يتردد في ثقافات كثيرة أن الضحك خير دواء، وقد تحول هذا القول الشعبي في العقود الأخيرة إلى مجال اهتمام لدى بعض الأطباء والمعالجين النفسيين الذين يستخدمون المرح والدعابة وسيلة مساندة للعلاج. ويتناول هذا المقال العلاج بالضحك وكيف يساعد الضحك في علاج الاضطرابات، ويعرض أنواعه مثل العلاج بالدعابة والعلاج بالمهرج.
ونضيف هنا خلفية تاريخية عن نشأة هذا الاتجاه، وما تقوله الأبحاث عن تأثيراته في الجسم والنفس، وفكرة يوغا الضحك، والفئات التي قد تستفيد منه، وحدوده والمحاذير المتعلقة به، مع نصائح عملية لإدخال المرح في الحياة اليومية.
أنواع العلاج بالضحك وأساليبه
الضحك هو التعبير عن السعادة او المرح والان ومع الاطباء النفسيين اصبح الضحك نوع من انواع علاج بعض الاضطرابات الجسدية والعقلية والروحية.
والعلاج بالضحك يحاول أن يحقق صحة المقولات القديمة: "الضحك هو العلاج الأفضل"، أو كما قال "فولتير" Voltaire: "الطبيعة هي التي تعالج المرض، بينما فن الطب هو الذي يداوم على بقاء الإنسان في حالة سلام نفسي".
أنواع العلاج بالضحك :
العلاج بالدعابة:
العلاج بالدعابة هو الاعتماد على الدعابة في علاج النفس، باستخدام وسائل من الكتب وبرامج الترفيه والأفلام والروايات التي تشجع على ضحك المريض. من الممكن أن يتم ذلك بشكل فردى أو في شكل مجموعات علاجية، إلا أن الثانية لا تأتى بالنتيجة المرجوة وخاصة إذا كان الطبيب هو من يقوم بتقديم العلاج وليس المريض لنفسه لأنه من الصعب أن ينظر جميع المرضى المشاركون في حلقة الدعابة إلى المواد المقدمة إليهم على أنها تقدم "مزحة" تساعدهم على رفع روحهم المعنوية.. فقد لا يجد البعض فيها كذلك.
العلاج بالمهرج:
يتم في إطار الإقامة بالمستشفيات ومراكز العلاج المتخصصة، حيث يتواجد "المهرج" الذي يكون جزءاً من العلاج، وذلك بالمرور على الغرف وتقديم العديد من المهام التي تساعد على العلاج وخاصة للأطفال من: السحر، اللعب والموسيقى والمرح أو بتقديم الحنان للطفل.
ومن مزايا هذا العلاج أنه يقوى روح التعاون عند الأطفال، ويقلل القلق عند الطفل الذي يريد تواجد أبويه بصفة دائمة معه، كما يقلل الحاجة إلى استخدام المهدئات لدى البعض، يحد من الإحساس بالآلام ويحفز من كفاءة وظائف جهاز المناعة. ونجد أن هذا النوع العلاجي ليس مقتصر على المستشفيات فقط، وإنما يمكن توظيفه في ملاجئ الأطفال والحضانات وأماكن الحرب والسجون... الخ.
العلاج بالضحك:
وهنا يقوم الطبيب بإعداد "ملف محفزات الضحك" لمريضه، وذلك بجمع المعلومات من الشخص الذي يريد هذا النوع من العلاج عن الأشياء التي تحفزه على الضحك منذ طفولته من مواقف ونكات يفضلها.
ويقوم الطبيب من خلال هذه المعلومات بتدريب الفرد على بعضاً من التمارين التي يمارسها لتحفزه على الضحك كما يذكره بأهمية العلاقات الاجتماعية كجزء من العلاج. ويقع على الطبيب عاتق كبير وهو كيفية التفريق بين ما يفسره المريض على أنه دعابة من وجهة نظره وما ليس بدعابة وهذا ليس بالشيء الهين.
التأمل بالضحك:
يوجد وجه للشبه كبير بينه وبين التأمل العادي الذي يقدمه فيدو على صفحاته. وهذا العلاج يمكن أن يقوم به الشخص بمفرده دون اللجوء إلى المشورة الطبية أو المساعدة المتخصصة.
والتأمل بالضحك هوعبارة عن تمرين يستمر مدته إلى ما يقرب من (15) دقيقة ويُجدي أكثر مع الأشخاص التي تجد صعوبة في الضحك ولا يخرج منها بشكل تلقائي. ويتكون تمرين الضحك من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى هي مرحلة الإطالة :
حيث يقوم الشخص بتوجيه كل طاقاته إلى إطالة كل عضلة من عضلات جسده بدون ضحك.
المرحلة الثانية هي مرحلة الضحك:
يبدأ الشخص في الضحك تدريجياً بالابتسامة حتى يصل إلى الضحك العميق من المعدة أو الحاد أيهما يصل إليه أولاً.
المرحلة الثالثة هي مرحلة التأمل :
يقوم الشخص بالتوقف عن الضحك ويغلق عينيه ويتنفس بدون صوت مع التركيز الشديد.
يوجا الضحك:
تتشابه إلى حد كبير باليوجا التقليدية، ويكن ممارستها في مجموعة أو في نادى. واليوجا هنا تكون إما بغرض العلاج التكميلي أو الوقائي، وهي عبارة عن تمارين تستمر لمدة (30-45) دقيقة يقودها شخص متدرب وتتضمن على الخطوات التالية:
تمارين التنفس
اليوجا
الإطالة مع ممارسة الضحك.
لا يتم الاحتياج هنا إلى استخدام أو اللجوء إلى مواد تبعث على الضحك.
نشأة الاهتمام بالضحك علاجًا
ارتبط الاهتمام الحديث بدور المرح في الصحة بالصحفي الأمريكي نورمان كازنز، الذي روى في كتاب نشره في أواخر سبعينيات القرن العشرين تجربته مع مرض مؤلم، وكيف شعر بأن مشاهدة الأفلام الكوميدية ساعدته على تخفيف الألم والنوم. ورغم أن تجربته فردية لا تصلح دليلًا علميًا، فإنها لفتت أنظار الباحثين إلى دراسة العلاقة بين المشاعر الإيجابية والصحة. كما اشتهر الطبيب الأمريكي باتش آدامز باستخدام التهريج والمرح في التعامل مع المرضى، وتحولت قصته إلى فيلم سينمائي معروف.
يوغا الضحك
في منتصف التسعينيات أسس الطبيب الهندي مادان كاتاريا في مدينة مومباي أول نادٍ لما سماه يوغا الضحك، وهي تمارين جماعية يضحك فيها المشاركون دون نكات، معتمدين على حركات مرحة وتواصل بصري وتنفس عميق، استنادًا إلى فكرة أن الجسم قد يستفيد من القهقهة المتعمدة كما يستفيد من العفوية. وانتشرت هذه النوادي لاحقًا في بلدان كثيرة.
ماذا يحدث في الجسم عند القهقهة؟
يشترك فيها عدد كبير من عضلات الوجه والصدر والبطن، ويتغير معه نمط التنفس فيصبح أعمق وأسرع. وتشير بعض الدراسات إلى تأثيرات محتملة، منها:
- تخفيف التوتر: قد ترتبط القهقهة بانخفاض مؤقت في بعض مؤشرات التوتر.
- تحمل الألم: وجدت تجارب أن المشاركين أظهروا تحملًا أعلى للألم بعد جلسات المرح الجماعي، ويربط بعض الباحثين ذلك بإفراز الإندورفينات.
- استرخاء العضلات: يعقب نوبة الضحك عادة شعور بالاسترخاء.
- المزاج: يرتبط هذا السلوك بتحسن المزاج والشعور بالقرب من الآخرين.
ومن المهم التنبيه إلى أن كثيرًا من هذه الدراسات صغيرة أو قصيرة المدة، وأن الأدلة على فوائد طويلة الأمد كتقوية المناعة لا تزال غير حاسمة، ولذلك يصف الأطباء هذا الأسلوب بأنه عامل مساند لا بديل عن العلاج.
البعد الاجتماعي والنفسي
المرح سلوك اجتماعي قبل أن يكون فرديًا، فهو يقرب بين الناس ويكسر الحواجز ويخفف حدة المواقف المتوترة. وفي البيئات العلاجية قد يساعد المرح على بناء الثقة بين المريض والطاقم الطبي، ويمنح المريض شعورًا بأنه إنسان له حياة خارج مرضه. كما يرى بعض المعالجين أن الدعابة تساعد على رؤية المشكلات من زاوية مختلفة، فتبدو أقل ثقلًا وأكثر قابلية للتعامل معها.
