لماذا لوحة المفاتيح غير مرتبة أبجديًا؟ | سر تصميم QWERTY

لماذا لوحة المفاتيح غير مرتّبة أبجديًّا؟

لوحة مفاتيح مايكروسوفت متعدّدة الوسائط بتصميم مقوّس مريح بقاعدة فضّيّة ومفاتيح سوداء ولوحة أرقام على اليمين وأزرار وسائط متعدّدة على اليسار

جميعنا استخدم الكيبورد أو ما يُسمّى لوحة المفاتيح في الكتابة والعمل على الحاسوب يوميًّا، لكن كان السؤال الذي يُراود الكثيرين دائمًا: لماذا لم تُرتّب الحروف في لوحة المفاتيح ترتيبًا أبجديًّا كما هو معتاد في القواميس والكتب المدرسيّة؟ لماذا تبدو الأحرف مبعثرة عشوائيًّا دون ترتيب واضح أو منطقيّ ظاهر للعين؟ الحقيقة أنّ هذا الترتيب الذي يُعرف بترتيب «كيويرتي» ليس عشوائيًّا على الإطلاق بل يحمل وراءه قصّة طويلة من التفكير الهندسيّ والابتكار التقنيّ تعود إلى القرن التاسع عشر الميلاديّ. وفي هذا المقال عبر موقع دار العلوم نكشف السرّ وراء هذا الترتيب الغريب الظاهر ونستعرض تاريخ لوحة المفاتيح وتطوّرها وتصاميمها البديلة ومستقبلها في عالم التقنيّة الحديثة.

قصّة اختراع الآلة الكاتبة

تعود بداية القصّة إلى المخترع الأمريكيّ كريستوفر شولز الذي اخترع أوّل آلة كاتبة عمليّة تجاريًّا في أوائل سبعينيّات القرن التاسع عشر بالتعاون مع شريكه كارلوس غليدن والميكانيكيّ صموئيل سولي. في البداية حاول شولز ترتيب الأحرف في لوحة الآلة الكاتبة ترتيبًا أبجديًّا لأنّه المنطق الأبسط والأكثر بديهيّة للمستخدم الجديد الذي لم يسبق له التعامل مع آلة كتابة من قبل. لكنّه سرعان ما واجه مشكلة تقنيّة كبيرة ألا وهي تداخل الروافع: فعندما يضرب المُطبع حرفين متجاورين بسرعة فإنّ رافعتي الحرفين تصطدمان قبل أن تعود الأولى إلى مكانها ممّا يُسبّب انسداد الآلة وتوقّفها عن العمل واحتياجها إلى إصلاح يدويّ في كلّ مرّة. وهذه المشكلة كانت شائعة بشكل خاصّ مع الأحرف المتكرّرة المتجاورة في الترتيب الأبجديّ والتي تظهر كثيرًا في النصوص الإنجليزيّة ممّا جعل الآلة شبه عاجزة عن العمل بسرعة معقولة دون انسداد متكرّر يُعيق الإنتاجيّة ويُحبط المُطبع.

الحلّ الهندسيّ: ترتيب كيويرتي

لحلّ مشكلة تداخل الروافع قرّر شولز إعادة ترتيب الأحرف بحيث تبتعد الأحرف الأكثر استخدامًا واستشهارًا في اللغة الإنجليزيّة عن بعضها البعض على اللوحة. والهدف لم يكن تسريع الكتابة كما يعتقد الكثيرون بل كان في الواقع إبطاء المُطبع قليلًا لتجنّب حدوث التداخل والانسداد المزعج. فبتوزيع الأحرف الشائعة على صفوف وأعمدة مختلفة يُصبح من الصعب ضرب حرفين شائعين متجاورين في نفس اللحظة لأنّهما يقعان تحت أصابع مختلفة على مسافة تُعطي الروافع وقتًا كافيًا للعودة إلى مكانها قبل أن تضرب الرافعة التالية. ولهذا السبب تحديدًا جاء ترتيب الصفّ الأوّل من لوحة المفاتيح بالأحرف التي صار يُعرَف بترتيب «كيويرتي» نسبةً إلى أوّل ستّة أحرف في الصفّ العلويّ من اللوحة. وقد حصل شولز على براءة اختراع هذا الترتيب في عام ألف وثمانمائة وثمانية وسبعين وسرعان ما أصبح المعيار الصناعيّ الذي اتّبعته جميع الشركات المُصنّعة للآلات الكاتبة حول العالم.

لماذا الترتيب الأبجديّ ليس الأفضل؟

لوحة المفاتيح المرتّبة أبجديًّا تُواجه مشاكل عدّة تجعل الكتابة عليها أقلّ سرعة وأكثر تعطّلًا وأقلّ راحة للمستخدم:

  • تكدّس الأحرف الشائعة: في الترتيب الأبجديّ تتجاور أحرف شائعة جدًّا في اللغة الإنجليزيّة ممّا يُسبّب ضغطًا مُركّزًا على أصابع واحدة ويُبطئ الكتابة ويُزيد احتمال التداخل في الآلات الكاتبة القديمة والتعب والإرهاق في الأصابع على المدى الطويل.
  • عدم توزيع العمل على اليدين: الترتيب الأبجديّ لا يأخذ بعين الاعتبار توزيع الأحرف بين اليدين ممّا يجعل يدًا واحدة تقوم بأغلب العمل بينما الأخرى تبقى شبه فارغة وهو أمر مُرهق وغير فعّال يؤدّي إلى عدم توازن في الجهد المبذول.
  • صعوبة الإيقاع: الكتابة السريعة تحتاج إلى إيقاع منتظم يتناوب فيه المُطبع بين يديه بسلاسة والترتيب الأبجديّ لا يُوفّر هذا الإيقاع لأنّ الأحرف الشائعة تقع في مناطق متقاربة تحتم استخدام نفس الإصبع مرارًا وتكرارًا في نفس الكلمة الواحدة.
  • زيادة الأخطاء: عندما يُستخدم نفس الإصبع لكتابة أحرف متتالية في كلمة واحدة يزداد احتمال الوقوع في الأخطاء المطبعيّة بسبب الانتقال السريع بين المفاتيح المتجاورة تحت ضغط نفس الإصبع الواحد.

مزايا ترتيب كيويرتي الحاليّ

الترتيب الحاليّ يُقدّم مزايا عمليّة جعلته يصمد أمام محاولات تغييره على مدى أكثر من قرن ونصف القرن:

  • توزيع الأحرف الشائعة: الأحرف الأكثر استخدامًا في اللغة الإنجليزيّة موزّعة بشكل يسمح بالعمل بسرعة دون تباطؤ باستخدام اليدين معًا بالتناوب المنتظم بين اليد اليمنى واليسرى ممّا يُحقّق أقصى كفاءة ممكنة.
  • التبديل بين اليدين: فمثلًا لاحظ كلمات شائعة مثل «آر» فأنت تستطيع كتابتها بنفس اللحظة باستخدام يدين مختلفتين وكذلك كلمة «آند» التي تتطلّب تبديلًا طبيعيًّا بين الأصابع دون تكدّس على إصبع واحد ولو كان الترتيب الأبجديّ لواجهنا مشاكل في كثير من الكلمات التي ستضطرّ لاستخدام نفس الإصبع لكتابتها كاملة.
  • الاعتياد والكفاءة: أكثر من قرن من الاستخدام جعل ملايين البشر حول العالم يتقنون هذا الترتيب ويكتبون عليه بسرعات فائقة تصل إلى أكثر من مئة كلمة في الدقيقة فتغييره الآن سيُهدّد هذه الكفاءة المتراكمة عبر الأجيال.
  • التوافق العالميّ: ترتيب كيويرتي أصبح معيارًا عالميًّا تتّبعه جميع الشركات المُصنّعة للوحات المفاتيح حول العالم ممّا يعني أنّ أيّ شخص تعلّم الكتابة على هذا الترتيب يستطيع استخدام أيّ لوحة مفاتيح في أيّ مكان دون عناء أو حاجة إلى إعادة التعلّم.

محاولات بديلة: ترتيب دفوراك

في ثلاثينيّات القرن العشرين حاول الأستاذ أوغست دفوراك تصميم ترتيب بديل للوحة المفاتيح يُعرف بترتيب «دفوراك» وهدف إلى وضع الأحرف الأكثر استخدامًا في الصفّ الأوسط حيث تقع الأصابع في وضع الراحة الطبيعيّ ممّا يُقلّل حركة الأصابع ويزيد سرعة الكتابة ويُقلّل الإرهاك والتعب في المعصمين والأصابع. ورغم أنّ دراسات أوليّة أظهرت تفوّقًا ملحوظًا لترتيب دفوراك من حيث السرعة والراحة إلّا أنّه لم ينتشر بشكل واسع لأسباب عمليّة أهمّها أنّ ملايين المُطبعين كانوا قد أتقنوا ترتيب كيويرتي بالفعل ولم يرغبوا في إعادة التعلّم من الصفر والاستثمار في مهارات جديدة. كما أنّ الشركات المُصنّعة للآلات الكاتبة ثمّ الحواسيب كانت تُنتج لوحات كيويرتي حصريًّا ممّا جعل الانتقال إلى ترتيب دفوراك مكلفًا وغير عمليّ في بيئات العمل التي تعتمد على المعايير القياسيّة الموحّدة. وقد أُجريت دراسات لاحقة نفت بعض المزاعم المبالغ فيها حول تفوّق دفوراك وأكّدت أنّ الفارق في السرعة بين الترتيبين ليس كبيرًا كما أُشيع في البداية.

لوحة المفاتيح العربيّة

بالنسبة إلى اللغة العربيّة فإنّ ترتيب الأحرف على لوحة المفاتيح العربيّة يتبع منطقًا مختلفًا عن الترتيب الإنجليزيّ. فالأحرف العربيّة مُرتّبة على اللوحة وفق نظام يعتمد على تشابه أشكال الحروف العربيّة ومواضعها في الكلمة وليس وفق الترتيب الأبجديّ التقليديّ «أ ب ت ث...». فمثلًا تجد الأحرف المتشابهة في الرسم مثل «ب ت ث ن ي» متجاورة على نفس الصفّ لأنّها تتشارك في القاعدة البصريّة ذاتها وهذا يُساعد الدماغ على تذكّر مواضعها بسهولة أكبر. كما أنّ الترتيب يُراعي تكرار الحروف في اللغة العربيّة وتوزيعها على اليدين بشكل متوازن يُوفّر سلاسة في الكتابة رغم أنّه قد يبدو غير أبجديّ للوهلة الأولى. وقد طُرِحَت مقترحات عديدة لإعادة ترتيب الأحرف العربيّة على نحو أكثر كفاءة لكنّ الترتيب السائد ظلّ هو المعتمد في جميع الأجهزة والأنظمة المستخدمة حول العالم لأنّ المستخدمين ألفوه وأتقنوه على مرّ السنين.

تصاميم أخرى للوحات المفاتيح حول العالم

إلى جانب ترتيبي كيويرتي ودفوراك ظهرت تصاميم أخرى مُخصّصة للغات وثقافات مختلفة. فاللغات ذات الحروف غير اللاتينيّة كالروسيّة والكوريّة واليابانيّة والصينيّة لها ترتيبات خاصّة تُراعي بنيتها الصرفيّة والصوتيّة الفريدة. كما ظهرت لوحات مفاتيح مُخصّصة للمبرمجين تضع الرموز البرمجيّة الشائعة في مواقع أسهل وصولًا ولوحات مصغّصة للأطفال بترتيب أبجديّ مُبسّط. وفي السنوات الأخيرة شاع استخدام لوحات المفاتيح الميكانيكيّة التي تُتيح للمستخدم تخصيص ترتيب المفاتيح وتغييرها بحسب حاجاته الشخصيّة والمهنيّة ممّا أتاح فرصة لإعادة التفكير في ترتيب المفاتيح بشكل لم يكن ممكنًا في عصر الآلة الكاتبة القديمة.

هل يُمكن تغيير الترتيب مستقبلًا؟

مع تطوّر تقنيّات الإدخال الحديثة مثل الكتابة الصوتيّة والكتابة بالتمرير على شاشات الهواتف الذكيّة بدأت أهميّة ترتيب لوحة المفاتيح الفعليّ تتقلّص تدريجيًّا. فالهواتف الذكيّة تستخدم لوحات مفاتيح افتراضيّة تُمكّنك من التبديل بين ترتيبات مختلفة بنقرة واحدة. كما أنّ تقنيّات التنبّؤ بالكلمات والإكمال التلقائيّ جعلت الكتابة أسرع بكثير ممّا كانت عليه في عصر الآلة الكاتبة لأنّ المستخدم لا يحتاج إلى كتابة الكلمة كاملة بل يكفي أن يكتب أوائلها ويختار من الاقتراحات المعروضة. ومع ذلك فإنّ ترتيب كيويرتي يظلّ المعيار العالميّ السائد الذي لن يتغيّر بسهولة لأنّه أصبح جزءًا من ثقافتنا الرقميّة وعاداتنا اليوميّة المترسّخة عبر أجيال متعاقبة من المستخدمين حول العالم.

في النهاية نُدرك أنّ ترتيب لوحة المفاتيح ليس نتاج صدفة أو عشوائيّة بل هو حلّ هندسيّ عبقريّ لمشكلة ميكانيكيّة واجهها المخترعون في القرن التاسع عشر واستمرّ يخدم البشريّة لأكثر من قرن ونصف القرن. وهذا هو السبب الحقيقيّ وراء بقاء ترتيب كيويرتي رغم كلّ محاولات التغيير والتحسين على مدى الأعوام الطويلة الماضية.

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !