يُعد الشهيد فراس العجلوني واحدًا من أبرز الأسماء في تاريخ سلاح الجو الملكي الأردني، إذ ارتبط اسمه بالشجاعة والإقدام في المعارك الجوية التي خاضها الطيارون الأردنيون في ستينيات القرن العشرين، وما زالت ذكراه حاضرة في الوجدان الأردني والعربي عبر الشوارع والمدارس التي تحمل اسمه.
نعرض في هذا المقال سيرته كما رويت، ثم نتناول السياق التاريخي لحرب حزيران، ونبذة عن طائرة هوكر هنتر التي قادها، ومكانة الطيارين الأوائل في الذاكرة الوطنية.
سيرة البطل ومسيرته العسكرية
.jpg)
السياق التاريخي لحرب حزيران 1967
اندلعت حرب حزيران في الخامس من يونيو سنة 1967، وتعرف في الأدبيات العربية أيضًا بالنكسة وبحرب الأيام الستة. بدأت بضربات جوية واسعة استهدفت المطارات العسكرية في الدول العربية المجاورة، وكان الهدف منها شل القدرات الجوية العربية في الساعات الأولى. وقد شاركت القوات الأردنية في القتال على جبهة الضفة الغربية والقدس، وانتهت الحرب باحتلال الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وسيناء والجولان.
في هذا الإطار جاءت مشاركة الطيارين الأردنيين، الذين نفذوا طلعات هجومية رغم الفارق الكبير في العدد والتجهيز، وتعرضت قواعدهم بعد ذلك لهجمات مركزة دمرت معظم الطائرات على الأرض، وهو ما يفسر الطريقة التي استشهد بها البطل وهو يستعد للإقلاع مجددًا.
معارك ما قبل الحرب
سبقت الحرب الكبرى اشتباكات جوية وبرية متفرقة على خطوط الهدنة، أبرزها ما جرى في منطقة الخليل وقرية السموع سنة 1966، وقد تركت تلك الأحداث أثرًا عميقًا في نفوس الطيارين الشباب الذين فقدوا رفاقًا لهم، وزادت من إصرارهم على أداء واجبهم.
طائرة هوكر هنتر في سلاح الجو الأردني
هوكر هنتر مقاتلة نفاثة بريطانية الصنع دون سرعة الصوت، طورتها شركة هوكر في خمسينيات القرن الماضي، واستخدمتها قوات جوية عديدة حول العالم، ومنها سلاح الجو الملكي الأردني الذي اعتمد عليها في الستينيات. تميزت بقدرتها على المناورة وسهولة التحكم بها، وكانت مزودة بمدافع رشاشة وقادرة على حمل صواريخ وقنابل للهجوم الأرضي.
التفوق بالمهارة لا بالعتاد
كانت الطائرات التي واجهها الطيارون الأردنيون من أحدث ما أنتجته الصناعة الفرنسية آنذاك، وتتمتع بقدرة على الطيران بسرعة تفوق سرعة الصوت. ولهذا كان نجاح طياري الهنتر في بعض الاشتباكات دليلًا على أن التدريب الجيد والشجاعة يمكن أن يعوضا جزءًا من الفارق التقني، وهو ما جعل أسماء مثل العجلوني مثالًا يحتذى في الأكاديميات العسكرية.
نشأة سلاح الجو الملكي الأردني
بدأ الطيران العسكري في الأردن بشكل متواضع في أواخر الأربعينيات، ثم تطور تدريجيًا حتى أصبح سلاحًا مستقلًا يحمل اسم سلاح الجو الملكي الأردني. واعتمد في مراحله الأولى على التدريب في بريطانيا وعلى طائرات بريطانية الصنع، وكان لجيل الطيارين الأوائل دور كبير في تأسيس تقاليده المهنية. وقد أولى الملك الحسين بن طلال، وهو نفسه طيار متمرس، اهتمامًا خاصًا بهذا السلاح ورجاله، وكان يتابع تدريباتهم ويشاركهم أحيانًا في الطيران.
وتُعد قاعدة المفرق الجوية، المعروفة اليوم بقاعدة الملك الحسين الجوية، من أقدم القواعد وأهمها في المملكة، ومنها انطلقت طلعات حزيران.
الشهيد في الذاكرة الوطنية
يحرص الأردنيون على تخليد ذكرى شهدائهم في الحياة اليومية، فتُطلق أسماؤهم على الشوارع والميادين والمدارس، وتُدرَّس سيرهم للطلبة، وتُستعاد قصصهم في المناسبات الوطنية مثل ذكرى معركة الكرامة وعيد الجيش. وتؤدي هذه الممارسات وظيفة تربوية مهمة، إذ تربط الأجيال الجديدة بتاريخها وتقدم لها نماذج في التضحية والانتماء.
رفاق السلاح
لم يكن البطل وحيدًا في مسيرته، بل ينتمي إلى جيل من الطيارين الذين قدموا أرواحهم في تلك المرحلة، ومنهم من ورد ذكرهم في سيرته مثل موفق السلطي وبدر الدين ظاظا. وتجمع سيرهم خصائص مشتركة: شباب في مقتبل العمر، وتدريب شاق، وإيمان عميق بالواجب، واستعداد للتضحية رغم إدراكهم صعوبة المواجهة.
ويُلاحظ أن الكتابة عن هؤلاء الأبطال للأطفال، كما في الكتاب الذي صدر عن البطل، تعد وسيلة فعالة لغرس قيم الانتماء منذ الصغر، إذ تقدم البطولة في صورة قصة قريبة من خيال الطفل، بعيدًا عن لغة التقارير العسكرية الجافة، وتفتح له بابًا للسؤال عن تاريخ وطنه ورجاله.
القيم المستفادة من سيرته
- الإخلاص في العمل والسعي إلى التميز المهني.
- الوفاء للزملاء والأصدقاء حتى بعد رحيلهم.
- الشجاعة في أداء الواجب في أصعب الظروف.
- التواضع رغم التكريم والإشادة.
دور الطيارين في حروب المنطقة
شكّل سلاح الطيران عاملًا حاسمًا في الحروب الحديثة منذ الحرب العالمية الثانية، فالسيطرة على الأجواء تمنح القوات البرية حماية وتسمح بضرب خطوط الإمداد ومراكز القيادة. ولهذا حرصت الجيوش العربية في الخمسينيات والستينيات على إعداد جيل من الطيارين المؤهلين، فأرسلت كثيرًا منهم إلى دورات في بريطانيا والاتحاد السوفييتي وغيرهما. وكان إعداد الطيار المقاتل عملية طويلة ومكلفة تبدأ بالطيران الأساسي على طائرات التدريب المروحية والنفاثة الخفيفة، ثم الانتقال إلى المقاتلات، والتدرب على القتال الجوي القريب والهجوم الأرضي والطيران التشكيلي.
وتعني هذه المسيرة أن خسارة طيار واحد كانت خسارة كبيرة يصعب تعويضها سريعًا، وهو ما يضاعف من قيمة التضحيات التي قدمها أولئك الشباب. كما أن الطيار المقاتل في تلك الحقبة كان يعتمد على مهارته الفردية ونظره بدرجة كبيرة، قبل أن تنتشر أنظمة الرادار المحمولة والصواريخ الموجهة بعيدة المدى، فكانت المعارك الجوية أقرب إلى المبارزة التي يحسمها التدريب وسرعة البديهة.
التكريم العسكري
تمنح الجيوش أوسمة وميداليات لمن يبدون شجاعة استثنائية في الميدان، ويُعد وسام الإقدام العسكري من أرفع الأوسمة الأردنية المرتبطة بالقتال، ونيله يعكس تقديرًا رسميًا لأداء استثنائي في مواجهة العدو، وقد ناله البطل مع زميله بعد معركة الخليل الجوية.
أسئلة شائعة
ما نوع الطائرة التي كان يقودها فراس العجلوني؟
كان قائد سرب من طائرات هوكر هنتر البريطانية، وهي مقاتلة نفاثة استخدمها سلاح الجو الأردني في تلك الحقبة.
من أي قاعدة انطلقت طلعاته في حرب حزيران؟
انطلق مع زملائه من قاعدة المفرق الجوية في شمال الأردن، وهي القاعدة التي تحمل اليوم اسم الملك الحسين.
كيف خُلدت ذكراه؟
أطلق اسمه على شارع في إربد وميدان ومدرسة في عمان، كما صدر عنه كتاب موجه للأطفال، إضافة إلى حضوره في الكتب والمقالات التي تؤرخ لسلاح الجو الأردني.
خلاصة
تمثل سيرة الطيار فراس العجلوني صفحة مشرقة من تاريخ الجيش العربي الأردني، فهي تجمع بين الكفاءة المهنية والشجاعة والوفاء. ومعرفة السياق الذي عاش فيه، من نشأة سلاح الجو إلى أحداث حزيران، تمنح القارئ فهمًا أعمق لقيمة تضحيته ولماذا بقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الوطنية حتى اليوم.
.png)