الأطفال في المستشفيات
يعد المهرجون الطبيون من أشهر تطبيقات هذا الاتجاه، إذ تعمل فرق مدربة في مستشفيات عديدة حول العالم على زيارة الأطفال المرضى وتقديم الألعاب والعروض البسيطة. وتشير بعض الأبحاث إلى أن هذه الزيارات قد تخفف قلق الأطفال قبل العمليات الجراحية والإجراءات الطبية.
كبار السن
تستخدم بعض دور الرعاية جلسات المرح والضحك الجماعي لتحسين المزاج والتواصل بين المقيمين، والحد من الشعور بالوحدة.
حدود العلاج بالضحك ومحاذيره
- لا يغني عن العلاج الدوائي أو النفسي للحالات التي تحتاج إليه كالاكتئاب الشديد.
- قد لا يناسب بعض المرضى في مراحل معينة، كمن خضعوا لعمليات حديثة في البطن أو الصدر، لأن القهقهة الشديدة تسبب ضغطًا على العضلات.
- يجب أن يحترم المعالج مشاعر المريض وخلفيته الثقافية، فالمزاح غير المناسب قد يجرح بدل أن يساعد.
- الإضحاك القسري في الجلسات الجماعية لا يناسب الجميع، وينبغي أن تكون المشاركة طوعية.
- يُنصح مرضى القلب والجهاز التنفسي باستشارة الطبيب قبل المشاركة في التمارين المكثفة.
كيف تدخل المرح إلى حياتك اليومية؟
- اقض وقتًا أطول مع الأشخاص الذين يجعلونك تبتسم.
- شاهد أو اقرأ مواد فكاهية خفيفة في أوقات التوتر.
- العب مع الأطفال أو الحيوانات الأليفة، فهم مصدر طبيعي للبهجة.
- تعلم ألا تأخذ نفسك بجدية مفرطة، واضحك على المواقف الطريفة التي تمر بها.
- احتفظ بدفتر أو ملف للذكريات والمواقف المضحكة لتعود إليه عند الحاجة.
الفكاهة في التراث العربي
لم تكن الدعابة غريبة عن الثقافة العربية، فقد حفلت كتب الأدب بالنوادر والملح، وألف الجاحظ وغيره في أخبار البخلاء والظرفاء، واشتهرت شخصيات فكاهية مثل جحا وأشعب، وتحولت نوادرها إلى جزء من الذاكرة الشعبية. وكان الأدباء يرون في الفكاهة وسيلة لترويح النفس من عناء الجد، شرط ألا تتجاوز حدود الأدب أو تجرح الآخرين أو تسخر من ضعفهم. ويعكس هذا التراث وعيًا قديمًا بأن البهجة حاجة إنسانية تخفف وطأة الحياة.
أسئلة شائعة
هل الابتسامة المصطنعة مفيدة؟
تشير بعض التجارب إلى أن تعابير الوجه قد تؤثر في المشاعر بدرجة ما، لكن النتائج متضاربة، وتبقى البهجة العفوية في سياق اجتماعي هو الأكثر ارتباطًا بالشعور الحقيقي بالبهجة.
هل تعالج الفكاهة الأمراض الجسدية؟
لا يوجد دليل على أنه يعالج الأمراض بذاته، لكنه قد يحسن جودة الحياة ويساعد على التكيف مع المرض والألم.
من يقدم جلسات العلاج بالضحك؟
تقدمها جهات متنوعة، منها معالجون نفسيون ومهرجون طبيون مدربون ومدربو يوغا الضحك، ويُفضل التأكد من خبرة الجهة وتدريبها.
خلاصة
القهقهة سلوك إنساني بسيط يحمل آثارًا نفسية واجتماعية إيجابية، وقد استثمره بعض المعالجين في أساليب مثل الدعابة والمهرج الطبي ويوغا الضحك. ومع أن الأدلة العلمية على فوائده لا تزال تتطور، فإنه يبقى وسيلة مساندة لطيفة لتحسين المزاج والتواصل، شرط ألا يحل محل العلاج الطبي.
.png)
.jpg)