يطلق مصطلح حكماء اليهودية، أو ما يعرف في العبرية باختصار يدل على عبارة حكماؤنا رحمهم الله، على الزعماء الروحيين والعلماء الدينيين الذين شكلوا الفكر اليهودي الحاخامي على مدى قرون طويلة، منذ فترة الهيكل الثاني حتى أواخر العصور القديمة. وإلى هؤلاء ينسب تدوين المشناه والتلمود وكتب المدراش التي أصبحت أساس الشريعة اليهودية التقليدية. في هذا المقال نعرض تقسيمات هذه الطبقات كما يذكرها المؤرخون، ثم نتوسع في السياق التاريخي لظهورها، وطبيعة المؤلفات التي خلفوها، ومراكزهم العلمية، والفرق بين الهالاخاه والأجاداه، وموقف الطوائف اليهودية المختلفة من سلطتهم.
طبقات الحكماء وفتراتهم

السياق التاريخي لظهور الحكماء
تبدأ فترة الهيكل الثاني في التاريخ اليهودي بعودة جماعات من اليهود من السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وإعادة بناء الهيكل في القدس، وتنتهي بتدمير الرومان له عام 70 للميلاد. وخلال هذه القرون ظهرت فئة من العلماء المتخصصين في تفسير التوراة وتعليمها، ونسبت التقاليد اليهودية إلى عزرا الكاتب دوراً بارزاً في إحياء دراسة الشريعة في هذه المرحلة.
وكان تدمير الهيكل نقطة تحول كبرى، إذ فقدت العبادة القائمة على القرابين مركزها، وانتقل ثقل الحياة الدينية إلى دراسة النصوص والصلاة في المعابد والالتزام بالشريعة في الحياة اليومية. وفي هذه المرحلة برز دور الحكماء بوصفهم المرجعية الدينية الرئيسية، وتذكر المصادر اليهودية أن يوحنان بن زكاي أسس مركزاً للدراسة في بلدة يفنه بعد سقوط القدس، أسهم في الحفاظ على التقاليد الدينية واستمرارها.
الطوائف في فترة الهيكل الثاني
عرفت تلك الفترة تيارات دينية متعددة، أبرزها الفريسيون الذين اهتموا بالشريعة الشفوية وتفسيرها، والصدوقيون المرتبطون بالكهنة والهيكل والذين رفضوا كثيراً من التقاليد الشفوية، والأسينيون الذين عاشوا حياة زهد في جماعات منعزلة. ويرى المؤرخون أن الحكماء الذين أسسوا اليهودية الحاخامية امتداد في الغالب للتيار الفريسي، الذي بقي بعد اختفاء التيارات الأخرى إثر تدمير الهيكل.
الطبقات الرئيسية للحكماء
يقسم المؤرخون والعلماء اليهود الحكماء إلى طبقات متعاقبة بحسب الفترة الزمنية والعمل الذي اختصت به كل طبقة:
- الكتبة: العلماء الأوائل منذ عزرا، الذين اهتموا بنسخ التوراة وتعليمها، وتنسب إليهم التقاليد اليهودية إنشاء ما يسمى المجمع الأكبر.
- الأزواج: خمسة أزواج من القادة الدينيين تعاقبوا على رئاسة المجلس الديني في القرنين الأخيرين قبل الميلاد، وأشهر زوج منهم هليل وشماي اللذان أسس كل منهما مدرسة في تفسير الشريعة، وعرفت مدرسة هليل في الغالب بالتيسير ومدرسة شماي بالتشدد.
- التنائيم: علماء المشناه الذين عاشوا من القرن الأول الميلادي تقريباً حتى أوائل القرن الثالث، ومن أشهرهم الحاخام عقيبا، والحاخام يهوذا الأمير الذي تنسب إليه التقاليد جمع المشناه وتدوينها.
- الأمورائيم: علماء التلمود الذين شرحوا المشناه وناقشوها في فلسطين وبابل من القرن الثالث حتى نحو القرن الخامس، ومن نقاشاتهم تكوّن التلمود.
- السبورائيم: العلماء الذين جاؤوا بعد الأمورائيم، وتنسب إليهم المراجعة الأخيرة للتلمود البابلي وتنقيحه.
وبعد هذه الطبقات جاءت مرحلة الجاؤونيم، أي رؤساء المدارس الدينية الكبرى في العراق، الذين امتد نفوذهم في عصر الخلافة الإسلامية، وكانوا مرجعاً للجاليات اليهودية في أنحاء مختلفة.
المؤلفات الكبرى التي خلفها الحكماء
المشناه
هي أول تدوين منظم للشريعة الشفوية اليهودية، كتبت بالعبرية، ورتبت في ستة أقسام كبرى تتناول موضوعات مثل الزراعة والأعياد والأحوال الشخصية والمعاملات والقرابين والطهارة. ومن أشهر أجزائها رسالة أقوال الآباء التي تضم حكماً وأقوالاً أخلاقية منسوبة إلى الحكماء.
التلمود
يتكون التلمود من المشناه وشرحها المسمى الجمارا، وله نسختان: التلمود الفلسطيني الذي يعرف أيضاً بتلمود القدس، ودوّن في مدارس فلسطين، والتلمود البابلي الذي دوّن في مدارس العراق، وهو الأوسع والأكثر اعتماداً في التقاليد اليهودية اللاحقة. وكتب معظم الجمارا بالآرامية، ويتميز بأسلوب النقاش والجدل بين الآراء المختلفة.
المدراش
المدراش منهج في تفسير النصوص التوراتية، ومجموعات من المؤلفات التي تضم شروحاً وقصصاً وأمثالاً ومواعظ مبنية على آيات التوراة. وبعضها يغلب عليه الطابع التشريعي، وبعضها يغلب عليه الطابع القصصي والوعظي.
منهج الحكماء في التعليم والنقاش
تميز تراث الحكماء بطابع حواري واضح، فالتلمود لا يقدم الأحكام في صورة قوانين جافة فحسب، بل ينقل نقاشات طويلة بين العلماء، يعرض فيها كل طرف حججه، وتُذكر آراء الأقلية إلى جانب رأي الأغلبية. وقد اعتمد التعليم في المدارس الدينية على الحفظ والترديد والمناظرة بين الطلاب في ثنائيات، وهي طريقة ما زالت مستعملة في بعض المدارس الدينية اليهودية التقليدية حتى اليوم. كما وضع الحكماء قواعد لتفسير النصوص واستنباط الأحكام منها، تنسب صياغة بعضها إلى هليل وإلى علماء لاحقين، وهي قواعد تشبه في وظيفتها أصول الاستنباط في التقاليد التشريعية الأخرى.
الحياة اليومية للحكماء
لم يكن كثير من هؤلاء الحكماء رجال دين متفرغين بالمعنى الحديث، بل كان بعضهم يمارس حرفاً ومهناً لكسب العيش، كالزراعة والتجارة والصناعات اليدوية، إلى جانب التعليم والقضاء في جماعاتهم. وتحفل المصادر بقصص عن تواضع بعضهم وفقرهم، وتستعمل هذه القصص أداة لتعليم القيم الأخلاقية.
الهالاخاه والأجاداه
يميز الدارسون في تراث الحكماء بين نوعين من المادة: الهالاخاه، وهي الأحكام التشريعية التي تنظم العبادات والمعاملات والحياة اليومية، والأجاداه، وهي المادة غير التشريعية من قصص وحكم وتأملات أخلاقية وتفسيرات رمزية. وتتداخل المادتان في التلمود والمدراش، ويعد التمييز بينهما مفتاحاً لفهم هذا التراث وطريقة تعامل اليهود معه.
المراكز العلمية في فلسطين وبابل
توزع نشاط الحكماء بين مركزين كبيرين؛ ففي فلسطين انتقلت المدارس بعد يفنه إلى مدن في الجليل مثل صفورية وطبرية. وفي بابل، أي العراق، ازدهرت مدارس كبرى في مدن مثل سورا وبومبديتا ونهرديا، وأصبحت مع الوقت المركز الأهم لدراسة الشريعة اليهودية. وقد ظل العراق قروناً طويلة مركزاً للحياة الدينية اليهودية، حتى في العصر الإسلامي.
سلطة الحكماء وموقف الطوائف منها
تقوم اليهودية الحاخامية، وهي التيار الغالب تاريخياً، على الاعتراف بسلطة الحكماء في تفسير التوراة، وعلى فكرة أن الشريعة الشفوية التي دونوها جزء من التقليد الديني الملزم. لكن ظهرت في القرن الثامن الميلادي تقريباً في العراق طائفة القرائين التي رفضت سلطة التلمود والشريعة الشفوية، ودعت إلى الاعتماد على النص المكتوب وحده. كما تتفاوت التيارات اليهودية المعاصرة، من الأرثوذكسية إلى الإصلاحية، في درجة التزامها بأحكام الحكماء وطريقة فهمها.
دراسة التراث الحاخامي في العالم العربي
اهتم عدد من الباحثين العرب بدراسة التراث الديني اليهودي، ضمن أقسام مقارنة الأديان والدراسات العبرية في الجامعات، بهدف فهم هذا التراث فهماً علمياً موضوعياً. وقد عرف التاريخ الإسلامي أيضاً علماء يهوداً كتبوا بالعربية في الفلسفة والفقه والطب، أشهرهم موسى بن ميمون الذي ألف دلالة الحائرين وعاش في الأندلس والمغرب ومصر.
أسئلة شائعة
من هم الحكماء في التراث اليهودي؟
هم العلماء والزعماء الروحيون الذين فسروا التوراة ودونوا الشريعة الشفوية في المشناه والتلمود والمدراش، من فترة الهيكل الثاني حتى أواخر العصور القديمة.
ما الفرق بين المشناه والتلمود؟
المشناه هي التدوين الأول للشريعة الشفوية، أما التلمود فيجمع المشناه مع شروحها ونقاشات العلماء حولها المسماة الجمارا.
لماذا يوجد تلمودان؟
لأن الحكماء عملوا في مركزين هما فلسطين وبابل، فدوّن كل مركز نقاشاته الخاصة، فنشأ التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي.
خلاصة
يمثل الحكماء في التراث اليهودي سلسلة متصلة من العلماء امتدت من الكتبة والأزواج إلى التنائيم والأمورائيم والسبورائيم، وقد خلفوا المشناه والتلمود والمدراش التي شكلت أساس اليهودية الحاخامية. ويساعد فهم هذه الطبقات وسياقها التاريخي ومراكزها العلمية على قراءة التاريخ الديني لليهود قراءة موضوعية، وفهم الخلافات بين طوائفهم في الموقف من سلطة هذا التراث.