إياكِ وغسل الدجاج النيء | مخاطر صحية

لماذا لا يُنصح بغسل الدجاج النيء قبل الطهي

تعتاد أغلب سيدات البيوت على غسل الدجاج قبل طهيه، اعتقاداً منهن أن هذه الخطوة ضرورية لتنظيفه والتخلص من البكتيريا الضارة. لكن دراسات علمية جادة تشير إلى أن هذه العادة الشائعة قد تكون في الحقيقة أكثر ضرراً من نفعها. في هذا المقال نستعرض الأساس العلمي الدقيق وراء هذا التحذير، والبديل الصحيح الموصى به بدلاً من الغسل.

ما الذي أظهرته الدراسات العلمية؟

أظهرت دراسة أجرتها وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) عام 2019 أن غسل الدجاج النيء قبل الطهي لا يقضي على البكتيريا الضارة كالسالمونيلا إطلاقاً، بل يزيد فعلياً من احتمالية انتشارها في أرجاء المطبخ. وقد وجدت الدراسة تحديداً أن نحو 90% من الناس يغسلون الدجاج اعتقاداً منهم أن ذلك يقضي على البكتيريا، رغم أن هذا الاعتقاد غير صحيح علمياً.

آلية انتشار البكتيريا: "الرذاذ الهوائي" (Aerosolization)

أوضحت الدراسة أن غسل الدجاج تحت الصنبور لا يقتل البكتيريا الموجودة على سطحه، بل يتسبب فعلياً في تناثرها عبر رذاذ الماء المتطاير، في عملية تُعرف علمياً باسم "الرذاذ الهوائي" أو "الأيروسوليزيشن" (Aerosolization). ووفق الدراسة، يمكن لهذه القطيرات الدقيقة المحمّلة بالبكتيريا أن تتناثر لمسافة تصل إلى نحو نصف متر (حوالي 50 سنتيمتراً) حول الحوض، ملوّثة بذلك أسطح العمل المجاورة، والأواني، وحتى الملابس، دون أن يشعر الشخص بذلك على الإطلاق.

أرقام صادمة من الدراسة الأمريكية

كشفت نتائج الدراسة الأمريكية أرقاماً مقلقة حول مدى انتشار التلوث الناتج عن هذه العادة: فمن بين المشاركين الذين غسلوا الدجاج النيء، تبيّن أن 60% منهم انتقلت البكتيريا إلى حوض المطبخ لديهم بعد عملية الغسل مباشرة، وأن 14% منهم ظلت البكتيريا موجودة في الحوض حتى بعد محاولتهم تنظيفه وتعقيمه. والأخطر من ذلك، أن 26% من المشاركين الذين غسلوا الدجاج النيء نقلوا البكتيريا فعلياً من الدجاج إلى خس السلطة الجاهز للأكل مباشرة دون طهي، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً ومباشراً على صحة من يتناول هذه السلطة لاحقاً.

لماذا لا يُنصح أيضاً بنقع الدجاج بالخل أو الحامض؟

إلى جانب التحذير من الغسل بالماء، نصحت وزارة الزراعة الأمريكية أيضاً بعدم نقع الدجاج بالخل أو مسحه بعصير الليمون أو أي مادة حمضية أخرى بهدف "تعقيمه"، إذ إن هذه الطرق المنزلية التقليدية لا تصل لدرجة حرارة أو تركيز كافٍ للقضاء على البكتيريا العميقة داخل أنسجة اللحم، بينما قد تحمل الخطر نفسه المرتبط بتناثر الرذاذ الملوث أثناء عملية النقع أو المسح، دون تحقيق أي فائدة حقيقية إضافية تُذكر في المقابل.

ما هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الدجاج النيء إذن؟

بدلاً من الغسل، توصي وزارة الزراعة الأمريكية باتباع خطوات بديلة أثبتت فعاليتها الحقيقية في تقليل خطر التلوث البكتيري داخل المطبخ.

1. الاعتماد الكامل على الطهي الجيد

الطريقة الوحيدة الفعالة فعلياً للقضاء على البكتيريا الضارة كالسالمونيلا والكامبيلوباكتر هي الطهي الجيد للدجاج حتى درجة حرارة داخلية آمنة تبلغ 74 درجة مئوية (165 فهرنهايت) على الأقل، والتي يمكن التأكد منها باستخدام ميزان حرارة خاص بالطعام يُدخل في أثخن جزء من قطعة الدجاج.

2. تنظيف السكاكين وألواح التقطيع جيداً

احرصي على تنظيف السكاكين وألواح التقطيع التي لامست الدجاج النيء بالماء الساخن والصابون فوراً بعد الاستخدام، ويُفضَّل استخدام لوح تقطيع مخصص للحوم والدواجن النيئة فقط، منفصل تماماً عن الألواح المستخدمة للخضار والفواكه أو أي طعام آخر يُؤكل دون طهي.

3. منع ملامسة الدجاج النيء لأي طعام آخر

تجنبي تماماً وضع الدجاج النيء بالقرب من أطعمة أخرى جاهزة للأكل، أو استخدام الأدوات نفسها (كالملاعق أو الأطباق) للدجاج النيء ثم للطعام المطهو دون غسلها جيداً بينهما، لتفادي أي تلوث تبادلي (Cross-Contamination) قد ينتقل بسهولة دون أن تلاحظيه.

4. غسل اليدين جيداً

اغسلي يديك جيداً بالماء الدافئ والصابون لمدة عشرين ثانية على الأقل بعد ملامسة الدجاج النيء مباشرة، قبل لمس أي سطح أو أداة أو طعام آخر في المطبخ، فاليدان من أكثر الوسائل شيوعاً في نقل التلوث البكتيري دون قصد.

لماذا اعتاد الناس على غسل الدجاج أصلاً؟

يعود انتشار عادة غسل الدجاج تاريخياً إلى الرغبة في التخلص من الملمس اللزج الذي يصاحب أحياناً عبوات الدجاج المعبأ تجارياً، إلى جانب اعتقاد شائع ومتوارث بأن الغسل بالماء يُعد خطوة تنظيف أساسية وضرورية قبل الطهي، تماماً كما نغسل الخضار والفواكه. لكن الفارق الجوهري هنا هو أن الدجاج، على عكس الخضار، سيتعرض لاحقاً لحرارة طهي عالية كافية للقضاء على البكتيريا الموجودة فيه، بينما عملية الغسل بالماء البارد أو الفاتر لا تحقق هذا الغرض إطلاقاً، وتحمل في المقابل خطراً حقيقياً وموثقاً لنشر التلوث بدلاً من إزالته.

مدى انتشار البكتيريا الضارة في الدجاج المُباع تجارياً

تشير دراسات وتحليلات مستقلة عديدة، من بينها تحليل أجرته منظمة مستهلكين أمريكية معروفة، إلى أن نسبة كبيرة من عينات الدجاج النيء المتوفرة في الأسواق التجارية تحتوي على أنواع مختلفة من البكتيريا، ليس بالضرورة كلها ضارة بنفس الدرجة، لكن بعضها كالسالمونيلا والكامبيلوباكتر يرتبط فعلياً بحالات تسمم غذائي موثقة سنوياً. وتقدّر بعض الجهات الصحية الأمريكية أن واحدة تقريباً من كل 25 عبوة دجاج في المتاجر قد تحتوي على بكتيريا السالمونيلا تحديداً، وهو ما يبرز أهمية الاعتماد على الطهي الجيد كخط الدفاع الأساسي والأكثر فعالية، بدلاً من إجراءات منزلية تقليدية كالغسل، والتي أثبتت الدراسات أنها لا تقلل هذا الخطر بل قد تزيده فعلياً في سياقات معينة داخل المطبخ.

