سر ظهور غمازات الوجه: بين الوراثة والتشريح والجمال
تُعد الغمازات صفة من صفات الجمال المحببة للمرأة والرجل على حد سواء، ولا يمتلكها الكثيرون مما يضفي عليها طابعا من التميّز والجاذبية. تظهر الغمازات عند الابتسامة على جانبي الوجه ومن الممكن أن تكون موجودة بشكل دائم في بعض الحالات النادرة. لكن ما سر امتلاك البعض لهذه الغمازات وعدم امتلاك البعض الآخر لها؟ في هذا المقال نكشف الستار عن هذا السر من زوايا وراثية وتشريحية وثقافية متعددة.
الغمازات والوراثة: صفة مهيمنة في الجينات
تعتبر الغمازات صفة وراثية مهيمنة وهذا يعني أن جينا واحدا سائدا يكفي لظهورها في الوجه. إذا كان أحد الوالدين يمتلك غمازات فمن المرجح أن يرثها أحد الأبناء على الأقل. وإذا كان الوالدان معا يمتلكان الغمازات فإن احتمال ظهورها في الأبناء يزداد بشكل كبير. لكن وراثة الغمازات ليست قاعدة صارمة إذ يمكن أن تنتقل الجينات بطرق معقدة تجعل الغمازات تظهر في جيل وتغيب في الجيل الذي يليه ثم تعود في جيل لاحق. هذا التنوع يعود إلى تعدد الجينات المسؤولة عن تشكيل عضلات الوجه وتركيبها، إضافة إلى عوامل بيئية تؤثر في نمو العضلات والأنسجة خلال مراحل التطور الجنيني.
من اللافت أن الغمازات لا تورّث بالضرورة في الموضع ذاته، فقد يمتلك الأب غمازة في خده الأيمن بينما يظهر لدى ابنه غمازتان في الخدين معا. هذا التباين يفسّره التباين في التعبير الجيني فالصفة الوراثية الواحدة قد تتجلى بصور مختلفة بين الأفراد.
التفسير التشريحي لظهور الغمازات
من الناحية التشريحية تظهر الغمازات بسبب اختلاف في تركيب العضلة الوجهية المعروفة بالعضلة الوجنية الكبرى zygomaticus major. هذه العضلة تمتد من عظم الوجنة إلى زاوية الفم وهي المسؤولة عن رفع زوايا الفم أثناء الابتسامة. في الأشخاص الذين لا يمتلكون غمازات تكون هذه العضلة كاملة ومتصلة بدون أي انقسام، أما فيمن يمتلك غمازات فتكون العضلة منقسمة إلى حزمتين أو أكثر مما يخلق نقطة ارتكاز غير متماثلة تسحب الجلد عند الانقباض فيبرز الانبعاج الذي نعرفه بالغمازة.
وهنا يجب التمييز بين نوعين من الغمازات:
- غمازات هيكلية: ناتجة عن انقسام فعلي في العضلة الوجنية الكبرى وهي غمازات دائمة تظهر حتى دون ابتسامة في الحالات الشديدة
- غمازات وظيفية: تظهر فقط عند انقباض العضلة أثناء الابتسامة وتختفي عند السكون وهى النوع الأكثر شيوعا
أماكن ظهور الغمازات وأنواعها
غمازات الخدين
أكثر الناس الذين يملكون غمازات يملكونها على الخدين وهو الموضع الأكثر شيوعا والاكثر ارتباطا بمفهوم الجمال في الثقافات المختلفة. يمكن أن تكون الغمازتان في كلا الخدين أو في خد واحد فقط. وتعد الغمازة على جهة واحدة من الوجه نادرة نسبيا لكنها ليست غير معهودة وتضفي على الوجه ملمسا من التفرد والتميز.
غمازة الذقن
بعض النساء والرجال يمتلكون غمازة على الذقن أو كما تعرف بالذقن المرصوع وهي مشابهة لغمازات الخد من حيث المبدأ الوراثي لكنها مختلفة تشريحيا. غمازة الذقن ناتجة عن انشطار في عضلة الذقن أو وجود فراغ في نسيجها الدهني فوق عظم الفك السفلي. تعد غمازة الذقن أيضا موروثة مع درجة مختلفة من الأهمية والوضوح من شخص لآخر.
في بعض الحالات يمكن أن يصل الانبعاج عميقا بما فيه الكفاية للوصول إلى عظم الفك الأسفل. ومن المحتمل أن يسبب هذا الانبعاج انشطارا بين الجهة اليمنى واليسرى من الفك الأسفل أثناء التطور الجيني في مرحلة النمو الجنيني. كل فرد منا لديه ترويض طبيعي بسيط في ذقنه ناتج عن التقاء نصفي الفك أثناء التطور لكن في الأشخاص ذوي الغمازة يكون هذا الترويض أعمق وأكثر وضوحا.
غمازات أخرى أقل شيوعا
إضافة إلى الخدين والذقن هناك مواضع أخرى قد تظهر فيها غمازات وإن كانت نادرة:
- غمازات على جانبي الفم أسفل الخدين مباشرة وتُعرف بالغمازات الشفوية
- غمازات على الظهر أو الكتف أو الأطراف وهي ناتجة عن عيوب خلقية بسيطة في الأنسجة تحت الجلد
لماذا يملك الناس غمازات وجهية؟
ببساطة لأن بعض الناس لديهم عضلات أقصر من المعتاد. تسحب هذه العضلات الجلد عندما يبتسم الشخص مما يبرز الانبعاج أو الغمازة الكلاسيكية. في أكثر الحالات لا تظهر الغمازات حتى يبتسم الشخص لأن العضلة تكون في حالة ارتخاء حين يكون الوجه ساكنا فلا يحدث أي شد على الجلد. لحظة الابتسام تنقبض العضلة الوجنية الكبرى فتشد الجلد باتجاه عظم الوجنة وبسبب قصر العضلة أو انقسامها ينكمش الجلد مكونا ذلك التثني المحبب.
لماذا تختفي الغمازات مع التقدم في العمر؟
غالبا ما تظهر للأطفال الرضع غمازات واضحة لكنها تصبح أقل وضوحا مع التقدم في العمر بسبب تمدد العضلات وتغير بنية الوجه. يفسر ذلك بعدة عوامل:
- العضلات تزداد طولا ومرونة مع النمو فتصبح قادر على الشد بشكل أقل حدة
- الدهون تحت الجلد تقل في منطقة الخدين مع التقدم في السن مما يغير ملمس الجلد وطريقة استجابته لانقباض العضلات
- الجلد يفقد مرونته بمرور الوقت بسبب نقص الكولاجين والإلاستين فيقل تاثير الشد العضلي عليه
- بعض الأطفال يفقدون غمازاتهم في سن مبكرة بينما يحتفظ آخرون بها طوال حياتهم والفرق يعود إلى عمق الانقسام العضلي والتركيب التشريحي لكل فرد
لهذا السبب نجد أن الغمازات أكثر شيوعا ووضوحا عند الأطفال والشباب وتبدأ بالتلاشي تدريجيا مع حلول منتصف العمر وتجاوزه.
الغمازات في الثقافات المختلفة
تحظى الغمازات بتقدير خاص في ثقافات متعددة حول العالم. في المجتمعات العربية تُعد الغمازات علامة على الحسن والجمال وتُشيد في الشعر والأغاني منذ القدم. في الثقافة الآسيوية وخاصة الصينية وكورية ترتبط الغمازات بالحظ السعيد والجاذبية الطبيعية حتى أن بعض الناس يلجؤون إلى إحداث غمازات اصطناعية لاعتقادهم بأنها تجلب البركة. أما في المجتمعات الغربية فتُصنف الغمازات كصفة جذابة ومرغوبة وترتبط بالابتسامة المشرقة والشخصية الودودة.
من الطريف أن بعض الثقافات الإفريقية كانت تربط الغمازات بصفات روحية معينة كالكرمة والطيبة وهو ارتباط يرجع إلى أن الغمازات تظهر عند الابتسام مما يوحي بالمرح والانسجام الاجتماعي.
هل يمكن إحداث غمازات بشكل اصطناعي؟
مع تزايد الإقبال على الغمازات كصفة جمالية ظهرت إجراءات طبية تُعرف بجراحة الغمازات أو الغمازات الاصطناعية. يتم هذا الإجراء عادة بتخدير موضعي وخلق ثقب صغير في الخد من الداخل ثم خياطة العضلة الوجنية الكبرى مع الجلد لإنشاء نقطة التصاق تحاكي الانقسام الطبيعي. النتيجة غمازة تظهر عند الابتسام وقد تكون دائمة في بعض التقنيات.
لكن هذا الإجراء يحمل مخاطر مثل أي تدخل جراحي آخر:
- احتمال عدم تناسق الغمازتين إذا أُجريتا في كلا الخدين
- ظهور الغمازة بشكل مبالغ فيه أو في موضع غير مناسب
- مضاعفات كالتهاب أو النزيف أو تلف الأعصاب الوجهية
- صعوبة إلغاء الغمازة إذا لم يرضَ الشخص عن النتيجة
لذلك يُنصح بالتفكير الطويل قبل اللجوء إلى هذا الإجراء والاستعانة بطبيب متمرس في جراحة الوجه والتجميل لتقليل المخاطر قدر الإمكان.
الغمازات وعلم الفراسة
في علم الفراسة أو قراءة الوجه الذي انتشر في ثقافات شرق آسيوية قديمة ترتبط الغمازات بالصفات الشخصية. بحسب هذه القراءات فإن أصحاب الغمازات يُوصفون بأنهم أشخاص مرحون اجتماعيون يجذبون الآخرين بسهولة ويتمتعون بذاكرة عاطفية قوية. لكن هذه التفسيرات لا تستند إلى أساس علمي موثوق ويجب التعامل معها كجزء من التراث الثقافي لا كحقائق ثابتة. فالغمازات في نهاية التحليل صفة تشريحية ووراثية بحتة لا علاقة لها بشخصية الإنسان أو سلوكه.
معلومات طبية حول الغمازات
من الناحية الطبية لا تشكل الغمازات أي مشكلة صحية ولا تتطلب أي علاج. هي مجرد تباين تشريحي طبيعي في عضلات الوجه تماما كاختلاف لون العينين أو شكل الأنف. لكن في حالات نادرة جدا قد ترتبط غمازة الذقن العميقة بمتلازمات جينية معينة تتضمن تشوهات في الفك السفلي وهذه الحالات تستلزم تقييما طبيا شاملا لا سيما عند الأطفال حديثي الولادة.
أما بالنسبة لمن يرغب في التخلص من غمازاته فالأمر ممكن جراحيا من خلال فك الالتصاق بين العضلة والجلد لكن هذا الإجراء نادر المطلب لأن أغلب من يمتلكون غمازات يعتبرونها نعمة وليست مشكلة.
الخلاصة
الغمازات سر جمالي ليس بالمعقد بل يعود إلى تباين بسيط في تركيب العضلة الوجنية الكبرى وهي العضلة المسؤولة عن رفع زوايا الفم عند الابتسام. هذا التباين موروث كصفة وراثية مهيمنة قد تظهر في جيل وتغيب في آخر لكنها تظل صفة محبوبة ومرغوبة في معظم الثقافات. تظهر الغمازات على الخدين غالبا وقد تزول أو تختفي مع التقدم في السن بسبب تمدد العضلات وتغير بنية الجلد والدهون. وبغض النظر عن التفسيرات الثقافية والفراسية فإن الغمازات في جوهرها تباين تشريحي طبيعي يمنح الوجه لمسة من الجاذبية والتميز لا يملكها إلا المحظوظون.
.png)
.jpg)