هربرت بول جرايس

دار العلوم

يُعد هربرت بول جرايس من أبرز فلاسفة اللغة في القرن العشرين، وقد ارتبط اسمه بمفاهيم صارت أساسية في علم التداوليات، مثل الاستلزام الحواري ومبدأ التعاون وقواعد المحادثة. وبفضل أعماله أصبح الباحثون ينظرون إلى المعنى بوصفه ما يقصده المتكلم ويفهمه السامع، لا مجرد دلالة حرفية للكلمات.

نستعرض في هذا المقال سيرته ودراساته حول المعنى، ثم نشرح بالتفصيل مبدأ التعاون وقواعده الأربع، وأمثلة على الاستلزام، وأثر أفكاره في اللسانيات والذكاء الاصطناعي، وأهم الانتقادات التي وُجهت إليها.

سيرة جرايس ونظريته في المعنى

الفيلسوف هربرت بول جرايس وفلسفة اللغة

 
  اهم المقالات في العالم هي المقالات التي يتم استخدام المنطق والفلسفه والحقائق العلميه فيها ومن اشهر من استخدم هذه النقاط هو هربرت بول جرايس .

هربرت بول جرايس (13 مارس 1913 - 28 أغسطس 1988)،ينشر أعماله عادةً باسم إتش بي جرايس أو إتش بول جرايس أو بول جرايس، كان فيلسوف لغة بريطانيًا مثقفًا قضى آخر عشرين سنة من حياته المهنية في الولايات المتحدة.

أثرت مؤلفات جرايس عن طبيعة المعنى على دراسة علم المعاني من المنظور الفلسفي. وتعد نظريته حول الاستلزام من أهم وأكثر المساهمات تأثيرًا في علم التداوليات.

ولد جرايس وتربى في هاربورن (إحدى ضواحي مدينة برمنغهام) عاش بعدها في المملكة المتحدة، ودرس في كلية كليفتون، ثم في كلية كوربوس كريستي، جامعة أكسفورد. وبعد فترة وجيزة من التدريس في مدرسة روسال،عاد مرة أخرى إلى جامعة أكسفورد حيث قام بالتدريس فيها حتى عام 1967. وفي تلك السنة، انتقل إلى الولايات المتحدة للحصول على الأستاذية من جامعة كاليفورنيا، بيركيلي، حيث استمر في التدريس حتى وافته المنية في عام 1988. 

وقد عاد إلى المملكة المتحدة في عام 1979 لإلقاء سلسلة محاضرات جون لوك عن سمات المنطق. وقد أعاد طباعة العديد من مقالاته وأبحاثه في كتابه الوداعي دراسات في الكلمات (Studies in the Way of Words) في عام 1989.

تزوج وأنجب طفلين. وعاش هو وزوجته في منزل على الطراز الإسباني القديم في منطقة تلال بيركيلي.
 
دراسات جرايس حول المعنى :
إن واحدة من أكثر مساهمتين مؤثرتين لجرايس في دراسة اللغة والتواصل هي نظريته عن المعنى، والتي بدأ في تطويرها في مقاله "المعنى" (Meaning) الذي كتبه في عام 1948 ولكنه نشر فقط في عام 1957 بعد تشجيع من زميله بي إف ستراوسون.

وطور جرايس نظريته عن المعنى أكثر في محاضرته الخامسة والسادسة من سلسلة محاضرات ويليام جيمس والتي ألقاها عن "المنطق والمحادثة" (Logic and Conversation) في هارفارد في عام 1967. وتم نشر هاتين المحاضرتين في البداية بعنوان "مقاصد المتكلم ونواياه" (Utterer's Meaning and Intentions) في عام 1969 و"مقاصد المتكلم ومقاصد الجملة ومقاصد الكلمة" (Utterer’s Meaning, Sentence Meaning, and Word Meaning) في عام 1968، وتم تجميعهما فيما بعد مع المحاضرات الأخرى ليشكلا الجزء الأول من كتاب "دراسات في الكلمات" (Studies in the Way of Words) في عام 1989.
 
بدأ جرايس مقالة "المعنى" باستخدام أساليب فلسفة اللغة العادية للتمييز بين ما يطلق عليه "المعنى الطبيعي" (كما في "تلك البقع تعني الحصبة.") وما يطلق عليه "المعنى غير الطبيعي" (كما في "جونز يعني أنه سيتأخر" أو "'snow' تعني 'الثلج'"). ولا يحاول جرايس تقديم تعريفات لهذين المعنيين للفعل "يعني"، كما لا يقدم نظرية صريحة تميز المفاهيم ذات الصلة المستخدمان للتعبير عنها، بل يعتمد على خمسة اختلافات في استخدامات اللغة العادية لإظهار أننا نستخدم الكلمة بطريقتين مختلفتين (على الأقل).

الأسس الدلالية للمقصدية :
عمد جرايس في باقي مقالة "المعنى" وفي مناقشاته عن المعنى في محاضرة "المنطق والمحادثة" إلى التوسع في تناول المعنى غير الطبيعي. وأصبح يطلق على منهجه العام في دراسة المعنى غير الطبيعي لاحقًا اسم "الأسس الدلالية للمقصدية"، نظرًا لأنه يحاول تفسير المعنى غير الطبيعي فيما يتعلق بفكرة نوايا المتكلم ولتحقيق ذلك، ميّز جرايس بين نوعين من المعاني غير الطبيعية:

المعنى لدى المتكلم: ما يقصده المتحدث بكلامه. (لم يقدم جرايس هذا المصطلح إلا في محاضرة "المنطق والمحادثة". والمصطلح الأكثر شيوعًا في الدراسات المعاصرة هو "معنى المتكلم"، بالرغم من عدم استخدام جرايس لهذا المصطلح).

المعنى الدائم: هو المعنى الذي يمكن الحصول عليه عن طريق أحد أنواع التعبيرات، مثل كلمة أو جملة. (وكثيرًا ما يطلق عليه "المعنى التقليدي"، بالرغم من أن جرايس لم يسمه كذلك).

توجد خطوتان في الأسس الدلالية للمقصدية هما (1) تحديد مقاصد المتكلم من حيث النوايا العلنية للمتكلم الموجهة للمستمع، ثم (2) تحديد المعنى الدائم من حيث مقاصد المتكلم. وبالتالي، فإن الأثر النهائي هو تعريف كافة المفاهيم اللغوية المتعلقة بالمعنى من خلال مصطلحات عقلية بحتة، وبالتالي تسليط الضوء على المجال الدلالي من منظور نفسي.

مبدأ التعاون في المحادثة

انطلق جرايس من ملاحظة بسيطة: الناس في حواراتهم اليومية يقولون أقل مما يقصدون في أحيان كثيرة، ومع ذلك يفهم بعضهم بعضًا. وفسّر ذلك بأن المتحاورين يفترضون ضمنًا أن كل طرف يسهم في الحديث بما يخدم غرضه المشترك، وسمى هذا الافتراض مبدأ التعاون. ومن هذا المبدأ تتفرع قواعد أربع تُعرف بقواعد المحادثة.

القواعد الأربع

  • قاعدة الكم: أن تكون المساهمة مفيدة بالقدر المطلوب، فلا تنقص عن الحاجة ولا تزيد عليها.
  • قاعدة الكيف: ألا يقول المتكلم ما يعتقد أنه كاذب، ولا ما ليس لديه دليل كافٍ عليه.
  • قاعدة العلاقة أو المناسبة: أن يكون الكلام ذا صلة بموضوع الحديث.
  • قاعدة الطريقة أو الأسلوب: أن يكون الكلام واضحًا، بعيدًا عن الغموض واللبس، موجزًا ومرتبًا.

ولم يقصد جرايس أن الناس يلتزمون هذه القواعد دائمًا، بل إن السامع يفترض التزام المتكلم بها، فإذا بدا أنه خرقها بحث عن معنى إضافي يجعل كلامه منسجمًا مع مبدأ التعاون.

الاستلزام الحواري وأمثلته

الاستلزام الحواري هو المعنى الذي يُفهم من القول دون أن يُصرَّح به لفظًا، ويصل إليه السامع بالاستدلال اعتمادًا على السياق وقواعد المحادثة. ومثاله المشهور في كتب التداوليات: أستاذ يكتب خطاب توصية لطالب فلا يذكر فيه إلا أن خطه جميل وأنه يحضر بانتظام، فيفهم القارئ أن الأستاذ لا يرى في الطالب كفاءة علمية تستحق الذكر، مع أنه لم يقل ذلك صراحة.

الاستلزام العرفي والحواري

ميّز جرايس بين نوعين: استلزام عرفي يرتبط بكلمات معينة بحكم الاستعمال، مثل دلالة أداة الاستدراك على وجود تعارض بين جملتين، واستلزام حواري يتولد من السياق وقواعد المحادثة. ويتميز الاستلزام الحواري بأنه قابل للإلغاء، أي يمكن للمتكلم أن ينفيه بإضافة عبارة توضيحية دون أن يقع في تناقض.