هل ينطبق هذا التحذير على اللحوم الأخرى أيضاً؟

تنطبق التوصية نفسها بعدم الغسل على معظم أنواع اللحوم النيئة الأخرى، كلحم البقر والضأن ولحم الخنزير، إذ تحمل جميعها الاحتمال نفسه لنقل البكتيريا عبر رذاذ الماء المتطاير أثناء الغسل. وتوصي وزارة الزراعة الأمريكية بشكل عام بعدم غسل أي نوع من اللحوم النيئة قبل الطهي، مع الاستثناء الوحيد المتعلق بالأسماك الطازجة كاملة (غير المقطعة)، والتي قد يوصى أحياناً بشطفها بلطف تحت الماء البارد فقط لإزالة أي بقايا قشور أو حراشف عالقة، دون فرك قوي أو نقع مطوّل، نظراً لاختلاف طبيعة التلوث السطحي المحتمل فيها مقارنة باللحوم والدواجن الحمراء.

خطوات إضافية لتعزيز سلامة المطبخ عند التعامل مع الدجاج

- استخدمي ثلاثة ألواح تقطيع منفصلة على الأقل في مطبخك: واحد للحوم والدواجن النيئة، وآخر للخضار والفواكه، وثالث للأطعمة الجاهزة للأكل مباشرة.
- احرصي على تبريد أو تجميد الدجاج فور شرائه، وتجنبي تركه في درجة حرارة الغرفة لفترة طويلة قبل الطهي، فالبكتيريا تتكاثر بسرعة أكبر في درجات الحرارة المعتدلة والدافئة.
- إذا استخدمتِ عبوة الدجاج البلاستيكية كوعاء مؤقت لأي غرض، تخلصي منها فوراً بعد الاستخدام ولا تُعيدي استخدامها لأي طعام آخر إطلاقاً.
- نظّفي حوض المطبخ نفسه جيداً بالماء الساخن والصابون بعد الانتهاء من التعامل مع الدجاج النيء، وليس فقط الأدوات التي لامسته مباشرة.

ماذا لو كنتِ لا تزالين غير مقتنعة بترك عادة الغسل؟

من المفهوم أن ترك عادة راسخة ومتوارثة منذ الطفولة قد يكون أمراً صعباً نفسياً، حتى مع توفر الأدلة العلمية المضادة لها بوضوح. فإن كنتِ لا تزالين تفضلين غسل الدجاج رغم كل ما سبق، فعلى الأقل احرصي على تقليل المخاطر المصاحبة لهذه العادة قدر الإمكان، عبر غسله بلطف شديد ودون رفع ضغط الماء بقوة، وفي أضيق مساحة ممكنة داخل الحوض بدلاً من فتحه على مساحة واسعة، مع تنظيف الحوض وكل الأسطح المحيطة فوراً بعد الانتهاء مباشرة، وغسل يديك جيداً. لكن يبقى الخيار الأكثر أماناً وموثوقية علمياً، بحسب كل الدراسات المتوفرة حتى الآن، هو الاستغناء عن هذه الخطوة كلياً والاعتماد فقط على الطهي الجيد كخط الدفاع الأساسي والأكثر فعالية ضد أي بكتيريا ضارة محتملة.

خاتمة

تكشف هذه الدراسة العلمية الموثقة حقيقة مهمة تخالف عادة متوارثة ومنتشرة جداً في كثير من المطابخ حول العالم: غسل الدجاج النيء لا يحمي من البكتيريا، بل قد يزيد فعلياً من خطر انتشارها في أرجاء المطبخ وعلى أطعمة أخرى قد تُؤكل دون طهي. ومن خلال اتباع الخطوات البديلة الموصى بها، من الطهي الجيد إلى تعقيم أدوات المطبخ وغسل اليدين بانتظام، يمكنك حماية أسرتك من مخاطر التسمم الغذائي بشكل أكثر فعالية وموثوقية من الاعتماد على عادة الغسل التقليدية غير المجدية فعلياً.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !