حقوق الإنسان: تعريفها وشمولها لجميع البشر دون تمييز

تقوم فكرة الحقوق الأساسية للبشر على مبدأ بسيط وعميق في آن واحد: أن لكل إنسان كرامة أصيلة لمجرد كونه إنساناً، وأن هذه الكرامة تستلزم حقوقاً لا يجوز انتقاصها بسبب الجنس أو اللون أو الدين أو الأصل أو أي صفة أخرى. وقد تطور هذا المفهوم عبر قرون من الفكر الفلسفي والديني والنضال الإنساني حتى صار جزءاً من القانون الدولي المعاصر.

بعد عرض التعريفات المتعددة التي جمعها المقال، نتناول أبرز المواثيق الدولية، وخصائص هذه الحقوق، وتصنيفها إلى أجيال، والآليات التي تراقب احترامها، وصلتها بالتراث العربي والإسلامي.

تعريفات حقوق الإنسان ومفهومها

حقوق الإنسان المتأصلة في جميع البشر دون تمييز
حقوق الإنسان حقوق متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر. إن لنا جميع الحق في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة وبدون تمييز. وجميع هذه الحقوق مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة.

وكثيرا ما يتم التعبير عن حقوق الإنسان العالمية، وتضمن، بواسطة القانون وفي شكل معاهدات، والقانون الدولي العرفي، ومبادئ عامة، أو بمصادر القانون الدولي الأخرى. ويرسي القانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات على الحكومات بالعمل بطرق معينة أو الامتناع عن أعمال معينة، من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات.

حقوق الإنسان، هي الحقوق والحريات المستحقة لكل شخص لمجرد كونه إنسانا. ويستند مفهوم حقوق الإنسان على الإقرار بما لجميع أفراد الأسرة البشرية من قيمة وكرامة أصيلة فيهم، فهم يستحقون التمتع بحريات أساسية معينة. وبإقرار هذه الحريات فإن المرء يستطيع أن يتمتع بالأمن والأمان، ويصبح قادراً على اتخاذ القرارات التي تنظم حياته.

حقوق الإنسان ليس لها تعريف محدد بل هناك العديد من التعاريف التي قد يختلف مفهومها من مجتمع إلى آخر أو من ثقافة إلى أخرى، لان مفهوم حقوق الإنسان أو نوع هذه الحقوق يرتبطان بالأساس بالتصور الذي نتصور به الإنسان، لذلك سوف نستعرض مجموعة من التعاريف لتحديد هذا المصطلح: يعرفها رينية كاسان وهو أحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنها (فرع خاص من الفروع الاجتماعية يختص بدراسة العلاقات بين الناس استناداً إلى كرامة الإنسان وتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن أنساني، ويرى البعض ان حقوق الإنسان (تمثل رزمة منطقية متضاربة من الحقوق والحقوق المدعاة)، أما كارل فاساك فيعرفها بانها (علم يهم كل شخص ولا سيما الإنسان العامل الذي يعيش في اطار دولة معينة، والذي إذا ما كان متهم بخرق القانون أو ضحية حالة حرب، يجب أن يستفيد من حماية القانون الوطني والدولي، وان تكون حقوقه وخاصة الحق في المساواة مطابقة لضرورات المحافظة على النظام العام)، في حين يراها الفرنسي ايف ماديو بأنها (دراسة الحقوق الشخصية المعرف بها وطنياً ودولياً والتي في ظل حضارة معينة تضمن الجمع بين تأكيد الكرامة الإنسانية وحمايتها من جهة والمحافظة على النظام العام من جهة أخرى). 

اما الفقيه الهنكاري (أيمرزابو) فيذهب إلى (ان حقوق الإنسان تشكل مزيجاً من القانون الدستوري والدولي مهمتها الدفاع بصورة مباشرة ومنظمة قانون عن حقوق الشخص الإنساني ضد انحرافات السلطة الواقعة في الأجهزة الدولية، وأن تنمو بصورة متوازنة معها الشروط الإنسانية للحياة والتنمية المتعددة الأبعاد للشخصية الإنسانية. وجميع التعريفات الآنفة الذكر تعكس وجهة نظر الكتاب الأجانب، أما فيما يخص الكتاب العرب فان محمد عبد الملك متوكل يعطي تعريفاً شاملا وواسعا إذ يعرفها بأنها(مجموعة الحقوق والمطالب الواجبة الوفاء لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييز بينهم)، أما رضوان زيادة فيذهب إلى القول بان حقوق الإنسان (هي الحقوق التي تكُفل للكائن البشري والمرتبطة بطبيعته كحقه في الحياة والمساواة وغير ذلك من الحقوق المتعلقة بذات الطبيعة البشرية التي ذكرتها المواثيق والإعلانات العالمية). ويرى الأستاذ باسيل يوسف ان حقوق الإنسان (تمثل تعبيراً عن تراكم الاتجاهات الفلسفية والعقائد والأديان عبر التاريخ لتجسد قيم إنسانية عليا تتناول الإنسان أينما وجد دون أي تمييز بين البشر لا سيما الحقوق الأساسية التي تمثل ديمومة وبقاء الإنسان وحريته). أما محمد المجذوب فيعرفها بانها (مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان واللصيقة بطبيعته والتي تظل موجودة وان لم يتم الاعتراف بها، بل أكثر من ذلك حتى ولو انتهكت من قبل سلطة ما). اما الأمم المتحدة فقد عرفت حقوق الإنسان بانها(ضمانات قانونية عالمية لحماية الأفراد والجماعات من اجراءات الحكومات التي تمس الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية، ويلزم قانون حقوق الإنسان الحكومات ببعض الأشياء ويمنعها من القيام باشياء أخرى)، أي ان رؤية المنظمة الدولية لحقوق الإنسان تقوم على أساس انها حقوق أصيلة في طبيعة الإنسان والتي بدونها لا يستطيع العيش كإنسان.

وتكفل القوانين وتضمن الأنظمة التشريعية في معظم بلاد العالم صيانة حقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأنظمة لا تكون، دائماً، فعالة، وتعجز معظمها عن إقرار بعض حقوق الإنسان. إلا أن المعايير العالمية تضمن إقرار هذه الحقوق عندما تعجز الحكومات عن حمايتها.

وكانت منظمة الأمم المتحدة التي تعمل للمحافظة على الأمن والسلام الدوليين قد سنت معظم القوانين الدولية التي تقر حقوق الإنسان وتكفل صيانتها. يذكر أن كافة دول العالم المستقلة تقريباً لها مقاعد بالأمم المتحدة.

تتواصل المجتمعات البشرية بعضها ببعض من خلال تفاعل الثقافات والتجارة ووسائل الإعلام كالصحف وشبكات الإنترنت والتلفاز. ويساعد هذا الاتصال الذي يعرف باسم العولمة على نشر الوعي بحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. وتقوم الأمم المتحدة وبعض المنظمات الأخرى بالكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، وتعمل على وقف هذه الانتهاكات.

المواثيق الدولية الأساسية

الإعلان العالمي

اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948، في أعقاب الحرب العالمية الثانية وما شهدته من فظائع. ويتضمن ديباجة وثلاثين مادة تتناول الحق في الحياة والحرية والأمان، والمساواة أمام القانون، وحظر التعذيب والرق، وحرية الفكر والدين والتعبير، والحق في العمل والتعليم والضمان الاجتماعي. ويُحتفل بتاريخ اعتماده سنوياً بوصفه يوماً عالمياً لهذه الحقوق.

العهدان الدوليان

في عام 1966 اعتُمد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهما معاهدتان ملزمتان للدول التي تصادق عليهما. ويشكل الإعلان والعهدان معاً ما يُعرف بالشرعة الدولية.

اتفاقيات متخصصة

تلت ذلك اتفاقيات تحمي فئات أو تتناول قضايا محددة، منها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

خصائص هذه الحقوق

  • العالمية: تثبت لكل البشر في كل مكان.
  • عدم القابلية للتصرف: لا يجوز نزعها إلا في ظروف محددة يقرها القانون وبضمانات، كتقييد الحرية بحكم قضائي عادل.
  • عدم التجزئة: لا يجوز احترام بعضها وإهدار بعضها الآخر.
  • الترابط: إعمال حق ما يسهّل إعمال غيره، فالتعليم مثلاً يعزز المشاركة السياسية.
  • المساواة وعدم التمييز: وهو مبدأ يسري على جميع الحقوق.

أجيال الحقوق

يُنسب إلى الفقيه كارل فاساك المذكور في المقال تقسيم الحقوق إلى ثلاثة أجيال، مستلهماً شعار الثورة الفرنسية:

  1. الجيل الأول: الحقوق المدنية والسياسية، كحرية التعبير والمعتقد والحق في محاكمة عادلة والمشاركة في الحكم، وترتبط بفكرة الحرية.
  2. الجيل الثاني: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كالحق في العمل والسكن والصحة والتعليم، وترتبط بفكرة المساواة.
  3. الجيل الثالث: حقوق التضامن، كالحق في التنمية والسلام وبيئة سليمة، وترتبط بفكرة الإخاء.

ويرى بعض الباحثين أن هذا التقسيم تعليمي أكثر منه تاريخي، لأن الحقوق كلها مترابطة ولا يُفضل جيل منها على آخر.

الجذور الفكرية والتاريخية

لم تولد فكرة الحقوق الأساسية فجأة في القرن العشرين، بل تراكمت عبر تاريخ طويل. فقد عرفت الحضارات القديمة قوانين تنظم العلاقات وتحمي بعض الفئات، وجاءت الأديان السماوية بتعاليم تؤكد كرامة البشر وتحث على العدل والرحمة. وفي أوروبا الحديثة أسهمت وثائق مثل الماغنا كارتا الإنجليزية في تقييد سلطة الحاكم، ثم طرح فلاسفة عصر التنوير فكرة الحقوق الطبيعية، وانعكس ذلك في إعلانات صدرت عقب الثورتين الأمريكية والفرنسية. غير أن هذه الوثائق المبكرة لم تشمل الجميع، إذ استثنت كثيراً من الفئات، وهو ما جعل مبدأ العالمية الذي تبناه المجتمع الدولي بعد عام 1948 نقلة نوعية في هذا المسار.

آليات الحماية والرقابة

تعتمد حماية هذه الحقوق على مستويات متعددة؛ فعلى المستوى الوطني تأتي الدساتير والقوانين والمحاكم والمؤسسات الوطنية المستقلة المعنية بهذا الشأن. وعلى المستوى الدولي يوجد المجلس الأممي المختص بهذه الحقوق، والمفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة، واللجان التعاهدية التي تراقب تنفيذ كل اتفاقية، إضافة إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل التي تُراجع فيها أوضاع الدول. وعلى المستوى الإقليمي توجد منظومات أوروبية وأمريكية وأفريقية، وفي العالم العربي الميثاق العربي الصادر في هذا المجال عن جامعة الدول العربية.

الحقوق في التراث العربي والإسلامي

يشير كثير من الباحثين إلى أن التراث الإسلامي عرف معاني الكرامة الإنسانية وحفظ النفس والعقل والمال والعرض، وهي ما يسميه الأصوليون مقاصد الشريعة. كما صدر عن منظمة التعاون الإسلامي إعلان القاهرة الذي تناول هذه الحقوق من منظور إسلامي. ويدور نقاش فكري مستمر حول العلاقة بين المرجعية الدولية والخصوصيات الثقافية والدينية، وكيفية التوفيق بينهما.

أسئلة شائعة

هل الإعلان العالمي ملزم قانوناً؟

صدر الإعلان بوصفه قراراً غير ملزم بذاته، لكن كثيراً من مبادئه أصبحت جزءاً من المعاهدات الملزمة والقانون الدولي العرفي والدساتير الوطنية.

هل يجوز تقييد بعض الحقوق؟

تسمح المواثيق بتقييد بعض الحقوق بقانون ولأهداف مشروعة كحماية النظام العام، مع بقاء حقوق لا يجوز المساس بها مطلقاً كحظر التعذيب.

من المسؤول عن حماية هذه الحقوق؟

الدولة هي المسؤول الأول، ويشاركها المجتمع المدني والأفراد في التوعية والرصد والدفاع.

خلاصة

الحقوق الأساسية للبشر منظومة متكاملة تستند إلى الكرامة الإنسانية، وتطورت من أفكار فلسفية ودينية إلى إعلانات ومعاهدات وآليات رقابة دولية ووطنية. وفهم مصادرها وخصائصها وأجيالها خطوة أساسية لكل من يسعى إلى احترامها والدفاع عنها في مجتمعه.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !