تُعد النزاعات المسلحة الداخلية من أقسى ما يمكن أن تمر به الشعوب، لأنها تدور بين أبناء الوطن الواحد، وتترك جراحاً في البنية الاجتماعية والاقتصادية قد تستمر عقوداً. وفي هذا المقال نتناول الحرب الأهلية: تعريفها وأسبابها وأثرها على البلاد، ونعرض قائمة بأشهر الحروب التي عرفها التاريخ، ثم نتوسع في شرح الفرق بينها وبين الأشكال الأخرى من العنف السياسي، وموقف القانون الدولي الإنساني منها، وآثارها الإنسانية الممتدة، والطرق التي سلكتها المجتمعات لإنهائها وتحقيق المصالحة بعدها.
مفهوم الحرب الأهلية وأشهر نماذجها
.jpg)
الحرب الاهلية هي الحرب التي تكون داخل البلد وتكون بين جماعات مختلفة متواجدة في البلد نفسه ، وكل جماعة تعتقد بأن الجماعة الاخرى هي الخائنة وانهم لايستطيعون العيش ضمن بلد واحد ، وتعود اسباب الحرب الاهلية إما الى اسباب سياسية او طبقية او دينية او عرقية او اقليمية او عدة عوامل من هذه مجتمعة معا ، واحدث هذه الحروب هي الحرب الاهلية السورية2011، والحل النافع لهذه الحروب على مدى العصور هو التفاوض السلمي.
و يعتبر اللجوء إلى الحرب الأهلية حالة قصوى من حالات حق دفع الظلم والثورة على حكومة أو فئة حاكمة أخلت بحقوق الشعوب والمواطن، كما جاء في دستور الثورة الفرنسية الصادر عام 1793، أو بموجب مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها المتضمن في ميثاق الأمم المتحدة.
تتصف الحروب الأهلية بالضراوة والعنف وبالنتائج الاقتصادية والاجتماعية المدمرة على المدى القريب، والمؤثرة بعمق على المدى البعيد، لأنها تشمل مناطق آهلة بالسكان وتكون خاضعة لهجمات متقطعة وغير منتظرة، وتفرق بين الأهل والجيران فتشل الحياة الاقتصادية وتمزق النسيج الاجتماعي، ويحتاج المجتمع إلى عدة عقود من الزمن لإعداة البناء والتوازن والوئام.
و كثيرا ما تشكل الحروب الأهلية فرصة لتدخل الدول الكبرى أو المجاورة في مجريات الأمور الداخلية للدولة المعرضة لمثل تلك الحروب.
ذلك أن وقوع مثل تلك الحروب يضعف كثيرا من سيادة الدولة ويزيل التماسك الداخلي في وجه التدخل الخارجي، كما أن احتمالات التغير في موازين القوى داخليا قد يؤثر على الدول المجاورة سلبا وإيجابا فترى بعض الدول في انتصار فريق على فريق تهديدا لأمنها، أو للتوازن في تلك المنطقة من العالم أو على صعيد أوسع.
وقد تلجأ الحكومة إلى معاملة القريق الثائر كطرف في حرب عادية وذلك بغية الالتزام بقواعد الحرب، كحماية الأسرى وتجنب محاكمتهم كخونة وعدم اللجوء إلى الأخذ بالثأر.
إلا أن ذلك يفترض سيطرة الثوار على إقليم جغرافي محدد وقيام سلطة تمارس مهام السيادة على تلك الرقعة، وأن تكون القوات الثائرة خاضعة لنظام عسكري وتطبق القواعد المرعية في القانون الدولي.
قائمة بأشهر الحروب الاهلية في التاريخ :
حروب الأخوة بين الفونسو ملك ليون وسانشو ملك قشتالة1067-1072
الحرب الأهلية في النرويج 1130-1240
حرب الوردتين في إنجلترا 1455-1485
حرب أونين في اليابان 1467-1477
الحروب الدينية الفرنسية 1562-1598
الحرب الأهلية الأمريكية 1861-1865
الحرب الأهلية الروسية 1917 -1921
الحرب الأهلية في فلندا 1918
الحرب الأهلية الأيرلندية 1922-1923
الحرب الأهلية الصينية 1928-1937, 1945-1949
الحرب الأهلية الفيتنامية 1930-1975
الحرب الأهلية الإسبانية، 1936-1939
الحرب الأهلية اليونانية، 1946-1949
الحرب الأهلية البارجوية 1947
الحرب الأهلية في كوستاريكا, 1948
الحرب الأهلية الكورية، 1950-1953
الحرب الأهلية الإندونسية، 1965-1966
الحرب الأهلية النيجرية، 1967-1970
الحرب الأهلية الباكستانية، 1971
الحرب الأهلية اللبنانية، 1975 - 1990
الحرب الأهلية الموزمبيقية 1975-1992
الحرب الأهلية اليوغسلافية 1991- 2001
الحرب الأهلية الأفغانية 1992-2001
الحرب الأهلية الجزائرية، 1992-2002
حرب أيلول، 1970
الحرب الاهلية العراقية 2006-2008
الحرب الأهلية السورية 2011-....
الفرق بين الاقتتال الداخلي وأشكال العنف الأخرى
يميز الباحثون في العلوم السياسية بين عدة صور للعنف الداخلي، فليس كل اضطراب حرباً أهلية. فالشغب والاحتجاجات العنيفة تكون عادة محدودة في الزمان والمكان ولا تقوم على تنظيم عسكري، والانقلاب العسكري هو استيلاء مجموعة من داخل الجيش أو السلطة على الحكم في وقت قصير، أما التمرد فقد يكون محلياً ومحدود الأهداف.
ويتسم هذا النوع من القتال في تعريفاتها الأكاديمية الشائعة بعدة عناصر: وجود أطراف منظمة مسلحة داخل الدولة الواحدة، أحدها في الغالب هو الحكومة، واستمرار القتال مدة طويلة نسبياً، وسقوط عدد كبير من الضحايا، وسعي كل طرف إلى السيطرة على الدولة أو على جزء من أراضيها. وتختلف المعايير الرقمية التي يعتمدها الباحثون في تصنيف النزاعات، ولذلك قد يُسمى النزاع الواحد بأسماء مختلفة في المراجع.
أسباب النزاعات الداخلية في الدراسات الحديثة
اهتمت الدراسات المعاصرة بالبحث عن الظروف التي تجعل بعض الدول أكثر عرضة للحروب الداخلية من غيرها، ومن العوامل التي يكثر ذكرها:
العوامل السياسية
- ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن بسط سلطتها وتقديم الخدمات.
- غياب قنوات سلمية للمشاركة السياسية وتداول السلطة.
- الإقصاء المنظم لفئات من المجتمع على أساس العرق أو الدين أو المنطقة.
العوامل الاقتصادية والاجتماعية
- الفقر الشديد والبطالة، خاصة بين الشباب.
- التفاوت الكبير في توزيع الثروة بين المناطق والفئات.
- التنافس على الموارد الطبيعية كالنفط والمعادن والأراضي الزراعية والمياه.
العوامل الخارجية
كثيراً ما تتحول النزاعات الداخلية إلى ساحة لصراعات إقليمية أو دولية، حين تدعم دول خارجية أطرافاً بعينها بالسلاح والمال، مما يطيل أمد القتال ويعقد الحلول. ويرى الباحثون أن هذه العوامل لا تعمل منفردة، بل تتفاعل فيما بينها، ويكون الشرارة حدث بعينه يفجر توترات متراكمة.
النزاعات الداخلية في القانون الدولي الإنساني
يسمي القانون الدولي هذا النوع من الحروب بالنزاعات المسلحة غير الدولية، وقد حرص واضعو اتفاقيات جنيف لعام 1949 على تضمينها مادة مشتركة هي المادة الثالثة، التي تلزم جميع الأطراف بحد أدنى من المعاملة الإنسانية لمن لا يشاركون في القتال أو كفوا عن المشاركة فيه، كالمدنيين والجرحى والأسرى. وتحظر هذه المادة القتل والتعذيب وأخذ الرهائن والمعاملة المهينة وإصدار الأحكام دون محاكمة عادلة.
ثم جاء البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 ليطور هذه الحماية ويوسعها في النزاعات التي تسيطر فيها جماعات مسلحة منظمة على جزء من الإقليم. وتؤدي اللجنة الدولية للصليب الأحمر دوراً معروفاً في التذكير بهذه القواعد وزيارة المحتجزين وتقديم المساعدة للضحايا.
مبادئ أساسية في حماية المدنيين
- التمييز: بين المقاتلين والمدنيين، وبين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية.
- التناسب: عدم شن هجوم يتوقع أن تكون أضراره المدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية.
- الاحتياط: اتخاذ التدابير الممكنة لتجنيب المدنيين آثار العمليات.
- الإنسانية: حظر المعاناة غير الضرورية ومعاملة الأسرى والجرحى بكرامة.
الآثار الإنسانية الممتدة
لا تنتهي الآثار بتوقف إطلاق النار، فهي تترك وراءها سلسلة طويلة من المشكلات:
- النزوح واللجوء: حين يضطر الملايين أحياناً إلى ترك بيوتهم داخل البلاد أو خارجها.
- تدمير البنية التحتية: كالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء.
- انقطاع التعليم: الذي قد يُضيع على جيل كامل فرصته في الدراسة.
- الآثار النفسية: كاضطراب ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب، خاصة لدى الأطفال.
- الألغام والذخائر غير المنفجرة: التي تظل تقتل وتصيب الناس بعد انتهاء القتال بسنوات.
- هجرة الكفاءات: مما يضعف قدرة البلاد على إعادة البناء.
كيف تنتهي الحروب الأهلية؟
تنتهي النزاعات الداخلية عادة بإحدى طرق ثلاث: انتصار عسكري لأحد الأطراف، أو اتفاق سلام تفاوضي، أو تجميد للصراع دون حل نهائي. ويحرص الوسطاء الدوليون والإقليميون على تشجيع الحلول التفاوضية التي تشمل عادة وقفاً لإطلاق النار، وترتيبات لتقاسم السلطة، وبرامج لنزع سلاح المقاتلين ودمجهم في الحياة المدنية.
المصالحة والعدالة الانتقالية
طورت المجتمعات الخارجة من النزاعات أدوات تُعرف بالعدالة الانتقالية، تشمل لجان الحقيقة التي توثق ما جرى، وبرامج جبر الضرر للضحايا، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية، وتخليد ذكرى الضحايا. والهدف منها الموازنة بين محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وبين بناء سلام دائم يسمح لأبناء الوطن بالعيش معاً من جديد.
دور المجتمع المدني والإعلام
لا يقتصر صنع السلام على الحكومات والقادة العسكريين، فمنظمات المجتمع المدني والهيئات الدينية والنقابات والجامعات تؤدي في كثير من التجارب دوراً مهماً في تخفيف الاحتقان وفتح قنوات التواصل بين المتخاصمين. فقد تتولى هذه الجهات توزيع المساعدات بحياد، ورعاية المبادرات المحلية لتبادل المحتجزين، وتنظيم لقاءات بين وجهاء المناطق المتنازعة، وتقديم الدعم النفسي للمتضررين.
أما الإعلام فيمكن أن يكون أداة لتأجيج الكراهية أو وسيلة لنشر ثقافة التعايش، ولذلك تؤكد المنظمات المعنية بحرية الصحافة على أهمية التحقق من المعلومات، وتجنب خطاب التحريض، وإعطاء مساحة لأصوات الضحايا من جميع الأطراف. كما يحذر الباحثون من دور الشائعات والمعلومات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي، التي قد تؤجج الصراع في لحظات التوتر.
الوقاية المبكرة
تشير أدبيات بناء السلام إلى أن منع اندلاع القتال أقل كلفة بكثير من إنهائه، وتشمل الوقاية: الحكم الرشيد، ومكافحة الفساد، والتنمية المتوازنة بين المناطق، وضمان حقوق الأقليات، وإنشاء آليات للإنذار المبكر ترصد مؤشرات التوتر قبل تحولها إلى عنف.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الحرب الأهلية والثورة؟
الثورة تغيير جذري في نظام الحكم قد يكون سلمياً أو عنيفاً، أما الاقتتال الأهلي فهو نزاع مسلح طويل بين أطراف داخلية، وقد تتحول بعض الثورات إلى حروب أهلية إذا انقسم المجتمع وتسلحت أطرافه.
هل يطبق القانون الدولي على الجماعات المسلحة غير الحكومية؟
نعم، فالمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف تخاطب جميع أطراف النزاع غير الدولي، بما فيها الجماعات المسلحة المنظمة.
لماذا تطول بعض الحروب الأهلية؟
من أسباب ذلك التدخل الخارجي، ووجود موارد تمول القتال، وصعوبة الثقة بين الأطراف، وخوف كل طرف من الانتقام إذا ألقى سلاحه.
خلاصة
الاقتتال الأهلي نزاع مسلح داخلي تتداخل في نشوئه عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وخارجية، وتترك آثاراً إنسانية عميقة تمتد أجيالاً. وقد وضع القانون الدولي الإنساني قواعد لحماية المدنيين فيها، بينما طورت المجتمعات أدوات للتفاوض والمصالحة والعدالة الانتقالية، ويبقى الحوار والإصلاح السياسي المبكر أنجع وسيلة لتجنبها من الأساس.
.png)