قصة بيع حاملة طائرات أمريكية عملاقة مقابل بنس واحد من أغرب الأخبار البحرية في العقد الماضي، فالسفينة يو إس إس فورستال كانت يوماً رمزاً لقوة البحرية الأمريكية، ثم انتهى بها المطاف خردة تُفكك في أحواض تكساس. وهذا الخبر يطرح أسئلة عن معنى الصفقة الرمزية، وعن مصير السفن الحربية بعد انتهاء خدمتها.
نعرض في هذا المقال نص الخبر كما ورد، ثم نتناول تاريخ هذه الحاملة وأهميتها في تطور الطيران البحري، ونشرح لماذا تبيع الحكومات سفناً كلفت مئات الملايين بمبلغ زهيد، وما الخيارات المتاحة لسفن التقاعد مثل التحويل إلى متاحف أو الإغراق المتعمد.
تفاصيل خبر بيع الحاملة فورستال

الحاملة فورستال وبداية عصر الحاملات العملاقة
تحمل السفينة اسم جيمس فورستال، أول وزير دفاع في تاريخ الولايات المتحدة بعد إنشاء هذا المنصب عقب الحرب العالمية الثانية. وكانت أول قطعة في فئة كاملة من الحاملات عُرفت باسمها، ثم تبعتها سفن شقيقة بُنيت على التصميم نفسه مع تعديلات متتالية. وقد صُممت منذ البداية لتستوعب الطائرات النفاثة الأثقل والأسرع من طائرات المراوح التي سيطرت على حاملات الحرب العالمية الثانية.
لماذا سميت حاملة عملاقة؟
يطلق مصطلح الحاملة العملاقة على السفن التي تتجاوز إزاحتها حدود الحاملات التقليدية بفارق كبير، وتستطيع حمل جناح جوي كامل يضم مقاتلات وطائرات هجوم واستطلاع وتزود بالوقود. وقد مثلت فورستال قفزة واضحة في الحجم مقارنة بما سبقها، فكانت سطحها أوسع، وحظائرها أكبر، وخزانات وقودها وذخيرتها مصممة لعمليات طويلة بعيداً عن الموانئ.
السطح المائل والمقاليع البخارية
من أبرز ما ارتبط بجيل فورستال اعتماد السطح المائل الذي يسمح بهبوط الطائرات على مسار منحرف عن محور السفينة، فإذا أخفق الطيار في التقاط سلك الإيقاف استطاع أن يعاود الإقلاع دون أن يصطدم بالطائرات المصطفة في المقدمة. كما اعتمدت هذه الفئة على المقاليع البخارية التي تدفع الطائرة الثقيلة إلى سرعة الإقلاع خلال مسافة قصيرة. وقد أصبحت هاتان الفكرتان من الأسس الثابتة في تصميم الحاملات الحديثة حتى اليوم.
محطات بارزة في سجل الحاملة
خدمت فورستال قرابة أربعة عقود، تنقلت خلالها بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط ومياه آسيا، وشاركت في مهام ردع ودوريات ومناورات مع حلفاء الولايات المتحدة. ويُعد البحر المتوسط من أكثر المسارح التي ارتبط بها اسمها، إذ كانت ضمن قطع الأسطول السادس الأمريكي المنتشر هناك خلال سنوات الحرب الباردة.
حريق خليج تونكين
أشهر حدث في تاريخ السفينة هو الحريق المدمر الذي اندلع على سطحها في صيف عام 1967 أثناء عملياتها قبالة سواحل فيتنام في خليج تونكين، إذ انطلق صاروخ من إحدى الطائرات بسبب خلل كهربائي وأصاب طائرة أخرى محملة بالوقود والقنابل، فتوالت الانفجارات واشتعلت النيران في مؤخرة السطح. وأودى الحادث بحياة 134 بحاراً وأصاب عدداً كبيراً من الطاقم، وكان من الناجين الطيار جون ماكين الذي صار لاحقاً عضواً بارزاً في مجلس الشيوخ الأمريكي. ويلاحظ القارئ أن تاريخ الحريق الصحيح هو عام 1967، لا 1976 كما قد يرد في بعض النقول.
دروس السلامة التي خلفها الحريق
تحول الحريق إلى حالة دراسية في البحرية الأمريكية، فأعيد النظر في تدريب البحارة على مكافحة الحرائق، وأُنتج فيلم تدريبي عن الحادث يُعرض على المجندين، وطُورت أنظمة رش الرغوة على أسطح الحاملات، وشُددت إجراءات التعامل مع الذخائر قبل تحميلها على الطائرات. ولهذا يرى كثير من المؤرخين العسكريين أن مأساة فورستال أسهمت في إنقاذ أرواح كثيرة لاحقاً.
ملاحظة حول حادثة خليج سرت
تنسب أغلب المصادر الأمريكية المتاحة اشتباك خليج سرت الجوي عام 1981 إلى مقاتلات إف 14 انطلقت من الحاملة نيميتز، وكانت فورستال ضمن أسطول المتوسط في تلك المرحلة. ويحسن بالقارئ المهتم بالتفاصيل الدقيقة لهذه الحادثة أن يرجع إلى السجلات الرسمية للبحرية الأمريكية والدراسات التاريخية المتخصصة.
لماذا تباع سفينة حربية بسنت واحد؟
قد يبدو الثمن الرمزي إهداراً للمال العام، لكنه في الواقع أسلوب معروف في التخلص من السفن الضخمة المتقاعدة. فتفكيك حاملة بهذا الحجم عملية مكلفة تستغرق سنوات، وتتطلب أحواضاً متخصصة وعمالة مدربة والتزاماً صارماً بقوانين البيئة والسلامة. وعندما تدفع الحكومة لشركة كي تفككها تتحمل نفقات كبيرة، أما بيعها بسنت واحد فيعني أن الشركة تتحمل كلفة القطر والتفكيك مقابل حقها في بيع المعادن المستخلصة.
قيمة الخردة الفولاذية
تحتوي الحاملات على عشرات آلاف الأطنان من الفولاذ، إضافة إلى النحاس والألمنيوم وغيرها من المعادن القابلة لإعادة التدوير. وتراهن شركات التفكيك على أن عائد بيع هذه المعادن سيغطي تكاليفها ويحقق ربحاً، ويتوقف ذلك على أسعار السوق العالمية للمعادن وقت التنفيذ. ولذلك يعكس الثمن الرمزي توازناً بين الكلفة والعائد، لا قيمة السفينة الحقيقية.
البدائل المطروحة لسفن التقاعد
- التحويل إلى متحف عائم: وهو ما حدث مع عدد من الحاملات الأمريكية القديمة، لكنه يحتاج إلى جهة محلية قادرة على تمويل الصيانة الدائمة وجذب الزوار.
- الإغراق لصنع شعاب مرجانية صناعية: وقد استُخدمت هذه الطريقة مع بعض السفن بعد تنظيفها من المواد الملوثة، فتصبح موئلاً للكائنات البحرية ومقصداً للغواصين.
- الاستخدام هدفاً في التدريبات: تُغرق بعض السفن أثناء مناورات بالذخيرة الحية لاختبار الأسلحة.
- الاحتفاظ بها في أسطول الاحتياط: لفترة محدودة تحسباً لاحتمال إعادة تفعيلها أو انتزاع قطع غيار منها.
- التفكيك وإعادة التدوير: وهو الخيار الذي انتهت إليه فورستال.
الجوانب البيئية لتفكيك السفن
لا تقتصر عملية التفكيك على قطع المعدن، فالسفن التي بنيت في منتصف القرن العشرين قد تحتوي على مواد خطرة مثل الأسبستوس المستخدم في العزل، وبعض الدهانات والزيوت والمركبات الكيميائية التي يجب التخلص منها بطرق آمنة. ولهذا تشترط الجهات الأمريكية أن يجري التفكيك في منشآت مرخصة تلتزم بمعايير حماية العمال والبيئة، وهو أحد أسباب طول المدة وارتفاع الكلفة.
أسئلة شائعة
متى دخلت فورستال الخدمة ومتى خرجت منها؟
دخلت الخدمة في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وأُخرجت منها رسمياً عام 1993 بعد نحو أربعة عقود من العمل.
هل كانت فورستال تعمل بالطاقة النووية؟
لا، فقد كانت تعمل بالدفع التقليدي المعتمد على الغلايات والتوربينات البخارية، وجاءت الحاملات النووية الأمريكية لاحقاً.
لماذا لم تتحول إلى متحف؟
طُرحت الفكرة، لكن تحويل سفينة بهذا الحجم إلى متحف يحتاج إلى تمويل ضخم وجهة راعية تتحمل الصيانة، ولم يتوفر ذلك بالقدر الكافي، فاتُّجه إلى التفكيك.
خلاصة
تختصر قصة فورستال رحلة كاملة من الريادة التقنية إلى النهاية الهادئة في ساحات الخردة، فقد كانت أول حاملة عملاقة أمريكية وأسهمت في ترسيخ مبادئ تصميم ما زالت مستخدمة، وارتبط اسمها بحريق مأساوي غيّر قواعد السلامة البحرية. أما بيعها بسنت واحد فلا يعني أنها بلا قيمة، بل يعكس حسابات اقتصادية وبيئية تجعل التفكيك على نفقة المشتري الخيار الأوفر للدولة.
.png)