تحظى هذه الحشرة الصغيرة باهتمام العلماء والمزارعين ومحبي الطبيعة منذ آلاف السنين، فهي تنتج العسل والشمع وتؤدي دوراً حاسماً في تلقيح النباتات التي يعتمد عليها غذاء البشر. وفي هذا المقال نعرض النحل ،ومعلومات مدهشة عنه قد لا يعرفها كثيرون، ثم نتوسع في التعريف بأنواعه ودورة حياته وتنظيم طائفته ولغة التواصل بين أفرادها، ومنتجات الخلية، وتاريخ تربيته، والأخطار التي تهدده، مع إرشادات للتعامل مع اللسعات وأسئلة شائعة.
حقائق مدهشة عن حياة الخلية

وتستطيع مجموعة الشغالات التعرف على النحل المريض من خلال رائحته فتطرده بعيدا خارج الخلية وتأخذ أيضا النحل الميت خارج الخلية بعيد عن العسل، وهذه المجموعات النشيطة من النحل تقضي معظم وقتها في تنظيف الخلية ولأن النحل يتميز بدرجة عالية من النظافة فإنه لا يقضي حاجته أبدا داخل الخلية ولكنها تفعل ذلك أثناء الطيران مما قد تسبب في ما يسمى بالمطر الأصفر. تنوع مذهل يتجاوز نحلة العسل
حين يُذكر هذا الكائن يتبادر إلى الذهن غالباً نحل العسل الذي يعيش في خلايا يربيها الإنسان، لكن علماء الحشرات يقدرون أن هناك نحو عشرين ألف نوع موصوف من النحليات حول العالم. ومعظم هذه الأنواع لا تنتج العسل بكميات تُذكر، ولا تعيش في مستعمرات كبيرة، بل تعيش منفردة، فتبني كل أنثى عشها الخاص في التربة أو في سيقان النباتات أو في ثقوب الخشب.
نحل العسل
يُعرف علمياً باسم أبيس ميليفيرا، وهو النوع الأكثر انتشاراً في المناحل، وتنتمي إليه سلالات متعددة تكيفت مع بيئات مختلفة، ومنها سلالات محلية في الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر تتحمل الحرارة والجفاف.
الطنان والأنواع الانفرادية
الطنان كبير الحجم كثيف الشعر، يعيش في مستعمرات صغيرة، ويتميز بقدرته على التلقيح بالاهتزاز، وهي طريقة مفيدة لبعض المحاصيل كالطماطم. أما الأنواع الانفرادية فتلعب دوراً كبيراً في تلقيح النباتات البرية، رغم أن قليلاً من الناس ينتبهون إليها.
دورة الحياة
تمر نحلة العسل بأربعة أطوار هي البيضة واليرقة والعذراء ثم الحشرة الكاملة. تضع الملكة البيض في العيون السداسية، فتفقس يرقات بيضاء صغيرة تعتني بها الشغالات الحاضنة وتغذيها، ثم تُغلق العين بغطاء شمعي فتتحول اليرقة إلى عذراء، وبعد أيام تخرج الحشرة الكاملة. وتختلف مدة النمو بين الملكة والشغالة والذكر، فالملكة أسرعها نمواً والذكر أبطؤها. وتعيش الشغالة في موسم النشاط الصيفي بضعة أسابيع فقط بسبب الجهد الكبير الذي تبذله، بينما تعيش شغالات الشتاء مدة أطول، أما الملكة فقد تعيش سنوات.
كيف تتواصل الشغالات؟
اكتشف عالم الحيوان النمساوي كارل فون فريش أن الشغالات العائدة من رحلة جمع الغذاء تؤدي حركات منتظمة على سطح القرص تُعرف بالرقص. فالرقصة الدائرية تشير إلى مصدر قريب من الخلية، أما الرقصة الاهتزازية فتحمل معلومات عن اتجاه المصدر البعيد نسبة إلى موقع الشمس، وعن مسافته من خلال مدة الاهتزاز. وقد نال فون فريش جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء أو الطب عام 1973 بالاشتراك مع عالمين آخرين في سلوك الحيوان. وإلى جانب الرقص، تعتمد الطائفة على الفيرومونات، وهي مواد كيميائية تفرزها الملكة والشغالات لتنظيم السلوك وتنسيق الدفاع والتعرف على أفراد الخلية.
منتجات الخلية
- العسل: تجمع الشغالات الرحيق، وتضيف إليه إنزيمات، ثم تبخر معظم مائه بالتهوية بأجنحتها حتى يتركز، وتغلقه بالشمع لحفظه.
- الشمع: تفرزه غدد خاصة في بطن الشغالات الصغيرة، وتبني به الأقراص السداسية التي تخزن فيها العسل وتربي فيها الحضنة.
- العكبر: مادة صمغية تجمعها الشغالات من براعم الأشجار، وتستخدمها لسد الشقوق وتعقيم جدران الخلية.
- الغذاء الملكي: إفراز غني تتغذى عليه اليرقات الصغيرة في أيامها الأولى، وتتغذى عليه الملكة طوال حياتها.
- حبوب اللقاح: مصدر البروتين الأساسي للطائفة، وتحملها الشغالات في سلال صغيرة على أرجلها الخلفية.
ويُروَّج لبعض هذه المنتجات بوصفها علاجات لأمراض مختلفة، لكن المختصين ينبهون إلى أن كثيراً من هذه الادعاءات يحتاج إلى أدلة علمية أقوى، وأن من يعاني حساسية من منتجات الخلية ينبغي أن يستشير الطبيب قبل تناولها.
التطريد: كيف تتكاثر الطوائف؟
عندما تزدحم الخلية في موسم الوفرة، تربي الشغالات ملكات جديدة، ثم تغادر الملكة القديمة مع جزء كبير من الشغالات في سرب كثيف يبحث عن مسكن جديد، وهي الظاهرة المعروفة بالتطريد. ويتجمع السرب عادة على غصن شجرة أو جدار لفترة مؤقتة، بينما تخرج شغالات كشافة لتقييم المواقع المحتملة وتتواصل بالرقص حتى يتفق السرب على مكان واحد. ويكون السرب في هذه المرحلة هادئاً نسبياً، ومع ذلك يُنصح بعدم الاقتراب منه وطلب نحال مختص لنقله.
تاريخ تربية النحل
عرف الإنسان جمع العسل البري منذ عصور ما قبل التاريخ، وتُظهر رسوم صخرية قديمة مشاهد لجمعه من الأشجار والصخور. وكان المصريون القدماء من أوائل الشعوب التي ربت الطوائف في خلايا طينية، واستخدموا العسل في الطعام والطب والطقوس. وفي القرن التاسع عشر صمم القس الأمريكي لورنزو لانغستروث خلية ذات إطارات متحركة تراعي المسافة التي تتركها الشغالات بين الأقراص، فأصبح بالإمكان فحص الطائفة واستخراج العسل دون تدمير الأقراص، وما زال هذا التصميم أساس كثير من الخلايا الحديثة.
أخطار تهدد الطوائف
يشعر العلماء بالقلق من تراجع أعداد الملقحات في مناطق عدة من العالم، ويعزون ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة:
- حلم الفاروا، وهو طفيل يتغذى على الشغالات واليرقات وينقل إليها الفيروسات.
- بعض المبيدات الزراعية التي قد تؤثر في قدرة الشغالات على التوجه والعودة إلى الخلية.
- فقدان الموائل الطبيعية والمراعي المزهرة بسبب التوسع العمراني والزراعة الأحادية.
- التغيرات المناخية التي قد تُحدث خللاً في توقيت إزهار النباتات ونشاط الحشرات.
- الأمراض البكتيرية والفطرية التي تصيب الحضنة.
كيف نساعد الملقحات؟
يستطيع كل شخص المساهمة بزراعة نباتات مزهرة محلية في الحديقة أو الشرفة، وتقليل استخدام المبيدات، وتوفير مصدر ماء ضحل، وشراء العسل من نحالين محليين يتبعون ممارسات مسؤولة.
التعامل مع اللسعات
إذا تعرض شخص للسع، يُنصح بإزالة الإبرة بسرعة بكشطها بحافة بطاقة أو ظفر بدلاً من الضغط عليها، ثم غسل المكان ووضع كمادة باردة لتخفيف التورم. أما ظهور صعوبة في التنفس أو تورم الوجه والحلق أو الدوار بعد اللسع، فهي علامات قد تدل على حساسية شديدة تستوجب طلب الإسعاف فوراً.
مكانته في الثقافة العربية
احتل العسل مكانة رفيعة في الموروث العربي والإسلامي، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة تحمل اسم هذه الحشرة، وتغنى به الشعراء، وأوصى به الأطباء العرب القدامى في كتبهم. وتشتهر بعض المناطق العربية بأنواع مميزة منه، كعسل السدر في اليمن وحضرموت، وعسل الجبال في عُمان والسعودية، وعسل الزهور البرية في بلاد الشام. وما زالت تربية الخلايا مهنة متوارثة في كثير من القرى الجبلية، تجمع بين المعرفة التقليدية والأساليب الحديثة.
أسئلة شائعة
هل تموت النحلة بعد اللسع؟
شغالة نحل العسل تفقد غالباً إبرتها عند لسع الثدييات بسبب الأشواك الدقيقة فيها، فتموت بعد ذلك، أما الملكة وبعض الأنواع الأخرى فلا يحدث لها ذلك عادة.
لماذا يتبلور العسل؟
التبلور عملية طبيعية تحدث بسبب ارتفاع نسبة السكريات، خاصة الغلوكوز، ولا تعني أن العسل مغشوش، ويمكن إعادته إلى السيولة بتدفئته برفق في حمام مائي.
هل كل أنواعه تنتج العسل؟
لا، فمعظم الأنواع انفرادية ولا تخزن العسل بكميات كبيرة، ويقتصر الإنتاج التجاري على نحل العسل وعدد محدود من الأنواع الأخرى.
خلاصة
تكشف حياة هذه الحشرة عن عالم بالغ التعقيد والتنظيم، يبدأ من آلاف الأنواع المتنوعة، ويمر بدورة حياة دقيقة ولغة رقص فريدة ومنتجات متعددة الفوائد، وصولاً إلى دورها الحيوي في تلقيح المحاصيل. ومع تزايد الأخطار التي تهدد الطوائف، تصبح حمايتها مسؤولية مشتركة بين المزارعين والنحالين وكل من يحرص على مستقبل الغذاء والتنوع الحيوي.
.png)