تحتل الطماطم، أو البندورة كما تسمى في بلاد الشام، مكانة ثابتة في المطبخ العربي والعالمي، فهي تدخل في السلطات والصلصات والطبخات اليومية، وتؤكل نيئة ومطبوخة ومجففة. وإلى جانب مذاقها المحبب، تحظى هذه الثمرة الحمراء باهتمام الباحثين بسبب محتواها من الفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة، وخاصة صبغة الليكوبين.
نعرض في هذا المقال الفوائد الصحية كما وردت، ثم نتوسع في تاريخ هذه الثمرة ورحلتها من الأمريكتين إلى موائدنا، وأصل تسميتها العربية، وأنواعها، وسر الليكوبين وطرق الاستفادة القصوى منه، ونصائح الشراء والتخزين، والفئات التي قد تحتاج إلى الاعتدال في تناولها.
فوائد البندورة للصحة

رحلة الثمرة من الأمريكتين إلى العالم
يعود أصل النبات البري إلى غرب أمريكا الجنوبية في منطقة جبال الأنديز، ثم استأنسته الشعوب الأصلية في أمريكا الوسطى، وخاصة في المكسيك، حيث زُرع وطُور قبل وصول الأوروبيين بزمن طويل. ونقله الإسبان إلى أوروبا في القرن السادس عشر، فانتشر أولاً في إسبانيا وإيطاليا، ثم في بقية القارة والعالم.
من الريبة إلى الانتشار
لم يرحب الأوروبيون بالثمرة الجديدة مباشرة، فقد نظر إليها بعضهم بريبة لأنها تنتمي إلى الفصيلة الباذنجانية التي تضم نباتات سامة معروفة، وزرعت في البداية نباتاً للزينة في بعض البلدان. ومع الوقت ثبت أن الثمار الناضجة صالحة ولذيذة، فدخلت المطبخ الإيطالي والإسباني بقوة، وأصبحت لاحقاً من أكثر الخضار زراعة واستهلاكاً في العالم.
أصل التسمية العربية
تأتي كلمة البندورة المستعملة في بلاد الشام من الكلمة الإيطالية التي تعني التفاحة الذهبية، في إشارة إلى الأصناف الصفراء التي عرفتها أوروبا مبكراً. أما كلمة الطماطم فمشتقة من اسمها في لغة الأزتك عبر الإسبانية. ويطلق عليها في مناطق عربية أخرى أسماء محلية مثل القوطة.
هل هي فاكهة أم خضار؟
من الناحية النباتية تُعد الثمرة فاكهة، لأنها تتكون من زهرة النبات وتحتوي على البذور. لكنها تعامل في المطبخ والتجارة معاملة الخضار، لأنها تستخدم في الأطباق المالحة لا في الحلويات. ولهذا يجمع الطهاة وعلماء النبات على أن التصنيف يختلف بحسب زاوية النظر.
أنواع شائعة
- البندورة الكرزية: صغيرة الحجم حلوة المذاق، مناسبة للسلطات والوجبات الخفيفة.
- البندورة المستطيلة: لحمية قليلة البذور والعصارة، مفضلة لصناعة الصلصات والمعجون.
- البندورة الكبيرة اللحمية: تستخدم في الشطائر والحشو.
- الأصناف التراثية: أصناف قديمة متنوعة الأشكال والألوان، من الأصفر والبرتقالي إلى الأرجواني الداكن، يقدرها محبو النكهات المميزة.
سر الليكوبين
الليكوبين صبغة طبيعية من عائلة الكاروتينات تمنح الثمرة لونها الأحمر، وتعمل في المختبر مضاداً قوياً للأكسدة. وقد ربطت دراسات رصدية بين تناول الأطعمة الغنية بالليكوبين وانخفاض خطر بعض الأمراض المزمنة، كبعض أمراض القلب وبعض أنواع السرطان، لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج تظهر ارتباطاً لا يثبت السببية بالضرورة، وأن مكملات الليكوبين لم تثبت فائدة مماثلة بصورة قاطعة. ولذلك يبقى الأفضل الحصول عليه من الطعام ضمن نظام غذائي متنوع.
كيف نستفيد منه أكثر؟
- الطهي: تساعد الحرارة على تكسير جدران الخلايا النباتية، فيصبح الليكوبين أسهل امتصاصاً، ولهذا تُعد الصلصات والشوربات مصدراً جيداً له.
- الدهون الصحية: لأن الليكوبين يذوب في الدهون، فإن إضافة قليل من زيت الزيتون يحسن امتصاصه.
- التنويع: الجمع بين الطازجة الغنية بفيتامين ج، والمطبوخة الغنية بالليكوبين المتاح، يحقق فائدة متكاملة.
- المعجون المركز: يحتوي على تركيز مرتفع من الصبغة، لكن ينبغي الانتباه إلى محتواه من الملح في بعض الأنواع التجارية.
نصائح الشراء والتخزين
- اختر الثمار الثقيلة نسبة إلى حجمها، ذات اللون المتجانس والرائحة العطرة قرب العنق.
- احفظ الثمار غير الناضجة تماماً في درجة حرارة الغرفة بعيداً عن الشمس المباشرة حتى تنضج.
- يرى كثير من الطهاة أن الثلاجة تفقدها جزءاً من نكهتها وقوامها، فالأفضل تبريد الناضجة فقط عند الحاجة لإطالة صلاحيتها، وإخراجها قبل الأكل بوقت كافٍ.
- اغسلها قبل الاستخدام مباشرة لا قبل التخزين.
- يمكن تحويل الفائض إلى صلصة وتجميدها في عبوات صغيرة.
من يحتاج إلى الاعتدال؟
مرضى الارتجاع والحموضة
تحتوي الثمرة ومنتجاتها على أحماض طبيعية قد تزيد أعراض ارتجاع المريء وحرقة المعدة لدى بعض الأشخاص، ويمكن لهؤلاء ملاحظة استجابتهم وتقليل الكميات أو تجنب تناولها قبل النوم.
الحساسية
يعاني عدد قليل من الناس من حساسية تجاه هذه الثمرة، تظهر على شكل حكة في الفم أو طفح جلدي، ويحتاجون إلى تقييم طبي.
أجزاء النبات الخضراء
تحتوي الأوراق والسيقان على مركبات قد تكون ضارة إذا أُكلت بكميات كبيرة، ولذلك لا تستخدم في الطعام. أما الثمار الخضراء غير الناضجة فتستخدم في بعض الأطباق والمخللات التقليدية بكميات معتدلة.
البندورة في المطبخ العربي
يصعب تخيل المطبخ العربي الحديث دونها، فهي أساس سلطة الفتوش والتبولة والسلطة العربية المقطعة، وتدخل في الشكشوكة وطبخات الخضار باللحم كالبامية والفاصولياء، وفي صلصة المقلوبة والمحاشي ومرق الكبسة. كما تشتهر في بلاد الشام قلاية البندورة التي تطهى بزيت الزيتون والثوم والفلفل الحار، ويشتهر في مصر طبق الكشري بصلصته الحمراء الحارة. وقد اعتادت ربات البيوت في القرى قديماً تجفيف الشرائح تحت الشمس أو طبخ المعجون في الصيف وتخزينه للشتاء.
فكرة سريعة لصلصة منزلية
تقطع الثمار الناضجة وتطهى على نار هادئة مع زيت الزيتون والبصل والثوم المفروم حتى تتماسك، ثم تتبل بالملح والريحان أو الزعتر بحسب الرغبة، وتحفظ في الثلاجة أياماً قليلة أو في المجمد مدة أطول. وهي بديل صحي للصلصات الجاهزة التي قد تحتوي على سكر وملح مضافين.
البندورة المجففة
تجفف الثمار الصغيرة أو المستطيلة بعد شقها ورشها بالملح، إما تحت الشمس في المناطق الحارة أو في الفرن على حرارة منخفضة، ثم تحفظ في زيت الزيتون مع الأعشاب، فتكتسب نكهة مركزة تصلح للمعكرونة والسلطات والمعجنات. وتحفظ في مكان بارد بعيداً عن الضوء.
أسئلة شائعة
هل الطهي يفقدها قيمتها؟
يقل فيتامين ج مع الحرارة، لكن الليكوبين يصبح أسهل امتصاصاً، فلكل طريقة فائدتها، والأفضل الجمع بين الطازجة والمطبوخة.
هل تساعد على خفض ضغط الدم؟
تحتوي على البوتاسيوم الذي يرتبط بتوازن ضغط الدم ضمن نظام غذائي صحي، لكنها لا تغني عن العلاج الذي يصفه الطبيب لمن يعانون ارتفاع الضغط.
هل تسبب حصى الكلى؟
لا يُعد محتواها من الأكسالات مرتفعاً مقارنة بأطعمة أخرى، ومع ذلك يتبع من لديهم تاريخ مع الحصى إرشادات أطبائهم الغذائية الخاصة.
خلاصة
البندورة ثمرة قطعت رحلة طويلة من جبال الأنديز إلى كل مطابخ العالم، وتجمع بين النكهة والقيمة الغذائية، فهي غنية بفيتامين ج والبوتاسيوم والألياف، وتمتاز بصبغة الليكوبين التي يزداد امتصاصها بالطهي مع قليل من الزيت. ويمكن الاستفادة منها يومياً بطرق متنوعة، مع مراعاة الاعتدال لمن يعانون الحموضة أو الحساسية.
.png)