من أمثلة الحياة اليومية

إذا سأل شخص صديقه: هل انتهيت من قراءة الكتاب؟ فأجاب: قرأت الفصول الأولى، فهم السائل أنه لم ينهه، اعتمادًا على قاعدة الكم. وإذا قال أحدهم في يوم ممطر شديد: يا له من يوم رائع للنزهة، فُهمت السخرية لأن القول يخرق قاعدة الكيف خرقًا مقصودًا.

أثر جرايس في الدراسات اللغوية

فتحت أفكار جرايس بابًا واسعًا في اللسانيات التداولية، فبنى عليها باحثون لاحقون نظريات جديدة، أشهرها نظرية المناسبة التي طورها دان سبيربر وديدري ويلسون، وأعمال ستيفن ليفنسون ولورنس هورن التي أعادت صياغة القواعد واختصارها. كما أفاد منها الباحثون في تحليل الخطاب والترجمة وتعليم اللغات، لأن فهم المقاصد الضمنية شرط أساسي للتواصل الناجح بين الثقافات.

وفي الدراسات العربية لقيت هذه المفاهيم اهتمامًا كبيرًا، إذ لاحظ باحثون تقاطعًا بينها وبين مباحث البلاغة العربية في الخبر والإنشاء والكناية والتعريض وخروج الكلام عن مقتضى الظاهر. كما امتد أثرها إلى معالجة اللغات الطبيعية في الحاسوب، حيث يسعى المهندسون إلى أن تفهم الأنظمة الذكية ما يقصده المستخدم لا ما يقوله حرفيًا فقط.

انتقادات وُجهت إلى نظريته

رأى بعض الباحثين أن قواعد جرايس مستمدة من نمط تواصلي غربي معين، وأن الثقافات تختلف في تقدير الإيجاز والصراحة والتلميح. ورأى آخرون أن الحدود بين القواعد غير دقيقة، وأن قاعدة المناسبة وحدها قد تكفي لتفسير معظم الظواهر. ومع ذلك يظل إطاره نقطة انطلاق لا يستغني عنها دارس التداوليات.

جرايس وفلسفة اللغة العادية في أكسفورد

نشأت أفكار هذا الفيلسوف في بيئة أكسفورد الفلسفية في منتصف القرن العشرين، حيث ازدهر تيار يُعرف بفلسفة اللغة العادية، كان من أعلامه جون لانجشو أوستن صاحب نظرية أفعال الكلام، وبيتر ستراوسون زميل جرايس ومحاوره. وقد اهتم هذا التيار بتحليل الاستعمال اليومي للكلمات بدل الاعتماد على اللغات المنطقية الصورية وحدها.

بين المنطق واللغة الطبيعية

كان من دوافع مشروعه الدفاع عن فكرة أن أدوات الربط في اللغة الطبيعية، مثل العطف والشرط، لا تختلف في معناها الأساسي عن نظيراتها في المنطق كما بدا لبعض الفلاسفة، وأن ما يظهر من فروق يمكن تفسيره بالاستلزامات الحوارية التي تضاف إلى المعنى في سياق الاستعمال. وبهذا جمع بين صرامة المنطق ومرونة الحديث اليومي في إطار واحد متماسك، وهو ما أكسب عمله أهمية تتجاوز حدود اللسانيات إلى فلسفة العقل والأخلاق.

أسئلة شائعة

ما أشهر كتاب لجرايس؟

كتاب دراسات في طريقة الكلمات الذي جمع فيه أهم مقالاته ومحاضراته، ومنها محاضرات المنطق والمحادثة.

ما المقصود بالتداوليات؟

فرع من علوم اللغة يدرس المعنى في سياق الاستعمال، أي العلاقة بين الكلام ومقاصد المتكلمين وظروف التواصل.

هل يعني خرق قواعد المحادثة فشل التواصل؟

ليس بالضرورة، فكثيرًا ما يكون الخرق مقصودًا لإيصال معنى ضمني كالسخرية أو التلطف أو التلميح، ويفهمه السامع بالاستدلال.

خلاصة

قدم بول جرايس للفكر اللغوي تصورًا جديدًا للمعنى يقوم على مقاصد المتكلم والتعاون بين المتحاورين، وصاغ قواعد المحادثة ومفهوم الاستلزام الذي يفسر كيف نفهم ما لم يُقل. ورغم ما وُجه إليه من نقد، لا تزال أفكاره حاضرة في اللسانيات والبلاغة المقارنة وتحليل الخطاب وتقنيات معالجة اللغة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !