تحيط بنهايات الفلاسفة والأدباء القدامى حكايات كثيرة، بعضها موثق في المصادر التاريخية، وبعضها أقرب إلى النوادر التي تناقلها الرواة جيلاً بعد جيل حتى صارت جزءاً من الطرائف الأدبية. ومن هنا يتساءل القارئ كيف مات أشهر فلاسفة العالم، وما الذي يمكن تصديقه مما يُروى عنهم.
نعرض في هذا المقال مجموعة من الحكايات المتداولة عن نهايات عدد من الشعراء والمفكرين، ثم نضيف قراءة تاريخية لأشهر هذه النهايات كما تذكرها المصادر المعتمدة، ونوضح كيف نشأت بعض الأساطير، وكيف يميز القارئ بين الخبر الموثق والنادرة المتداولة.
حكايات متداولة عن نهايات الأدباء والمفكرين

الشاعر الإغريقي اناكريون الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد كان يأكل العنب ، فانحشرت حبات
في حلقه فمات !
والشاعر تربنادر رماه أحد أصدقائه بحبة من التين ، فاستقرت في فمه و في حلقه فمات !
و الأديب اسكيلوس كان يجلس أمام البيت عندما حلق نسر يحمل سلحفاة بين مخالبه، فأسقطها فنزلت على
رأس الأديب فمات فورا.
و المؤلف المسرحي يوربيدس هاجمته الكلاب فمزقته و مات !
============ ==
و الفيلسوف العظيم أرسطو (384-322 ق.م) ألقى بنفسه في البحر، عندما عجز عن تفسير سبب
التيارات البحرية و لماذا تتغير في اليوم الواحد عشرين مرة !
============ ===
و الملك الأديب مثير يادس (132-63 ق.م) كان يخاف أن يموت مسموما، فطلب إلى خادمه أن يضع
القليل من السموم في طعامه. حتى أعتاد الجسم على ذلك. و في يوم قرر الانتحار. و أخذ كمية من السم،
و لكنه لم يمت، فطلب إلى أحد حراسه أن يدق رأسه بحجر !
و الفنان كالخاس مات من الضحك- فقد عاش يوما بعد اليوم الذي حدده العرافون لوفاته !
و الفيلسوف هرقلطيس غطى نفسه بروث البقر، حتى مات !
و الفيلسوف زينون قطع أحد أصابعه عندما بلغ التسعين.. و راح ينزف ثم يدق الأرض بقدميه و يديه
مرددا بيتا من الشعر القديم يقول :
جئت إلى هنا ، فلماذا أتيت بي ؟!
حتى مات !
و المفكر الروماني الساخر برجرينوس أشعل ناراً ضخمة، و راح يدور حولها و أبدى أعجابه الشديد
بأصواتها و ألوانها ثم ألقى بنفسه فيها !
و الأدباء الرومان : سنكا و لوكان و بتروينوس ، مزق كل منهم عروق يديه و انتظر الموت تنفيذاً
لأوامر الطاغية نيرون الذي جلس يتفرج على هذه النهاية !
أما الشاعر هلفنوس سبينا، فقد ظنته الجماهير واحدا من السفاحين فتكاثروا عليه و قتلوه !
و أبييوس أول من ألف كتاباً عن الطهي في التاريخ.. فقد استدرجه أصدقاؤه إلى أقامة وليمة ضخمة،
فأقامها. و لما عرف أن الاموال التي تبقت معه لا تكفيه شهرا، ظل يأكل من هذا الطعام حتى مات !
و الشاعر الصيني لي بو (762-700 ق. م) ركب زورقا في ليلة مقمرة و شرب نبيذا و غنى و نظم
شعرا و عندما حاول أن يقبل صورة القمر على سطح الماء أنقلب و غرق و مات !
و الشاعر الإيطالي بتراركه (1304-1374) تمدد على فراشه و أعلنوا أنه مات و تركوه يوما بناء على
وصيته.. و فوجئوا بأنه اعتدل و قام و عاش بعد ذلك ثلاثين عاما !
و الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون (1561-1626) كان يحشو الحيوانات الميتة بالجليد، لكي
يعرف كم من الوقت تبقى هذه الحيوانات بلا عفونة.. فمات من شدة البرد !
و المؤلف الإنجليزي ، روبرت برنز (1595-1640) توفي في نفس اليوم الذي توقعه !
و مات شكسبير و الأديب الأسباني سرفانتس في يوم واحد – 22 أبريل 1616 !
و موليير (1725-1783) كان يمثل دورا في إحدى مسرحياته. الدور هو أن يتظاهر بالمرض فظل
يسعل و ينزف. و عندما أسدل الستار مات. المسرحية أسمها المريض بالوهم !
و الأديب الأمريكي جيمس اوتس (1725-1793). . تمنى أن يموت في السماء بأن يحمله أحد النسور ثم
يموت بين مخالبه- كان يمشي في الحقول فأصابته صاعقة فمات !
الشاعر الإنجليزي لورد بيرون (1877-1824) مات عندما نقل منه الأطباء أربعة كيلو جرامات من
دمه لعلاجه من الملاريا !
الشاعر الألماني فون تومل مات أيضا سنة 1824 و طلب أن يدفنوه في جوف شجرة-الشجرة ما تزال حية !
الشاعر البريطاني شيللي (1792-1822) مات غرقا. و عندما أحرقوا جثته، لم يحترق قلبه. فحملته
زوجته معها في كل مكان !
أمير الشعراء الروس بوشكن (1799-1837) مات في معركة بالسيف و الشاعر الروسي لرمنتوف
و الأديب الأمريكي هوثورن و لد سنة 1804 كان يتشاءم طول حياته من الرقم 64 فكان يحذف رقم 64
من كل كتبه و مذكراته.
و يكتب 63 مكرر. مات سنة 1864 !
الأديب البريطاني ثاكري (1811-1863) مات من التخمة! .. و الفيلسوف الإنجليزي بنثام (1748)
الآن بصفة دائمة !
الساخر الأمريكي مارك تواين (صاحب رواية توم سواير الشهيرة) ولد يوم ظهر المذنب هيلي سنة 1835
و أعلن أنه سوف يموت عندما يظهر مرة أخرى- و ظهر في سنة 1910 و مات مارك تواين !
و الكاتب (شلومو علينحيم) كان يخاف من رقم 13 ... لا يكتبه في كراريسه و لا في كتبه...
و أنما كان يكتب 12 مكرر. مات في نيويورك يوم 13 مايو سنة 1916..
الأديب الأنجليزي أرنولد بنيت (1867-1931) مات بحمى التيفود بعد أن شرب كوبا من ماء نهر
السين ليدلل على أنها مياه نقية صحية !
الشاعر الروسي سرجي اسنين (1895-1925) قطع عرقا في ذراعه و كتب قصيدة بدمه، ثم شنق
نفسه!
الشاعر الأنجليزي روبرت بروك (1877-1915) لدغته بعوضة فمات و ترك ثروته لثلاثة شعراء هم :
جيلمان و ابروكرومبي و والتر دلامار !
في سنة 1933 أمر هتلر بأن يبتلع المؤلف أرنست تولر ، كتابه الذي كتبه ضد النازية-الكتاب من 470
صفحة !
و ظل يأكل كتابه حتى مات ..
نهايات موثقة لفلاسفة كبار
سقراط وكأس الشوكران
تُعد نهاية سقراط أشهر موت في تاريخ الفلسفة، فقد حوكم في أثينا عام 399 قبل الميلاد بتهمتي إفساد الشباب وعدم احترام آلهة المدينة، وصدر الحكم بإعدامه، فشرب السم المستخلص من نبات الشوكران. وقد وصف تلميذه أفلاطون أيامه الأخيرة في محاورات عدة، أشهرها محاورة فيدون التي تصور حديثه الهادئ مع أصدقائه عن خلود النفس قبل أن يتجرع الكأس.
أرسطو
تذكر المصادر التاريخية أن أرسطو غادر أثينا بعد وفاة الإسكندر الأكبر بسبب تصاعد العداء للمقدونيين، وانتقل إلى مدينة خالكيس في جزيرة إيبوبيا، وتوفي هناك عام 322 قبل الميلاد، ويرجح كثير من المؤرخين أنه مات بمرض في المعدة. أما الحكاية التي تقول إنه ألقى بنفسه في البحر عجزاً عن تفسير المد والجزر فهي رواية متأخرة ضعيفة لا يعتمدها الباحثون.
سينيكا
الفيلسوف الرواقي سينيكا كان معلماً للإمبراطور نيرون ومستشاراً له، ثم اتُّهم بالمشاركة في مؤامرة ضده، فأُمر بأن ينهي حياته بنفسه عام 65 للميلاد، وتروي المصادر الرومانية أنه قطع عروقه، وهذه من الروايات التي يعدها المؤرخون ثابتة في جوهرها.
هيباتيا وجوردانو برونو
الفيلسوفة والرياضية هيباتيا قُتلت في الإسكندرية على يد جمع غاضب في أوائل القرن الخامس الميلادي في سياق صراعات سياسية ودينية. أما الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو فقد حُكم عليه بالهرطقة وأُحرق في روما عام 1600 بسبب آرائه الكونية والدينية.
أساطير شائعة وما تقوله المصادر
- إسخيلوس والسلحفاة: حكاية النسر الذي أسقط سلحفاة على رأسه وردت في بعض المصادر القديمة، لكن المؤرخين يتعاملون معها بحذر ويعدونها أقرب إلى الأسطورة.
- هرقليطس: ما يُروى عن علاجه نفسه بروث البقر مصدره كتاب ديوجانس اللائرتي في سير الفلاسفة، وهو كتاب كُتب بعد قرون من عصر هرقليطس ويحوي أخباراً كثيرة غير محققة.
- فرانسيس بيكون: تُروى قصة إصابته بالبرد بعد تجربة حشو دجاجة بالثلج لدراسة أثره في حفظ اللحم، وتوفي بالتهاب رئوي عام 1626، غير أن بعض الباحثين يشككون في تفاصيل القصة.
- لي باي: الشاعر الصيني الكبير عاش في القرن الثامن الميلادي في عهد أسرة تانغ، وأسطورة غرقه وهو يحاول احتضان صورة القمر في الماء جميلة شعرياً لكنها غير مؤكدة تاريخياً.
تصحيح بعض التواريخ المتداولة
تتنقل قوائم الطرائف بين المواقع فتتسرب إليها أخطاء في الأسماء والتواريخ، ومن أمثلة ذلك أن موليير عاش في القرن السابع عشر وتوفي عام 1673 بعد أن أدى دوره في مسرحية المريض بالوهم، وأن اللورد بايرون وُلد عام 1788 وتوفي عام 1824 في اليونان بعد إصابته بحمى، ويرى مؤرخون أن الفصد المتكرر الذي أجراه الأطباء قد أضعفه. أما القول بأن شكسبير وسرفانتس ماتا في اليوم نفسه فيحتاج إلى تدقيق؛ فالتاريخان متطابقان على الورق، لكن إنجلترا كانت تستخدم التقويم اليولياني وإسبانيا التقويم الغريغوري، فبينهما في الواقع أيام عدة.
كيف نتعامل مع هذه الحكايات؟
- البحث عن مصدر الرواية وزمن تدوينها، فالأخبار المدونة بعد قرون تحتاج إلى حذر أكبر.
- مقارنة الرواية بما تذكره الموسوعات وكتب السير المحققة.
- الانتباه إلى التواريخ غير المنطقية، كأن يسبق تاريخ الوفاة تاريخ الميلاد.
- التمييز بين الطرفة الأدبية التي تُروى للتسلية والحقيقة التاريخية.
أسئلة شائعة
كيف مات سقراط؟
أُعدم بشرب سم الشوكران بعد محاكمته في أثينا، وفق ما رواه تلاميذه.
هل انتحر أرسطو غرقاً؟
لا تؤيد المصادر المعتمدة ذلك، والراجح أنه توفي بمرض في خالكيس.
لماذا تكثر الأساطير حول موت العظماء؟
لأن الناس يميلون إلى إضفاء الغرابة على نهايات المشاهير، ولأن كتب السير القديمة جمعت أخباراً شفهية دون تمحيص كافٍ.
خلاصة
بين الخبر الموثق والنادرة المتداولة مسافة كبيرة، ونهايات الفلاسفة مثال واضح على ذلك. فبعضها ثابت كموت سقراط وسينيكا، وبعضها أسطوري أو مشكوك فيه. وقراءة هذه الحكايات بعين ناقدة تجمع بين متعة الطرفة ودقة المعرفة التاريخية.