجة الأولى مبنياً على الخيال والمشاعر الداخلية لا على واقع موضوعي. وهذا يُعزّز المعنى العميق للمثل فإذا كانت الغيرة تثور حتى تجاه شيء جامد فكيف بها تجاه إنسان حقيقي ينافس فعلاً في الزوج والمكانة.

أمثال عربية مشابهة

ورد في التراث العربي عدد من الأمثال التي تعالج موضوع الغيرة بين الضرائر منها قولهم ضرتان لو رأت إحداهما الأخرى لقطعت لحمها وهيا وإن أكلتا معاً في إناء لو ضربتا في حديد لكسرتاه. وهذا يُظهر مدى رسوخ فكرة عدم التوافق بين الضرائر في الثقافة العربية. كما قيل الضرائر حرائر أي أن كل ضرة ترى نفسها حرة لا ينبغي لها أن تخضع لأخرى.

ومن الأمثال ذات الصلة أيضاً قولهم أم الضرتين مكسورة الجناحين وهو مثل يُضرب للأم التي تزوج ابنها عليها في حياتها فتتألم ألماً شديداً لأنها تعرف من التجربة ما ينتظر ابنها من مشكلات. وهذه الأمثال مجتمعة تُشير إلى ظاهرة اجتماعية راسخة عالجها التراث العربي بحكمة وعمومية.

دلالات المثل في العصر الحديث

لا يزال هذا المثل حياً في الثقافة العربية المعاصرة رغم تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت تعدد الزوجات أقل شيوعاً مما كان عليه في الماضي. ويُستخدم المثل اليوم في سياقات متنوعة تتجاوز مسألة الضرائر فقد يُضرب مثلاً للشريك في العمل الذي يُظهر تفهماً ظاهرياً لوجود شريك جديد ثم يكتشف أن التعايش أصعب مما تصوره. كما يُستخدم للتنبيه إلى أن المشاعر الإنسانية لا يمكن السيطرة عليها بمجرد الإرادة أو التصميم وأنه ينبغي احترام طبيعتها والتعامل معها بواقعية.

كما يُلفت المثل الانتباه إلى فكرة أوسع وهي أن التجربة العملية هي المقياس الحقيقي لمعرفة كيف سيتفاعل الإنسان مع موقف ما فالزوجة التي طلبت الزواج الثاني ظنت أنها قادرة على التقبل لكن التجربة أثبتت عكس ذلك تماماً. وهذه حكمة تنطبق على كثير من جوانب الحياة حيث تختلف التوقعات عن الواقع اختلافاً بيناً.

الجرة الفخارية في الثقافة العربية

تحمل الجرة الفخارية أو الجرة كما تُعرف في العامية دلالات ثقافية متعددة في التراث العربي. فهي تُمثل شحصة البيت وأساس الحياة اليومية إذ تُستخدم لحفظ الماء والزيت والحبوب والمؤونة. ووجود الجرة في البيت يدل على الاستقرار والكفاية. ولذلك فإن اختيار الجرة بالذات في هذه القصة ليس اعتباطياً بل يحمل رمزية عميقة فالجرة هي أداة البيت الأساسية تماماً كما أن الزوجة هي عماد البيت وسنده.

كما أن الجرة الفخارية تتميز بهشاشتها وسهولة كسرها مما يجعلها رمزاً مناسباً للفكرة التي يطرحها المثل فهي لا تقوى على الصمود أمام الضرب تماماً كما أن الغيرة لا يمكن كبحها أو ترويضها. ولعل اختيار الفخار دون غيره من المواد يُشير أيضاً إلى أن الضرة مهما بدت قوية متماسكة من الخارج فإنها في حقيقتها هشة سهلة الكسر متى تعرضت لامتحان.

الحكمة من وراء القصة

تُقدّم هذه القصة الشعبية عدة حكم وعبر يمكن استخلاصها من مجرياتها. أولاها أن الإنسان لا ينبغي أن يُقدم على خطوة ما لم يكن مستعداً لتبعاتها الحقيقية فالزوجة التي طلبت الزواج الثاني لم تكن تدرك ما ستواجهه من مشاعر الغيرة حتى بعد أن أصبح الواقع أمامها. وثانيها أن المعرفة الحقيقية تأتي من التجربة لا من التخمين فما يبدو مقبولاً في الخيال قد يكون مريراً في الواقع.

وثالثها أن الحكمة تُضرب في الأمثال لتظل عبرة لمن بعدها وقد صمد هذا المثل لمئات السنين لأنه يُعالج جانباً ثابتاً من الطبيعة البشرية لا يتغير بمر الزمن ولا يتبدل باختلاف العصور. ورابعها أن الزوج في القصة أثبت ذكاءً عميقاً حين استخدم الجرة لتجربة زوجته بدلاً من الزواج الفعلي مما وفّر على نفسه وعلى زوجته ألماً كان سيكون حقيقياً لا خيالياً.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !