نافورات البحر المزقيبات كائنات بحرية مدهشة
البحر هو أكثر الأماكن المليء بالكائنات التي أغلبنا يسمع عنها للمرة الأولى، ومن هذه الكائنات نقدم لكم نافورات البحر أو المزقيبات المدهشة. تُعرف هذه الكائنات البحرية بأسماء متعددة في اللغة العربية فتُسمى نافورات البحر كما تُعرف بالمزقيبات أو الزقيات وتنتمي إلى مجموعة متنوعة من اللافقاريات البحرية التي تعيش في مستعمرات وتتغذى بترشيح المياه. وسنتعرّف في هذا المقال على أبرز صفاتها وأهم الاكتشافات العلمية المتعلقة بها.
.jpg)
اكتشاف القلب النابض في المزقيبات
اكتشف العلماء أن نافورات البحر أو المزقيبات لها قلب يدق، وقد اكتشف فريق دولي من العلماء إن قلبها ينتظم في ضربات قلبية ويتكون من خلايا مماثلة لتلك التي في قلب الإنسان. وهذا الاكتشاف لفت انتباه المجتمع العلمي بأكمله لأنه يربط بين كائنات بحرية بسيطة التركيب والقلب البشري المعقد.
بحث هيلباخ من معهد ماكس بلانك
أضاف فريق البحث بقيادة أنيت هيلباخ من معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية في ألمانيا اكتشافاً مهماً حول آلية عمل قلب هذه الكائنات. درست هيلباش وزملاؤها نوعاً محدداً من المزقيبات المستعمرة يعرف بالاسم العلمي بوتيريلوس شلوسيري وهو من الزقيات الاستعمارية التي تعيش في مجموعات على الأسطح الصلبة في البحار. ويبلغ حجم الفرد الواحد منها ما بين نصف سنتيمتر وسنتيمتر واحد وتتجمع هذه الأفراد لتشكل أنظماً تشبه الأزهار أو النجوم تتكوّن بدورها من مستعمرات أكبر.
يملك كل فرد من هذه المزقيبات خلايا عصبية وأمعاءً وقلباً أنبوبياً بسيطاً. وهذا القلب الأنبوبي ينقبض من أحد أطرافه ويمتد الانقباض على طول الأنبوب حتى الطرف الآخر ثم يتوقف لفترة قصيرة وبعدها يبدأ النبض في الاتجاه المعاكس. وهذه الظاهرة التي ينعكس فيها اتجاه ضربات القلب تعد من الخصائص الفريدة لهذه الكائنات ولم تُلاحظ بهذا الشكل في كائنات أخرى كثيرة.
قنوات الهيم الفريدة المشتركة مع القلب البشري
في القلب البشري تحافظ خلايا منظم ضربات القلب على إيقاع النبض عبر توليد إشارة كهربائية تخبر خلايا العضلة القلبية بالانقباض. وتعتمد هذه الآلية على قنوات أيونية تُسمى قنوات الهيم المفرزة الاستقطاب الدوري المبوّبة وهي القنوات المسؤولة عن تنظيم ضربات القلب عند الثدييات. عندما يصبح الشحن الكهربائي داخل خلية منظم الضربات سالباً بشكل كبير مقارنة بمحيطها تفتح هذه القنوات لتسمح بدخول أيونات موجبة مما يولّد إشارة كهربائية تنتشر إلى خلايا العضلة الأخرى لتأمرها بالانقباض.
وجد فريق هيلباخ أن المزقيبات المستعمرة تحتوي على الجين المسؤول عن هذه القنوات الأيونية نفسها الموجودة في القلب البشري. وعندما أصبغ الباحثون هذه القنوات بصبغة فلورية اكتشفوا أنها موزعة على طول القلب الأنبوبي بالكامل وليست مركزة في أحد أطرافه كما كانوا يتوقعون. كما أن تعريض هذه الكائنات لأدوية تؤثر على قنوات الهيم في القلب البشري مثل سيكلوبيرادين وزاتيبرادين أدى إلى انخفاض معدل ضربات قلبها تماماً كما يحدث عند الإنسان. وهذا يؤكد أن خلايا منظم ضربات القلب المبطنة بقنوات الهيم تتحكم في نبض قلب المزقيبات أيضاً.
طبيعة المستعمرات في المزقيبات
تنقسم النافورة الواحدة أو المزقية الواحدة إلى عدة شعب أو أنابيب وكل شعبة منها تحتوي على قلب خاص بها. ويتوقف هذا القلب لفترة قصيرة ثم يبدأ بعد ذلك نبض القلب في الاتجاه الآخر. ومن الممكن أن تتواجد مستعمرة من نافورات البحر أو المزقيبات مع بتلات حول أفواههم وتمتص بها الطعام عن طريق الفم. هذه البتلات أو الأذرع الغذائية تحمل خلايا لاسعة تساعد في اصطياد العوالق والجسيمات العالقة في الماء.

نافورات البحر كائنات مستعمرة فريدة
نافورات البحر التي تُعرف علمياً باسم رتبة البيناتولاسيا هي كائنات بحرية من شعبة اللاسعات تنتمي إلى طائفة المرجانيات الثمانية وتتميز بأنها كائنات مستعمرة ترتبط بقاع البحر. تتألف المستعمرة من عدد كبير من البوليبات الصغيرة التي تبدو كأنها شقائق بحر صغيرة ولكل بوليب ثمانية لوامس. وتتخصص هذه البوليبات في وظائف مختلفة داخل المستعمرة فبعضها يشكل الساق المركزية الصلبة وبعضها يتولى التغذية وبعضها الآخر مسؤول عن التكاثر.
تثبّت نافورات البحر نفسها في القاع الرملي أو الطيني باستخدام ساق bulbous تشبه الجذر تُعرف بالسويقة وتتجه بصورة أعلى في مواجهة تيارات الماء لضمان تدفق مستمر من العوالق التي تتغذى عليها. وبالرغم من أنها كائنات لاطئة إلا أنها قادرة على الانتقال وإعادة تثبيت نفسها إذا لزم الأمر. كما أنها قد تُفرغ الماء من أجسادها بسرعة عند تعرضها للخطر وتتقلص وتختبئ داخل سويقتها.
التوزيع الجغرافي والأعماق
تنتشر نافورات البحر في جميع محيطات العالم من المياه الاستوائية الدافئة إلى المياه المعتدلة والباردة. وتوجد في أعماق تتراوح بين المنطقة بين المدية وعمق يتجاوز ستة آلاف متر تحت سطح البحر. ويفضل معظمها المياه الأعمق حيث تكون التيارات المائية أقل عنفاً ولا تقتلعها من مكانها. وبعض الأنواع مثل نافورة البحر الطويلة قد يصل ارتفاعها إلى مترين فوق قاع البحر.
الإضاءة الحيوية في نافورات البحر
من أبرز الظواهر المدهشة في نافورات البحر قدرتها على الإضاءة الحيوية فعندما تُلمس أو تُزعج تُصدر بعض أنواعها ضوءاً أخضر مزرقاً ساطعاً. وقد أظهرت دراسات أُجريت على ثلاثة أنواع من نافورات البحر في البحر الأبيض المتوسط وهي بناتولا روبرا وبترويديس غريسيوم وفيرتيليوم سينوموريوم أن هذه الإضاءة تحدث استجابة للتحفيز الميكانيكي أي اللمس أو الاهتزاز.
وكشفت أبحاث حديثة نُشرت عام 2025 عن آليات الإضاءة الحيوية في ثلاثة أنواع من نافورات البحر من أعماق البحار أن هذه الظاهرة قد تمنح هذه الكائنات ميزة بقاء في ظلام الأعماق حيث تساعد الإضاءة في إرباك المفترسات أو جذب فرائس أو حتى في عمليات التكاثر. وتنتج الإضاءة عبر تفاعلات كيميائية داخل خلايا متخصصة تستخدم مادة اللوسيفرين وأنزيما اللوسيفيراز.
المفترسات والدفاع
تتعرض نافورات البحر للافتراس بشكل رئيسي من قبل البزاقات عارية الخياشيم ونجمات البحر التي تتغذى حصرياً على بعض أنواعها. ولتخفيف خطر الافتراس تعتمد نافورات البحر على استراتيجيات دفاعية متعددة أبرزها تجمعها في مجموعات متباعدة مكانياً مما يجعل من الصعب على نجمات البحر تحديد مواقعها والوصول إليها بسهولة. كما أنها تستخدم الإضاءة الحيوية والانكماش السريع كوسائل دفاعية إضافية.
وتُشكل نافورات البحر بيئة مأوى مهمة لكائنات أخرى فقد أظهرت الدراسات أن أسماك الصغار تلتجئ إلى مستعمرات نافورات البحر للحماية من المفترسات. كما أن حلقات النمو في ساق بعض الأنواع تشير إلى أنها قد تعيش لمئة عام أو أكثر إذا كانت هذه الحلقات بالفعل سنوية.
الأهمية العلمية والتطورية
رابط تطوري مع القلب البشري
يُعدّ اكتشاف قنوات الهيم في قلب المزقيبات دليلاً على أن الآلية الأساسية لتنظيم ضربات القلب ظهرت منذ ملايين السنين في كائنات بسيطة وتطورت بمرور الزمن لتصبح أكثر تعقيداً في الفقاريات والثدييات بما فيها الإنسان. هذا يعني أن دراسة قلب هذه الكائنات البحرية قد تساعد العلماء على فهم أفضل لتطور هذا العضو الحيوي وكيف يعمل في الحيوانات الأخرى بما في ذلك البشر.
والمزقيبات أو الزقيات تُعتبر من أقرب اللافقاريات إلى الإنسان في شجرة الحياة لأنها تمتلك في مرحلتها اليرقية حبلاً ظهرياً بدائياً يشبه الحبل الظهري في الفقاريات. وهذا يجعلها نموذجاً علمياً قيماً لدراسة التطور والبيولوجيا المقارنة بين اللافقاريات والفقاريات.
سجل أحفوري عريق
تمتلك نافورات البحر تاريخاً تطورياً طويلاً يمتد إلى العصر الكامبري قبل أكثر من خمسمئة مليون سنة. وأقدم الأحافير المعروفة لهذه الكائنات وُجدت في صخور شيل برجس في كندا ومنها جنس ثاوماتبيلون. وهناك أيضاً أحافير من العصر الإدياكاري قد تمثل بدايات نافورات البحر وإن كان العلماء لم يحسموا أمرها بعد. يُقدّر عدد الأنواع الموجودة اليوم بنحو 235 نوعاً موزعة على 44 جنساً و16 فصيلة.
العناية بنافورات البحر في أحوض الزينة
تُباع بعض أنواع نافورات البحر في تجارة أحوض الزينة لجمال شكلها وألوانها الزاهية كاللون البرتقالي المميز لنافورة البحر البرتقالية. إلا أن العناية بها تُعدّ صعبة لأنها تحتاج إلى قاع رملي عميق جداً لتثبيت نفسها ولها متطلبات غذائية خاصة تعتمد على العوالق الحية. ولذلك لا يُنصح المبتدئون في تربية الأحياء المائية بتربيتها لأنها تحتاج إلى خبرة ورعاية متخصصة.
الخلاصة
نافورات البحر أو المزقيبات كائنات بحرية مستعمرة مدهشة تجمع بين البساطة الظاهرية والتعقيد البيولوجي الداخلي. اكتشف فريق معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية أن هذه الكائنات تمتلك قلباً أنبوبياً ينبض بخلايا مشابهة لخلايا القلب البشري مما يجعلها نموذجاً مهماً لدراسة تطور القلب. بعض أنواعها يشع ضوءاً عند اللمس بفضل الإضاءة الحيوية وهي تتواجد في جميع محيطات العالم من المياه الضحلة إلى أعماق سحيقة. للمزيد من المعلومات يمكن متابعة أبحاث معهد ماكس بلانك للكيمياء الحيوية والدراسات المنشورة حول الإضاءة الحيوية في الكائنات البحرية كما يمكن قراءة المزيد عن اللاسعات المستعمرة والتطور المقارن للقلب في المراجع العلمية المتخصصة.
.png)