
أغلبنا يتحسس من الغبار ويتضايق منه ويتعكر مزاجه بسببه ويظن أن الغبار لا يسبب إلا المشاكل مثل تدني الرؤية وتلوث الهواء وإثارة الحساسية والأمراض التنفسية. وذلك لأنه لا يعرف فائدة الغبار فالله عز وجل لا يخلق شيئا هكذا عبثا بل لكل مخلوق حكمة وفائدة حتى وإن خفي علينا وجهها. والغبار من الظواهر الطبيعية التي تبدو في ظاهرها مزعجة لكنها تحمل في باطنها من الفوائد ما لا يخطر على بال كثير من الناس. وفي هذا المقال نستكشف معا الجانب الخفي من الغبار وكيف أن هذه الحبيبات الدقيقة التي نتبرم منها هي في الحقيقة ركيزة أساسية في توازن الحياة على كوكب الأرض.
الغبار في مقدمة ابن خلدون
في مقدمة ابن خلدون ذكر أن الأرض بعد تقلب الفصول من فصل إلى فصل أي من الشتاء إلى الصيف تبدأ بلفظ أمراض وحشرات لو تركت لأهلكت العالم فيرسل الله الغبار فتقوم هذه الأتربة والغبار بقتلها. وهذا الكلام من ابن خلدون ليس مجرد استنتاج فكري بل هو ملاحظة دقيقة لواقع طبيعي يمكن التحقق منه. فمع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف تبدأ التربة الرطبة بتبخر الماء المخزون فيها وتتسرب الأمراض والكائنات الدقيقة التي كانت كامنة في أعماقها إلى السطح. وهنا يأتي دور الغبار كعامل تطهير طبيعي يقضي على هذه الكائنات الممرضة قبل أن تنتشر وتصيب البشر والحيوانات والنباتات. وتتراوح حجم حبة الرمل بحسب الحشرة فبعضها صغير يدخل عيونها وبعضها يدخل أنوفها وبعضها في جوفها وبعضها في أذانها ويميتها. وأيضا تلفظ الأرض الأمراض بعد الرطوبة خلال فصل الشتاء فلا يقتلها ويبيدها إلا الغبار فسبحان من بيده التدبير وله الحكمة البالغة سبحان الله.
الغباب وتشكيل السحب وسقوط الأمطار
من أعجب الفوائد التي لا يعرفها الكثيرون عن الغبار دوره المحوري في تشكيل السحب وسقوط الأمطار. فحبيبات الغبار التي تحملها الرياح إلى طبقات الجو العليا تعمل كنوى تكاثف يتكثف حولها بخار الماء الصاعد من المحيطات والبحار والأنهار مكونا قطرات الماء التي تتحد مع بعضها لتشكل السحب. وبدون هذه النوى من الغبار والملح والجسيمات الأخرى يبقى بخار الماء معلقا في الجو ولا يتكثف ليكون سحبا. وكلما زادت حبيبات الغبار في الجو زادت فرص تشكل السحب وبالتالي زيادة فرص الهطول. وهذا يعني أن المناطق الصحراوية التي يكثر فيها الغبار تساهم بشكل غير مباشر في تغذية مناطق أخرى بالأمطار. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن غبار الصحراء الكبرى في أفريقيا يسافر آلاف الكيلومترات عبر المحيط الأطلسي ويسهم في تغذية غابات الأمازون بالأمطار بل إن بعض هذا الغبار يصل إلى أوروبا ويسهم في تخصيب تربتها.
الغباب وتخصيب التربة
من الفوائد الخفية للغبار أنه يعمل كسماد طبيعي للتربة الزراعية. فحبيبات الغبار تحمل معها معدن الهيماتيت والفوسفور والبوتاسيوم والحديد ومغذيات نباتية أخرى تكون التربة الزراعية في أمس الحاجة إليها. وعندما تترسب هذه الحبيبات على الأراضي الزراعية فإنها تضيف طبقة رقيقة من المعادن الغذائية التي تمتصها جذور النباتات. ويقدر العلماء أن ملايين الأطنان من غبار الصحراء تترسب سنويا على مساحات شاسعة من الأرض بما في ذلك مناطق بعيدة جدا عن مصدر الغبار. فغبار صحراء Sahara الأفريقية على سبيل المثال يغذي غابات الأمطار في حوض الأمازون بالفوسفور الضروري لنمو الأشجار. وبدون هذا الغبار المتنقل كانت هذه الغابات ستعاني من نقص حاد في المغذيات لأن الأمطار الغزيرة تغسل المعادن من التربة باستمرار. وكذلك غبار الصحراء العربية يسهم في تخصيب ترب دول حوض البحر المتوسط وصولا إلى أوروبا الوسطى.
الغباب كمكافح طبيعي للآفات
كما ذكر ابن خلدون فإن الغبار يقتل الحشرات والأمراض التي تلفظها الأرض عند تقلب الفصول. وهذا يعني أن الغبار يعمل كمكافح طبيعي للآفات لا يحتاج إلى تكلفة أو تدخل بشري. فعندما تهب العواصف الرملية فإن الحبيبات الدقيقة تخترق أجسام الحشرات الصغيرة وتسد مسامها التنفسية وتدخل عيونها وأنوفها فتقضي عليها. وقد لاحظ المزارعون في المناطق الجافة أن مواسم العواصف الرملية يقل فيها انتشار الآفات الزراعية مقارنة بالمواسم الرطبة الهادئة. وهذا لا يعني أن الغبار يقضي على كل الحشرات فالطبيعة توازن بين الكائنات لكنه يحد من انتشار الآفات بشكل ملحوظ. كما أن الغبار يمتص الرطوبة الزائدة من الجو ويقلل من بيئة تكاثر الفطريات والبكتيريا المسببة لأمراض النباتات. وهذه الخاصية تجعل الغبار درعا واقيا طبيعيا للمحاصيل الزراعية في المناطق المعرضة للأوبئة الفطرية.
الغباب وتنظيم المناخ العالمي
يلعب الغبار دورا مهما في تنظيم مناخ الأرض عبر آليتين رئيسيتين: الأولى هي قدرته على عكس جزء من أشعة الشمس إلى الفضاء الخارجي مما يقلل من كمية الحرارة التي تصل إلى سطح الأرض وهذا ما يسمى بتأثير التبريد الإشعاعي. والثانية هي قدرته على امتصاص وإعادة إشعاع الحرارة الأرضية مما يسهم في تدفئة طبقات الجو العليا. وهاتان الآليتان المتعاكستان تجعلان الغبار عنصرا حاسما في التوازن الحراري لكوكبنا. وقد أظهرت الأبحاث أن العواصف الرملية الكبرى يمكن أن تخفض درجة حرارة سطح الأرض بمقدار درجات مئوية في المناطق المتأثرة بها. وبدون هذا التأثير المبرد كانت درجات الحرارة في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية ستكون أعلى مما هي عليه بكثير. كما أن الغبار يؤثر على نمط الرياح وتوزيع الضغط الجوي مما يؤثر بدوره على حركة الأمطار والمنخفضات الجوية حول العالم.
الغباب وبناء التربة عبر آلاف السنين
التربة الزراعية التي نعتمد عليها في زراعة غذائنا لم تتشكل بين عشية وضحاها بل هي نتاج عمليات طويلة يمتد بعضها لملايين السنين. والغبار أحد العوامل الرئيسية في بناء التربة عبر نقل الحبيبات الصخرية المفتتة من مكان إلى آخر حيث تترسب وتختلط بالمادة العضوية والماء لتشكل تربة جديدة خصبة. وتسمى هذه العملية بالترسيب الأيليولي وهي من أهم آليات تكون التربة على سطح الأرض. وبدون حركة الغبار والرمال بقيت الصخور المفتتة في مكانها ولم تتشكل التربة بالشكل الذي نعرفه اليوم. كما أن الغبار يسهم في تجديد التربة المتآكلة بإضافة طبقات جديدة من المعادن والمواد العضوية باستمرار. وهذا التجديد المستمر هو ما يجعل التربة الزراعية قادرة على الإنتاج سنة بعد سنة رغم الاستنزاف المستمر لمغذياتها.
الغباب وتغذية المحيطات
من المفاجآت العلمية الكبرى أن الغبار الصحراوي يغذي المحيطات أيضا. فالحديبات الدقيقة من الغبار التي تحملها الرياح وتسقط في المحيطات تحتوي على معدن الحديد الذي يعتبر المغذي المحدد الأساسي لنمو العوالق النباتية في أجزاء واسعة من المحيطات. والعوالق النباتية هي أساس السلسلة الغذائية البحرية وتنتج نصف الأكسجين الذي نتنفسه على سطح الأرض. وعندما يترسب غبار الصحراء الغني بالحديد على سطح المحيط يحدث ازدهار في نمو العوالق النباتية يسمى بالتزهر العوائلي وهذا الازدهار يغذي الأسماك والكائنات البحرية الأخرى ويدعم الثروة السمكية. وقد ربطت دراسات حديثة بين فترات الجفاف في شمال أفريقيا وزيادة تزهر العوالق في المحيط الأطلسي المجاور. وهذه العلاقة بين الغبار الصحراوي وإنتاجية المحيطات تكشف عن ترابط مذهل بين النظم البيئية البرية والبحرية.
الغباب وتطهير الجو من الملوثات
قد يبدو من المفارقات أن الغبار الذي يعتبره كثيرون ملوثا هو نفسه يعمل على تطهير الجو من ملوثات أخرى أكثر ضررا. فحبيبات الغبار لها قدرة على الالتصاق بالملوثات الغازية كأكاسيد النيتروجين وأكاسيد الكبريت والمركبات العضوية المتطايرة وتحويلها إلى جسيمات صلبة تترسب على الأرض بفعل الجاذبية أو تُغسل بمياه الأمطار. هذه العملية التي تسمى بالترسيب الجاف والرطب تحد من تركيز الملوثات الضارة في الهواء التي نتنفسه. والغبار أيضا يتفاعل مع بعض الملوثات كيميائيا فيعطل سميتها أو يقلل من قدرتها على التفاعل مع مكونات الجو الأخرى. وهذا لا يعني أن الغبار نفسه غير مضر على الإطلاق فالاستنشاق المستمر للغبار الدقيق يمكن أن يسبب أمراضا تنفسية لكن في التوازن العام يخدم الغبار وظيفة تنقية لا غنى عنها في دورة الجو الكيميائية.
الخلاصة: حكمة الله في الغبار
إذا تأملنا هذه الفوائد مجتمعة أدركنا أن الغبار الذي نراه مصدر إزعاج ومشاكل هو في حقيقته ركيزة أساسية من ركائز الحياة على الأرض. فهو الذي يسهم في تشكيل السحب وسقوط الأمطار وتخصيب التربة وتغذية المحيطات ومكافحة الآفات وتنظيم المناخ وبناء الترب الجديدة وتطهير الجو من الملوثات. وكل هذه الوظائف تتم بصمت وبدون تدخل بشري مما يثبت أن في كل مخلوق حكمة إلهية قد تخفى علينا في الظاهر لكنها تجلي لنا بالتأمل والبحث. قال تعالى: "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين". فالغباب كغيره من المخلوقات يسير وفق تقدير دقيق وحكمة بالغة لا يعلمها إلا خالقها سبحانه وتعالى.
.png)