الروح الشريرة أو البولترجايست من أشهر الموضوعات في عالم القصص الغامضة والظواهر الخارقة، إذ تروى حكايات عن أصوات طرق مجهولة وأشياء تتحرك وحدها وأبواب تفتح وتغلق دون سبب ظاهر. وقد شغلت هذه الروايات الناس قرونًا، وتحولت إلى مادة غزيرة للأفلام والروايات والبرامج التلفزيونية.
نستعرض في هذا المقال أصل المصطلح ومعناه، والسمات التي تنسب إلى هذه الظاهرة في الروايات الشعبية، وأشهر الحالات التي اشتهرت إعلاميًا، ثم نعرض التفسيرات العلمية والنفسية المطروحة لها، ونظرة الثقافة العربية والإسلامية إلى الموضوع، ونصائح للتعامل مع الأصوات الغريبة في البيت.
ما يقال عن الشبح الصاخب
أصل مصطلح بولترجايست
كلمة بولترجايست ألمانية الأصل، وتتكون من مقطعين: الأول مأخوذ من فعل يعني أحدث جلبة أو قرع بصوت عال، والثاني يعني الروح أو الشبح. فالمعنى الحرفي هو الشبح الصاخب أو الروح المزعجة. وقد انتقلت الكلمة إلى الإنجليزية ثم إلى لغات كثيرة، وأصبحت مصطلحًا شائعًا في أدبيات الظواهر الخارقة.
ويميز المهتمون بهذا المجال بين الشبح بمفهومه التقليدي، الذي يقال إنه يظهر في مكان معين كبيت قديم أو قلعة، وبين البولترجايست الذي يقال إنه يرتبط غالبًا بشخص بعينه، ويتميز بالضجيج وتحريك الأشياء أكثر من الظهور المرئي.
السمات المنسوبة إلى الظاهرة
تتشابه الروايات المتداولة عن هذه الظاهرة في عدد من العناصر، منها:
- أصوات طرق أو خبط على الجدران والأبواب والأثاث.
- تحرك أشياء صغيرة أو سقوطها أو قذفها في الهواء.
- فتح الأبواب والأدراج وإغلاقها.
- اختفاء أشياء ثم ظهورها في أماكن غير متوقعة.
- اضطراب الأجهزة الكهربائية والأضواء.
- ارتباط الأحداث في كثير من الروايات بوجود طفل أو مراهق في البيت.
حالات اشتهرت إعلاميًا
حالة إنفيلد
من أشهر الحالات التي تتناقلها وسائل الإعلام ما عرف بحالة إنفيلد في شمال لندن في أواخر السبعينيات، حيث أبلغت عائلة عن أصوات وحركات غريبة في بيتها، وحظيت القصة بتغطية صحفية واسعة وزيارات من باحثين في الظواهر الخارقة. وقد انقسمت الآراء حولها، إذ رأى المشككون أن بعض الأحداث كانت من صنع الأطفال، واعترفت إحدى الفتيات لاحقًا بأنها اصطنعت جزءًا منها، بينما تمسك آخرون بأن بعضها لم يفسر. وتحولت القصة إلى أفلام ومسلسلات.
أسطورة ساحرة بيل
في الفولكلور الأمريكي تروى قصة تعرف بساحرة بيل، تعود إلى القرن التاسع عشر في ولاية تينيسي، عن عائلة زعمت أن كيانًا غير مرئي يزعجها. وهي من القصص الشعبية التي تختلط فيها الحقيقة بالخيال وتتعدد رواياتها.
التفسيرات العلمية والنفسية
لا يوجد دليل علمي مقبول يثبت وجود أرواح تحرك الأشياء، وقد قدم الباحثون تفسيرات متعددة لما يروى عن هذه الظاهرة:
الخداع والمزاح
تبين في عدد من الحالات التي حقق فيها الباحثون أن الأحداث كانت من صنع أحد أفراد البيت، غالبًا بدافع لفت الانتباه أو المزاح أو التعبير عن ضغوط نفسية.
الأسباب الطبيعية والفيزيائية
- تمدد الأخشاب والمعادن وانكماشها مع تغير الحرارة، مما يحدث أصوات طقطقة.
- حركة الهواء في الأنابيب والمداخن وتيارات الهواء التي تحرك الأبواب.
- الحيوانات الصغيرة كالفئران والطيور داخل الجدران والأسقف.
- الاهتزازات الناتجة عن المرور أو الأعمال الإنشائية القريبة.
- الأعطال الكهربائية التي تسبب وميض الأضواء.
العوامل النفسية والإدراكية
يميل الدماغ البشري إلى البحث عن أنماط ومعان في الأحداث العشوائية، فإذا كان الشخص خائفًا أو يتوقع حدوث أمر غريب، فقد يفسر الأصوات العادية تفسيرًا مخيفًا. كما يمكن أن يؤدي الإيحاء الجماعي إلى انتقال الشعور بالخوف بين أفراد البيت. وتذكر بعض الدراسات أن التسمم بأول أكسيد الكربون من المدافئ المعطلة قد يسبب صداعًا وهلوسات وشعورًا بوجود كيان غير مرئي، وهو سبب خطير يجب استبعاده.
النظرة في الثقافة العربية والإسلامية
عرفت الثقافة العربية حكايات شعبية كثيرة عن البيوت المسكونة والعفاريت والأصوات الغامضة، وتداولها الناس في السمر والقصص. وفي العقيدة الإسلامية يؤمن المسلمون بوجود الجن بوصفهم عالمًا غيبيًا ورد ذكره في القرآن الكريم، لكن العلماء يحذرون من المبالغة في نسبة كل أمر غريب إليهم، ومن الانسياق وراء المشعوذين والدجالين الذين يستغلون خوف الناس. ويرشد العلماء عادة إلى التحصن بالأذكار المشروعة، والرجوع إلى أهل العلم الموثوقين، مع عدم إهمال الأسباب الطبيعية والطبية.
البولترجايست في الثقافة الشعبية
ألهمت هذه الفكرة عددًا كبيرًا من الأعمال الفنية، أشهرها فيلم بولترجايست الأمريكي الصادر في أوائل الثمانينيات، الذي حقق نجاحًا كبيرًا وأسهم في انتشار المصطلح عالميًا. كما تناولتها روايات الرعب وبرامج التحقيق في الظواهر الغامضة، التي ينتقد كثير منها لافتقاره إلى المنهج العلمي.
الباراسيكولوجيا ودراسة الظاهرة
اهتم بعض الباحثين في مجال يعرف بالباراسيكولوجيا، أو علم النفس الموازي، بدراسة روايات البولترجايست، واقترح بعضهم في القرن العشرين أن هذه الأحداث، إن وقعت، قد ترتبط بالحالة النفسية لشخص يعيش ضغطًا شديدًا، وأطلقوا عليها اسمًا يعني التحريك الذهني المتكرر التلقائي. لكن هذه الفرضيات لم تحظ بقبول في الأوساط العلمية السائدة، لأن التجارب المضبوطة لم تثبت قدرة الإنسان على تحريك الأشياء بذهنه، ولأن كثيرًا من الدراسات في هذا المجال تعرضت لانتقادات منهجية.
لماذا ترتبط القصص بالمراهقين؟
يلاحظ في كثير من الروايات أن الأحداث تتركز حول طفل أو مراهق في البيت. ويفسر المشككون ذلك بأن هذه الفئة العمرية قد تميل أحيانًا إلى المزاح أو لفت الانتباه، أو قد تعبر بهذه الطريقة عن توتر أسري أو ضغوط نفسية. ومن هنا يرى بعض المختصين أن التعامل مع مثل هذه الحالات يحتاج إلى حساسية وحوار مع أفراد الأسرة، لا إلى التهويل الإعلامي.
دور الإعلام في تضخيم القصص
تسهم التغطية الإعلامية المثيرة في تحويل حوادث بسيطة إلى أساطير شعبية، إذ تميل بعض البرامج إلى عرض الروايات المخيفة دون تحقق، وتغفل التفسيرات الطبيعية لأنها أقل إثارة. ولذلك ينصح القارئ بالتعامل مع هذه القصص بعقل نقدي، والبحث عن المصادر الموثوقة.
نصيحة للأسر
إذا شعر أفراد الأسرة بالخوف من أحداث غريبة في البيت، فإن الهدوء والتحقق خطوة بخطوة أفضل من الذعر، ويستحسن طمأنة الأطفال وعدم ترديد القصص المخيفة أمامهم، لأن الخوف المتراكم قد يؤثر في نومهم وصحتهم النفسية.
كما يفيد توثيق الأحداث بدقة، بتسجيل وقتها ومكانها وظروفها، فهذا يساعد في كثير من الأحيان على اكتشاف نمط طبيعي يفسرها، كارتباط الأصوات بتشغيل جهاز التدفئة أو بمرور القطار.
أسئلة شائعة
ما معنى كلمة بولترجايست؟
كلمة ألمانية تعني الشبح الصاخب، وتطلق على ظاهرة يزعم فيها حدوث أصوات وتحريك أشياء دون سبب ظاهر.
هل أثبت العلم وجود البولترجايست؟
لا يوجد دليل علمي مقبول على ذلك، ومعظم الحالات المدروسة فسرت بأسباب طبيعية أو نفسية أو بالخداع.
ماذا أفعل إذا سمعت أصواتًا غريبة في بيتي؟
ابدأ بفحص الأسباب الطبيعية كالأنابيب والتمدد الحراري والحشرات والقوارض، وتأكد من سلامة المدافئ وأجهزة الغاز، واستعن بفني مختص إذا لزم الأمر.
خلاصة
البولترجايست مصطلح ألماني يعني الشبح الصاخب، ويطلق على روايات عن أصوات وأحداث غامضة في البيوت ترتبط غالبًا بأشخاص بعينهم. وقد اشتهرت حالات مثل إنفيلد إعلاميًا، لكن التفسيرات العلمية تشير إلى الخداع والأسباب الطبيعية والعوامل النفسية. ويبقى الموضوع مثالًا على تفاعل الخوف الإنساني مع الغموض، وعلى أهمية التفكير الهادئ قبل الحكم على الظواهر.
.png)
.jpg)