الثعابين السامة

تثير الأفاعي في نفوس كثير من الناس مزيجاً من الخوف والفضول، فهي من أقدم الكائنات التي ارتبطت في أذهان البشر بالخطر والغموض، وحضرت في أساطير الشعوب وحكاياتها. غير أن الثعابين السامة لا تمثل إلا جزءاً من عالم الأفاعي الواسع، إذ إن أكثر أنواع الثعابين غير سامة ولا تشكل خطراً حقيقياً على الإنسان.

بعد عرض الوصف الوارد في المقال الأصلي، نتناول تصنيف الأفاعي السامة إلى فصائلها الكبرى، وأنواع السموم وتأثيرها، وأشهر الأفاعي في العالم العربي، ثم نشرح الإسعافات الأولية الصحيحة عند اللدغ والأخطاء الشائعة التي ينبغي تجنبها، ونتحدث عن الترياق وطريقة إنتاجه، ودور الأفاعي في التوازن البيئي.

وصف الأفاعي السامة وخصائصها

الثعابين السامة، هي الثعابين التي لديها غدد سمية وأسنانها متخصصة لحقن السم. 
الكوبرا الهندية من أشهر الثعابين السامة
كوبرا هندية (ناجا ناجا)، واحدة من أشهر الثعابين السامة في العالم.

الوصف
للأفعى السامَّة زوج من الأنياب الطويلة المجوفة في الفك العلوي. وللعديد من الأفاعي السامَّة تجويف عميق على جانب الرأس، أدنى قليلاً من العين وأمامها. وأكثر من نصف الأفاعي السامَّة لها تجويف. وتُسمى الأفعى التي بها مثل ذلك التجويف الأفعى السامة ذات التجويف أو الأفعى الحضرية السامة. والأفعى التي ليس بها مثل ذلك التجويف تسمى أفعى سامة حقيقية.

ويتكون سم الأفاعي السامَّة في غدد خاصة، ثم تحمله بعد ذلك الأنياب إلى داخل جسم الضحية بمثل الطريقة التي تحقن بها الإبرة المصل. وجميع الأفاعي السامَّة يمكن أن تكون خطرة على الإنسان، لكن الأنواع الصغيرة منها نادرًا ماتقتل إنسانًا بلدغتها. وبعض الأنواع من الأفاعي السامة الضخمة غير مؤذية ولاتلدغ إلا إذا أُثيرت.

وللأفاعي السامَّة رأس أعرض بكثير من العُنق، ولها عيون مثل عيون القطط. ولأن معظم الثعابين لها هذا الشكل، لذلك لايمكن معرفة الأفاعي السامَّة ذات الجسم المكتنز والذيل القصير.

وفي الأفعى السامة ذات التجويف، نجد أن التجويف الوجهي موصول بالدماغ بوساطة عصب متطور، وهذا العصب حساس جدًا للحرارة مما يساعد الأفعى السامة ذات التجويف على تحديد مكان فريستها ذات الدم الحار.

والأفعى السامَّة العادية هي النوع الوحيد السام بين الزواحف في بريطانيا وأوروبا الشمالية. وهناك أنواع أخرى من الأفاعي السامة العادية، هي أفعى الجابون والأفعى النافثة (الأربد) الإفريقية وأفعى روسيل في آسيا وجزر الهند الشرقية. ومعظم الأفاعي السامة الحقيقية تحمل صغارها.

تشتمل الأفاعي ذات التجويف على الأفعى الجرسية التي تعيش ما بين جنوب كندا إلى الأرجنتين، وسيدة الأدغال، والسنان، التي تعيش في أمريكا الاستوائية. والواقع أن الأفعى سيدة الأدغال هي الوحيدة التي تضع البيض، أما الأخرىات، فهي تحمل صغارها.

التواجد
تعيش الأفاعي السامة الحقيقية في كل من أفريقيا وأوروبا وآسيا وجزر الهند الشرقية.

 كما تعيش الأفعى السامة ذات التجويف في الأمريكتين وجزر الهند الشرقية وأوروبا في الشرق الأدنى من نهر الفولجا، ومن كل 100 ثعبان، هناك نحو ثماني أفاعٍ سامَّة.

تصنيف الأفاعي السامة

يقسم علماء الزواحف الأفاعي السامة إلى عدة فصائل، أهمها فصيلتان كبيرتان، إضافة إلى أنواع قليلة من فصائل أخرى:

فصيلة الكوبرا وأقاربها

تعرف علمياً بالفصيلة العربيدية، وتتميز بأنياب أمامية ثابتة قصيرة نسبياً في مقدمة الفك العلوي. وتضم الكوبرا بأنواعها، والمامبا الأفريقية، والكريت الآسيوية، والأفاعي المرجانية في الأمريكتين، والأفاعي البحرية التي تعيش في المحيطين الهندي والهادئ، وكثيراً من الأفاعي الأسترالية. ويغلب على سموم هذه الفصيلة التأثير في الجهاز العصبي.

فصيلة الأفاعي الحقيقية

تعرف بالفصيلة الأفعوية، وتتميز بأنياب طويلة مجوفة قابلة للطي، تنثني إلى الخلف داخل الفم حين يكون مغلقاً، وتنتصب للأمام عند اللدغ. وتنقسم إلى أفاعٍ حقيقية بلا تجويف حراري، كالأفعى الأوروبية والأفعى النافثة الأفريقية، وأفاعٍ ذات تجويف حراري بين العين والأنف، كالأفعى الجرسية في الأمريكتين، وهو ما يشير إليه المقال الأصلي. ويغلب على سموم هذه الفصيلة التأثير في الدم والأنسجة.

أنواع من فصائل أخرى

توجد أنواع قليلة من الفصيلة التي تضم أكثر الأفاعي غير السامة، لكنها تحمل سماً قد يكون خطيراً، وأنيابها في مؤخرة الفم، ومن أشهرها أفعى البومسلانغ الأفريقية الشجرية.

أنواع السموم وتأثيرها

سم الأفعى مزيج معقد من البروتينات والإنزيمات، تطور لمساعدتها على شل فريستها والبدء بهضمها، ويختلف تركيبه بين الأنواع، بل بين أفراد النوع الواحد بحسب العمر والمنطقة. ويصنف العلماء تأثيرات السموم في مجموعات رئيسية:

  • السموم العصبية: تعيق انتقال الإشارات من الأعصاب إلى العضلات، فقد تسبب تدلي الجفون وصعوبة البلع والكلام، وفي الحالات الشديدة شلل عضلات التنفس.
  • السموم الدموية: تؤثر في آلية تخثر الدم، فقد تؤدي إلى نزيف من اللثة أو موضع اللدغة أو الأعضاء الداخلية.
  • السموم الخلوية: تسبب تورماً شديداً وتلفاً في الأنسجة حول موضع اللدغة، وقد تؤدي إلى موت الأنسجة في الحالات الشديدة.
  • السموم العضلية: تتلف ألياف العضلات، وقد تؤثر بالتالي في الكلى.

اللدغة الجافة

لا تحقن الأفعى السم في كل لدغة، فقد تلدغ دفاعاً عن نفسها دون إفراز السم أو بكمية قليلة جداً، وتسمى هذه اللدغة الجافة. لكن لا يمكن للمصاب معرفة ذلك بنفسه، ولذلك يجب التعامل مع كل لدغة من أفعى قد تكون سامة على أنها حالة طارئة.

أفاعٍ سامة في العالم العربي

تنتشر في البلدان العربية عدة أنواع من الأفاعي السامة، تختلف بحسب البيئة الصحراوية أو الجبلية أو الساحلية، ومن أشهرها:

  • الأفعى المقرنة: تعيش في الصحارى الرملية في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وتعرف بالنتوءين فوق عينيها لدى كثير من أفرادها، وتدفن نفسها في الرمل.
  • أفعى السجاد أو الأفعى المنشارية: صغيرة الحجم لكنها من أخطر الأفاعي، وتصدر صوت حفيف بحك حراشفها عند الشعور بالتهديد.
  • الكوبرا المصرية: تنتشر في مصر وأجزاء من شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، وتفرد رقبتها عند الإحساس بالخطر.
  • الأفعى الفلسطينية: تعيش في بلاد الشام، وتقترب أحياناً من المزارع والبيوت الريفية.
  • الأفاعي البحرية: توجد في مياه الخليج العربي وبحر العرب، وهي هادئة غالباً لكن سمها قوي.

الإسعافات الأولية عند لدغة الأفعى

توصي الجهات الصحية بخطوات عامة يمكن اتباعها حتى الوصول إلى المستشفى:

  1. الابتعاد عن الأفعى بهدوء وعدم محاولة الإمساك بها أو قتلها، ويمكن تصويرها من مسافة آمنة إن أمكن لمساعدة الأطباء على التعرف إليها.
  2. تهدئة المصاب وإبقاؤه ساكناً قدر الإمكان، لأن الحركة قد تسرع انتشار السم.
  3. إبقاء العضو المصاب ساكناً، ويمكن تثبيته بجبيرة خفيفة.
  4. نزع الخواتم والأساور والساعات والملابس الضيقة قبل حدوث التورم.
  5. نقل المصاب فوراً إلى أقرب مستشفى أو الاتصال بالإسعاف.

أخطاء يجب تجنبها

  • عدم جرح مكان اللدغة أو محاولة مص السم بالفم، فذلك لا يفيد وقد يسبب العدوى.
  • عدم ربط العضو برباط ضاغط شديد يقطع الدورة الدموية.
  • عدم وضع الثلج أو المواد الكيميائية أو الأعشاب على الجرح.
  • عدم إعطاء المصاب مشروبات منبهة أو أدوية دون استشارة طبية.
  • عدم انتظار ظهور الأعراض قبل التوجه إلى المستشفى.

الترياق: كيف يصنع؟

العلاج الأساسي للتسمم بسم الأفاعي هو الترياق أو مضاد السم، ويصنع في الغالب بحقن حيوانات كبيرة كالخيول بجرعات صغيرة متزايدة من السم، فيكون جهازها المناعي أجساماً مضادة له، ثم تستخلص هذه الأجسام من دمها وتنقى. وقد يكون الترياق خاصاً بنوع واحد من الأفاعي، أو متعدد التكافؤ يغطي عدة أنواع منتشرة في منطقة معينة. ويعطى الترياق في المستشفى تحت إشراف طبي، لأنه قد يسبب ردود فعل تحسسية تحتاج إلى متابعة. وقد صنفت منظمة الصحة العالمية التسمم بلدغات الأفاعي ضمن أمراض المناطق المدارية المهملة، لما يسببه من وفيات وإعاقات في المناطق الريفية الفقيرة.

دور الأفاعي في الطبيعة

رغم الخوف المرتبط بها، تؤدي الأفاعي دوراً مهماً في التوازن البيئي، فهي تتغذى على القوارض التي تفتك بالمحاصيل وتنقل بعض الأمراض، كما تكون بدورها غذاء للطيور الجارحة وبعض الثدييات. وقد استفاد العلماء من دراسة سموم الأفاعي في تطوير أدوية، من أشهرها أدوية لعلاج ارتفاع ضغط الدم استلهمت من مركبات في سم أفعى أمريكية جنوبية.

كيف تتجنب اللدغات؟

  • ارتداء أحذية مغلقة وسراويل طويلة عند المشي في البراري والمزارع.
  • استخدام مصباح عند المشي ليلاً، لأن كثيراً من الأفاعي تنشط في الليل.
  • عدم إدخال اليدين في الشقوق والجحور أو تحت الحجارة.
  • تنظيف محيط البيوت الريفية من الأعشاب الكثيفة والركام الذي تختبئ فيه القوارض والأفاعي.
  • نفض الأحذية والملابس والأغطية قبل استخدامها في المخيمات.

أسئلة شائعة

هل يمكن تمييز الأفعى السامة من شكلها؟

لا توجد قاعدة شكلية مضمونة، فشكل الرأس وحدقة العين ليسا دليلاً قاطعاً، ولذلك يُنصح بالتعامل مع أي أفعى مجهولة بحذر.

هل كل الثعابين سامة؟

لا، فأكثر أنواع الثعابين في العالم غير سامة، أو سمها ضعيف لا يؤثر في الإنسان تأثيراً خطيراً.

هل يفيد مص السم من مكان اللدغة؟

لا، فالجهات الطبية تحذر من هذه الممارسة، والإجراء الصحيح هو تثبيت العضو ونقل المصاب إلى المستشفى بسرعة.

خلاصة

الثعابين السامة مجموعة متنوعة من الزواحف تنتمي أساساً إلى فصيلتين كبيرتين، وتختلف سمومها بين ما يؤثر في الأعصاب وما يؤثر في الدم والأنسجة. وفي العالم العربي أنواع خطرة كالأفعى المقرنة وأفعى السجاد والكوبرا المصرية. والتعامل الصحيح مع اللدغة يقوم على الهدوء وتثبيت العضو والإسراع إلى المستشفى، مع تجنب الأساليب الشعبية الضارة، مع إدراك أن الأفاعي جزء مهم من التوازن البيئي.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !