شلال المياه الحمراء في القارة المتجمدة | ظاهرة طبيعية غامضة

شلال المياه الحمراء في القارة المتجمدة

هذا الكون مليء بالعجائب والأسرار ومن هذه العجائب شلال من المياه الحمراء وكأنه شلال من الدماء في قارة أنتاركتيكا القارة المتجمدة وسر لون هذه المياه حير الكثير من العلماء ووجدوا له أسباباً مختلفة تعرف عليها. تتدفق مياه حمراء اللون تشبه الدماء من صدع وادي مكموردو الجاف في أنتاركتيكا واكتُشفت هذه الظاهرة أول مرة عام 1911 عن طريق جرفيث تايلور عالم الجيولوجيا الأسترالي الذي كان ضمن بعثة تيرا نوفا الاستكشافية إلى القارة القطبية الجنوبية، وقد أطلق اسمه على الوادي الذي اكتشف فيه هذه الظاهرة فيُعرف اليوم باسم وادي تايلور.

شلال المياه الحمراء المعروف بشلالات الدم المتدفق من نهر تايلور الجليدي في أنتاركتيكا

أين تقع شلالات الدم

تقع شلالات الدم في منطقة وديان مكموردو الجافة داخل وادي تايلور في منطقة فيكتوريا أرض شرق أنتاركتيكا. وديان مكموردو الجافة تُعدّ من أكثر الأماكن جفافاً وبرودة على وجه الأرض حيث يبلغ متوسط درجة الحرارة حوالي 17 درجة مئوية تحت الصفر. تنبع هذه المياه الحمراء من طرف نهر تايلور الجليدي وتتدفق على سطح بحيرة بوني الغربية المغطاة بالجليد في مشهد يبدو للوهلة الأولى كأن الجليد ينزف دماً.

لا يمكن الوصول إلى هذا المكان بسهولة إذ يتطلب الوصول إليه رحلات استكشافية متخصصة تنطلق من محطات البحث العلمي في أنتاركتيكا مثل محطة ماكموردو الأمريكية، ولهذا السبب ظلت هذه الظاهرة غامضة لأكثر من قرن كامل من الزمن.

السبب الحقيقي للون الأحمر

نظرية الطحالب القديمة

عندما اكتشف جرفيث تايلور هذه الظاهرة عام 1911 اعتُقد أن اللون الأحمر نتيجة نوع من الطحالب الحمراء التي تعيش في المياه. وقد ظل هذا التفسير سائداً لفترة طويلة لأنه بدا التفسير الأكثر منطقية حينها لوجود لون أحمر في بيئة جليدية قاحلة. لكن مع تطور أساليب البحث العلمي والتحليل الكيميائي تبين أن هذا التفسير غير دقيق.

الحقيقة الكيميائية الحديد والملوحة

اكتشف لاحقاً أن مصدر اللون الأحمر بحيرة مياه مالحة تحت الجليد مشبعة بالحديد ومحاصرة تحت الجليد منذ أكثر من 1.5 مليون سنة. فعندما تتدفق هذه المياه الغنية بأيونات الحديد من تحت الجليد وتتعرض للهواء فإن الحديد يتأكسد ويتحول إلى أكسيد الحديد ذي اللون الأحمر القاتم تماماً كما يحدث في عملية صدأ المعادن. وتبلغ درجة حرارة المياه نحو 5 درجات مئوية تحت الصفر لكنها تظل سائلة بسبب ملوحتها العالية.

اكتشاف الكرات النانوية

في عام 2023 كشف الباحث كن ليفي من جامعة جونز هوبكنز عن سر إضافي في تكوين اللون الأحمر. باستخدام المجهر الإلكتروني النافذ وجد ليوفى وفريقه وفرة من الكرات النانوية الدقيقة الغنية بالحديد التي لا يتجاوز حجمها واحد على مئة من حجم خلية الدم الحمراء البشرية. هذه الكرات النانوية تحتوي على عناصر متعددة إلى جانب الحديد مثل السيليكون والكالسيوم والألمنيوم والصوديوم. والأهم من ذلك أن هذه الكرات النانوية ليست بلورية التركيب مما جعل الأساليب التحليلية السابقة تعجز عن اكتشافها لأنها كانت تبحث عن معادن ذات تركيب بلوري محدد.

لماذا لا تتجمد المياه تحت الجليد

من أكثر الأسئلة إثارة في قصة شلالات الدم كيف يمكن لمياه أن تظل سائلة تحت درجات حرارة تصل إلى 7 درجات مئوية تحت الصفر. يكمن الجواب في التركيب الكيميائي الفريد لهذه المياه. فالمياه المحاصرة تحت نهر تايلور الجليدي عبارة عن محلول ملحي شديد التركيز تبلغ ملوحته ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ملوحة مياه المحيط العادي. هذه الملوحة المرتفعة تخفض درجة تجمد الماء بشكل كبير مما يسمح له بالبقاء في الحالة السائلة رغم البرودة القارسة.

بالإضافة إلى ذلك فإن عملية تجمد المياه المالحة تُطلق كمية من الحرارة تُعرف بالحرارة الكامنة للانصهار وهذه الحرارة تسهم في إذابة الجليد المحيط جزئياً مما يسمح باستمرار تدفق المياه من باطن النهر الجليدي. وقد أظهرت الدراسات أن هناك شبكة معقدة من الأنهار الجوفية وبحيرة تحت جليدية تغذي شلالات الدم عبر شقوق متفاوتة الحجم في الجليد تعمل كقنوات تتصاعد من خلالها المحاليل الملحية.

والسبب الآخر الذي يجعل نهر تايلور الجليدي فريداً هو أنه على عكس معظم الأنهار الجليدية في أنتاركتيكا فإنه غير متجمد حتى صخرة القاع ويرجع ذلك على الأرجح إلى وجود الأملاح المركزة من مياه البحر القديمة المحاصرة أسفله.

الحياة الميكروبية تحت الجليد

لكن اللون الأحمر للمياه يحوي سراً آخر اكتشفه علماء جامعة هارفارد حيث إن هذه البحيرة تُعتبر موطناً بيئياً لنوع من البكتيريا محاصرة تحت الظروف القاسية لآلاف السنين. منذ حوالي 2 مليون سنة تمت محاصرة هذه البكتيريا الصغيرة تحت طبقة سميكة من الجليد معزولة عن العالم الخارجي بدون ضوء أو أكسجين وقليل من الحرارة. كما أن هذه البكتيريا لم تكن لديها الفرصة للحصول على الطاقة من خلال التركيب الضوئي لذلك بدأت هذه البكتيريا تتاقلم مع الظروف المحيطة بها وتتطور بشكل مستقل عن العالم الخارجي.

آلية التمثيل الغذائي الفريدة

كشفت التحاليل الكيميائية والميكروبية أن نظاماً بيئياً نادراً من البكتيريا ذاتية التغذية تطور تحت الجليد حيث تستخدم هذه الكائنات الدقيقة أيونات الكبريتات للحياة بدلاً من الأكسجين وتستخلص الحديد من صخور القاع الجيولوجية. هذه العملية الأيضية لم تُلاحظ من قبل في أي نظام بيئي طبيعي آخر على وجه الأرض مما يجعل شلالات الدم موقعاً فريداً لدراسة أشكال الحياة المتطرفة.

ووفقاً لعالمة الجيوميكروبيولوجيا جيل ميكوكي من جامعة تينيسي فإن عينات المياه من شلالات الدم احتوت على ما لا يقل عن 17 نوعاً مختلفاً من الميكروبات وتقريباً لا تحتوي على أي أكسجين. ومن أبرز البكتيريا المكتشفة تحت الجليد بكتيريا من نوع مارينوباكتر التي تنمو في المياه المالحة وتتحمل البرودة الشديدة بالإضافة إلى أنواع أخرى مثل ثيوميكروسبيرا وديسولفوكابسا.

دليل على الأصل البحري

في دراسة حديثة نُشرت في دورية نيتشر جيوساينس تمكن فريق بحثي من معهد سكريبس لعلوم المحيطات بجامعة كاليفورنيا من جمع 167 عينة من المياه والجليد والرواسب في منطقة شلالات الدم. وعند تحليل الحمض النووي للكائنات الدقيقة وجد الباحثون آلاف الأنواع من الكائنات المجهرية كان أبرزها مجموعات معروفة بأنها تعيش في البيئات البحرية مثل الدياتومات والهابتوفيتات والدينوفلاجيلات. والأهم من ذلك أن نحو 9.3 بالمئة من الكائنات الدقيقة الموجودة في شلالات الدم تشترك مع المجتمعات الميكروبية البحرية مقارنة بنسبة لا تتجاوز 1.15 بالمئة في المواقع الأخرى داخل وديان القارة القطبية. هذا الدليل البيولوجي المباشر يؤكد أن المياه ذات أصل بحري قديم.

من أين أتت هذه المياه المالحة

تُشير الأبحاث إلى أن المنطقة التي يقع فيها نهر تايلور الجليدي كانت في الماضي جزءاً من البحر عندما كان منسوب المياه أعلى من مستواه الحالي خلال فترة دافئة من تاريخ الأرض في العصر الميوسيني منذ حوالي 5 ملايين سنة. ومع انخفاض درجات الحرارة وتقدم الأنهار الجليدية انحسر البحر بينما حُوصرت كميات من مياهه المالحة تحت طبقات سميكة من الجليد لتتحول إلى بحيرة جوفية معزولة تماماً عن المحيط.

عندما تجمدت المياه المالحة القديمة تحت الجليد تبلور الماء العادي وطرد الأملاح الذائبة منه في عملية تُعرف بالتركيز التجميدي أو التبلور بالتبريد مما أدى إلى زيادة تركيز الأملاح في المياه المتبقية إلى مستويات أعلى بكثير من مياه البحر العادية. وهكذا تحولت المياه المحاصرة إلى محلول ملحي شديد التركيز غني بالحديد والكبريتات.

دلالات علمية كبرى

فرضية كرة الأرض الثلجية

وفقاً لدراسة ميكوكي وزملائها عام 2009 فإن البحيرة تحت الجليدية المحاصرة أُغلقت قبل 1.5 إلى 2 مليون سنة وتحولت إلى نوع من الكبسولة الزمنية التي عزلت السكان الميكروبيين القدامى لفترة كافية كي يتطوروا بشكل مستقل عن الكائنات البحرية المشابهة. هذا يفسر كيف يمكن للكائنات الدقيقة الأخرى أن تكون قد نجت عندما كانت الأرض وفقاً لفرضية كرة الأرض الثلجية مغطاة بالكامل بالجليد قبل حوالي 650 إلى 750 مليون سنة في العصر البروتيروزي. فالمحيطات المغطاة بالجليد ربما كانت الملاذ الوحيد للأنظمة البيئية الميكروبية عندما كانت الأرض مغطاة بالأنهار الجليدية على خطوط العرض الاستوائية.

الastrobiology دلالات تتعلق ببحث الحياة خارج الأرض

تُعدّ شلالات الدم فرصة فريدة لعلماء الفضاء لدراسة الحياة الميكروبية في الأعماق تحت الجليد في ظروف قاسية دون الحاجة إلى حفر ثقوب عميقة في الغطاء الجليدي القطبي مع ما يرافق ذلك من مخاطر التلوث. ولهذا السبب تدرس وكالة ناسا للفيزياء الفلكية هذه البيئة كنموذج تمثيلي للحياة على الكواكب الأخرى.

يُعتقد أن عوالم مثل المريخ وقمر يوروبا التابع لكوكب المشتري قد تحتوي على بيئات مياه سائلة تحت جليدية صالحة لاستضافة أشكال بدائية من الحياة. وهذه البيئات تكون محمية بشكل أفضل في الأعماق من الإشعاع فوق البنفسجي والإشعاع الكوني مقارنة بالسطح. وقد لفت كن ليفي الانتباه إلى أن نتائج فريقه تكشف عن قصور في أساليب التحليل التي تستخدمها مركبات الفضاء المتجولة على سطح المريخ حيث قد لا تتمكن من اكتشاف المواد النانوية غير البلورية مما يعني أن هناك حاجة إلى تطوير أساليب أكثر تقدماً للكشف عن الحياة في العوالم الباردة.

نهر تايلور الجليدي ظاهرة فريدة

يُعتبر نهر تايلور الجليدي أبرد نهر جليدي معروف على الأرض تتدفق منه المياه بشكل دائم. فهو نظام متناقض يجمع بين الجليد والملح والحديد والحرارة مخبأ تحت صحراء جليدية تبدو خالية من الحياة. وأظهرت القياسات أن تركيز المحلول الملحي الغني بالحديد يزداد كلما اقتربت المياه من الشلال كما أن هناك علاقة بين درجة حرارة المياه ومحتواها الملحي.

تعمل الشقوق متفاوتة الحجم في الجليد كقنوات تتصاعد من خلالها المحاليل الملحية وتذيب الجليد وتزداد تركيزاً كلما اقتربت من السطح. وما يبدو كشق دامٍ في الجليد هو في الحقيقة مثال رائع على مدى تعقيد وديناميكية أكثر المناطق تطرفاً على كوكبنا.

الخلاصة

شلالات الدم في أنتاركتيكا ظاهرة طبيعية فريدة تتدفق منها مياه حمراء اللون تشبه الدماء من نهر تايلور الجليدي في وديان مكموردو الجافة. اللون الأحمر ناتج عن أكسيد الحديد الناتج من مياه شديدة الملوحة غنية بالحديد محاصرة تحت الجليد منذ ملايين السنين. هذه المياه لا تتجمد بسبب ملوحتها العالية التي تخفض درجة التجمد والحرارة الكامنة المنطلقة أثناء التبلور. تحتي الجليد تعيش مجتمعات ميكروبية فريدة تطورت بشكل مستقل دون ضوء أو أكسجين لآلاف السنين. لزيادة المعرفة حول هذه الظاهرة يمكن متابعة أبحاث ناسا للفيزياء الفلكية والدراسات المنشورة في دوريات علمية متخصصة كما يمكن قراءة المزيد عن وديان مكموردو الجافة وفرضية كرة الأرض الثلجية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !