الشفق القطبي ( aurora)

يعد الشفق القطبي واحداً من أروع العروض الضوئية التي تقدمها الطبيعة، إذ تتراقص في السماء ستائر من الضوء الأخضر والوردي والبنفسجي في ليالي المناطق القطبية، فتسحر المشاهدين وتلهم المصورين والرحالة. في هذه المقالة نتعمق في فهم هذه الظاهرة، فنشرح سبب تنوع ألوانها، وعلاقتها بالنشاط الشمسي والعواصف المغناطيسية، ونتحدث عن أصل تسميتها، وأفضل الأماكن والأوقات لمشاهدتها، ونصائح لتصويرها، إضافة إلى حقائق عن ظهورها على كواكب أخرى في المجموعة الشمسية.

التفسير العلمي للشفق والأساطير

الشفق القطبي ظاهرة طبيعية فوق القطبين الشمالي والجنوبي

الشفق القطبي من الظواهر الطبيعية الجميلة جدا التي تحدث فقط فوق القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الارضية ويعرف أيضاً بالأسماء التالية الفجر القطبي أو الأضواء القطبية   ورويت الكثير من الخرافات والاساطير قديما حول هذه الظاهرة.


التفسير العلمي:

تظهر الأضواء القطبية في سماء القطب الشمالي والقطب الجنوبي للأرض كضوء طبيعي متموج خلاب بألوان متغيرة.
سبب تلك الأضواء هو اصطدام جسيمات مشحونة عالية السرعة آتية من الشمس تصطدم بذرات الهواء في طبقات الجو العليا.
تأتي تلك الجسيمات المشحونة من رياح شمسية حيث يوجهها المجال المغناطيسي للأرض ويبعدها عن دخول جو الأرض، وفي نفس الوقت يوجه بعضا منها فيهبط على القطبين بعيدا عن الأماكن المسكونة على الأرض.
 بهذا يحمي المجال المغناطيسي للأرض الكائنات الحية من تلك الجسيمات الخارقة الضارة للحياة.

تظهر الأضواء القطبية، وهي تسمى " أورورا " aurora في منطقة تسمى "منطقة  للأورورا " وهي تمتد عبر حيز يبعد نحو 10° إلى 20° عن القطب المغناطيسي للأرض. وأثناء دورات النشاط الشمسي حيث تحدث عواصف مغناطيسية شديدة تؤثر على الأرض فقد يمتد ظهور الأضواء القطبية إلى مناطق جنوبا من القطب الشمالي وبالتالي مناطق شمالية بالنسبة للقطب الجنوبي.

الشفق القطبي والشعوب القديمة:

اختلفت تفاسير كل شعب على حدة ممن عايشوا الشفق القطبي، ومعظمهم حاكوا على مر العصور أساطير وخرافات كثيرة متعلقة بحقيقته الساحرة.

الأسكيمو:
من الشعوب التي حاكت الأساطير حول هذه الظاهرة الطبيعية شعب الاسكيمو واعتقد الأسكيمو الشفق ما هو الا كائن حي فضولي. "اذا ما تحدثت بصوت خافت، سوف تقترب لتحاول اشباع فضولها."

الرومان:
أما بالنسبة للرومان]، فالأورورا هي آلهة الفجر وهي أخت القمر، والذي يُعد عندهم آلهة أخرى.
وتقول الأسطورة الرومانية أن هذه الآلهة (أورورا) تقطع السماء في عربتها وقبيل الفجر يسبقها ابنها - نسيم الصباح - معلنة قدوم عربة أبولو - إله الموسيقى والنور والفطنة - حاملة شمس اليوم الجديد.

أصل التسمية

تأتي الكلمة اللاتينية أورورا من اسم إلهة الفجر في الأساطير الرومانية، بينما ترتبط كلمة بورياليس التي توصف بها أضواء الشمال باسم ريح الشمال في الأساطير الإغريقية. ويُنسب إلى العالم الإيطالي غاليليو غاليلي استخدام تعبير الفجر الشمالي في وصف هذه الأضواء. أما الشفق في نصف الكرة الجنوبي فيعرف بالشفق الجنوبي أو أورورا أوستراليس. وفي العربية يُطلق عليه الشفق القطبي تشبيهاً بحمرة الأفق عند الغروب.

لماذا تختلف ألوان الشفق؟

عندما تصطدم الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس بذرات الغلاف الجوي العلوي وجزيئاته، تنقل إليها طاقة ترفعها إلى حالة مثارة، ثم تعود هذه الذرات إلى حالتها الطبيعية مطلقة الطاقة على شكل ضوء. ويعتمد لون الضوء على نوع الغاز والارتفاع الذي يحدث فيه التصادم:

  • الأخضر: اللون الأكثر شيوعاً، وينتج غالباً عن ذرات الأكسجين على ارتفاعات متوسطة من الغلاف الجوي العلوي.
  • الأحمر: ينتج عن الأكسجين أيضاً لكن على ارتفاعات أعلى حيث يكون الهواء أكثر تخلخلاً، ويظهر بوضوح أكبر في العواصف القوية.
  • الأزرق والبنفسجي: يرتبطان بجزيئات النيتروجين، وتظهر غالباً عند الحواف السفلية للستائر الضوئية.
  • الوردي: قد ينتج عن امتزاج الألوان المختلفة في مناطق التداخل.

أشكال الشفق

يظهر الشفق في أشكال متعددة، منها الأقواس الهادئة الممتدة عبر الأفق، والستائر المتموجة التي تتحرك كأنها قماش يهزه الريح، والأشعة العمودية المتوازية، والتاج الذي يبدو كأن الأضواء تنطلق من نقطة فوق رأس المشاهد مباشرة. وقد يتغير الشكل خلال دقائق من وهج باهت إلى عرض متوهج سريع الحركة.

الشمس والعواصف المغناطيسية

تطلق الشمس باستمرار تياراً من الجسيمات المشحونة يعرف بالرياح الشمسية، لكن نشاطها ليس ثابتاً، إذ يمر بدورة تمتد نحو أحد عشر عاماً في المتوسط، تزداد فيها البقع الشمسية والانفجارات ثم تقل. وعندما تحدث انفجارات قوية أو تنطلق كتل ضخمة من مادة الهالة الشمسية باتجاه الأرض، قد تتسبب في عواصف مغناطيسية أرضية تجعل الشفق أشد سطوعاً وأوسع انتشاراً نحو خطوط العرض المنخفضة.

عواصف تاريخية

من أشهر العواصف المسجلة في التاريخ العاصفة الشمسية الكبرى عام 1859 المعروفة بحدث كارينغتون، نسبة إلى الفلكي البريطاني الذي رصد الانفجار الشمسي المرتبط بها. وقد شوهد الشفق حينها في مناطق قريبة نسبياً من المدارين، وتأثرت شبكات التلغراف في ذلك الوقت. وفي السنوات الأخيرة شهد العالم عواصف قوية جعلت الشفق مرئياً في مناطق لا يُرى فيها عادة، فتداول الناس صوره على مواقع التواصل.

آثار العواصف على التقنية

لا تقتصر آثار العواصف الشمسية على الجمال البصري، فالعواصف القوية قد تؤثر في الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع والاتصالات اللاسلكية، وقد تسبب في حالات نادرة اضطرابات في شبكات الكهرباء. ولذلك تراقب وكالات متخصصة الطقس الفضائي وتصدر تنبيهات عند توقع نشاط شمسي قوي.

دور المجال المغناطيسي للأرض

يعمل المجال المغناطيسي للأرض كدرع واقٍ يحيط بالكوكب ويحرف معظم الجسيمات المشحونة القادمة من الشمس بعيداً عنه، ويطلق العلماء على المنطقة التي يسيطر فيها هذا المجال اسم الغلاف المغناطيسي. ويتشكل هذا الغلاف بفعل ضغط الرياح الشمسية، فينضغط في الجهة المواجهة للشمس ويمتد على شكل ذيل طويل في الجهة المقابلة. وفي بعض الظروف تنفذ الجسيمات وتتسارع على طول خطوط المجال المغناطيسي التي تتجه نحو القطبين، فتصطدم بالغلاف الجوي في حلقتين تحيطان بالقطبين المغناطيسيين، وهذا ما يفسر تركز الشفق في تلك المناطق.

القطب المغناطيسي والقطب الجغرافي

من المهم التمييز بين القطب المغناطيسي والقطب الجغرافي، فهما ليسا في الموضع نفسه، كما أن القطب المغناطيسي يتحرك ببطء عبر الزمن. ولذلك قد يُرى الشفق في بعض المناطق أكثر من غيرها رغم تشابه خطوط عرضها الجغرافية، بحسب قربها من منطقة الشفق المحيطة بالقطب المغناطيسي.

أفضل الأماكن لمشاهدة الشفق

في نصف الكرة الشمالي

  • شمال النرويج، ولا سيما المناطق القريبة من مدينة ترومسو.
  • آيسلندا بمناظرها البركانية وسمائها المفتوحة.
  • منطقة لابلاند في شمال فنلندا والسويد.
  • شمال كندا وولاية ألاسكا الأمريكية.
  • غرينلاند وبعض مناطق شمال روسيا.

في نصف الكرة الجنوبي

يمكن مشاهدة الشفق الجنوبي في القارة القطبية الجنوبية، وأحياناً من جزيرة تسمانيا الأسترالية وجنوب نيوزيلندا عند حدوث نشاط شمسي مناسب، لكن قلة اليابسة القريبة من القطب الجنوبي تجعل مشاهدته أصعب.

أفضل الأوقات للمشاهدة

  1. الأشهر التي تطول فيها الليالي في المناطق القطبية، أي من الخريف حتى الربيع تقريباً.
  2. الليالي الصافية الخالية من الغيوم.
  3. الساعات المظلمة المتأخرة، وغالباً ما يكون النشاط ملحوظاً حول منتصف الليل.
  4. الأماكن البعيدة عن أضواء المدن.
  5. الفترات التي تصدر فيها توقعات بنشاط مغناطيسي مرتفع، إذ تتوفر تطبيقات ومواقع تتابع هذه التوقعات.

نصائح لتصوير الشفق القطبي

  • استخدم حاملاً ثلاثي القوائم لتثبيت الكاميرا أثناء التعريض الطويل.
  • اضبط التركيز يدوياً على اللانهاية أو على نجم ساطع.
  • استخدم عدسة واسعة الزاوية لالتقاط أكبر جزء من السماء.
  • جرب سرعات غالق مختلفة، فالشفق السريع يحتاج إلى تعريض أقصر.
  • احمل بطاريات إضافية، لأن البرد يستنزفها بسرعة.
  • أضف إلى الصورة عنصراً أرضياً كجبل أو بحيرة أو كوخ لإضفاء عمق على المشهد.

الشفق على كواكب أخرى

لا يقتصر الشفق على كوكب الأرض، فقد رصدت المراصد الفضائية ظواهر شفقية على كواكب أخرى تمتلك أغلفة جوية ومجالات مغناطيسية، أبرزها المشتري وزحل، حيث يظهر الشفق قوياً حول قطبيهما في أطوال موجية لا تراها العين المجردة غالباً، كالأشعة فوق البنفسجية. كما رُصدت ظواهر مشابهة على أورانوس ونبتون، وأنواع مختلفة من التوهج على المريخ رغم ضعف مجاله المغناطيسي العام.

الشفق في الثقافات الشعبية

نسجت الشعوب التي عاشت قرب القطب حكايات كثيرة عن الشفق، ففي الثقافة الفنلندية يحمل الاسم الشعبي للشفق معنى نيران الثعلب، استناداً إلى حكاية عن ثعلب يجري عبر الثلوج فيطلق ذيله شرراً في السماء. ورأت شعوب أخرى في الأضواء أرواح الأسلاف أو إشارات من عالم آخر، بينما عدها بعضهم نذيراً بالحروب والأوبئة عندما تظهر حمراء في سماء غير معتادة على رؤيتها.

أسئلة شائعة

هل يمكن رؤية الشفق القطبي من الدول العربية؟

نادراً جداً، لأن الدول العربية تقع في خطوط عرض منخفضة، ولا يُرى الشفق فيها إلا في حالات استثنائية من العواصف الشمسية الشديدة، وغالباً بصورة باهتة قرب الأفق.

هل يصدر الشفق صوتاً؟

تحدث بعض سكان المناطق القطبية عن أصوات خافتة مرافقة للشفق، ودرس بعض الباحثين هذه الروايات، لكن الظاهرة ما تزال غير مفهومة تماماً وموضع نقاش.

هل الشفق خطير على الإنسان؟

لا، فالشفق يحدث على ارتفاعات عالية جداً، ولا يشكل خطراً على من يشاهده من سطح الأرض.

خلاصة

الشفق القطبي لوحة طبيعية مدهشة تنتج عن تفاعل الرياح الشمسية مع المجال المغناطيسي للأرض وغلافها الجوي، وتتنوع ألوانه وأشكاله بحسب الغازات والارتفاعات وشدة النشاط الشمسي. ومن يحظى بفرصة مشاهدته في ليلة صافية في أقصى الشمال أو الجنوب يعيش تجربة لا تنسى، تجمع بين متعة الجمال وعمق المعرفة العلمية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !