
كل ام لديها طفل رضيع على الاغلب تستعمل بودرة الاطفال (التلك) إما اثناء تغيير الحفاضة او ترشها على ثنايا الجلد كالرقبة وتحت الابط وغيرها من المناطق، لكنها لا تعلم بالتاكيد مخاطر هذه البودرة التي تبدو بريئة في ظاهرها. فبودرة الاطفال كانت ولا تزال من أكثر المنتجات شيوعا في منازل الأسر التي لديها أطفال رضع، وتكاد لا تخلو خزانة أم من زجاجة من هذا المسحوق الأبيض الناعم الذي يُعتقد أنه يحمي بشرة الطفل ويرطبها ويمنع الاحمراك. لكن وراء هذا الاعتقاد الشائع تكمن حقائق مقلقة تستحق الوقوف عندها طويلا قبل الاستمرار في استخدام هذه المادة.
ما هي بودرة التلك وكيف تُصنع؟
بودرة التلك هي مسحوق ناعم مستخرج من معدن التلك الطبيعي وهو أحد المعادن الطينية الأكثر نعومة في العالم. ويُستخرج التلك من المناجم ثم يُطحن ويُعالج ليصبح المسحوق الأبيض الناعم الذي نعرفه. والمشكلة الكبرى أن معدن التلك في الطبيعة يوجد غالبا بالقرب من معدن الاسبستوس الذي يعد من أخطر المواد المسرطنة المعروفة. ورغم عمليات التنقية والمعالجة التي تُجرى على التلك قبل بيعه فإن الاحتمال يبقى قائما لتلوثه بآثار من الاسبستوس وهذا ما أكدته عدة دراسات مخبرية على عينات من بودرة الأطفال المتداولة في الأسواق. فالتلك النقي نظريا قد لا يكون ضارا بحد ذاته لكن التلوث المتبادل مع الاسبستوس أثناء التعدين والمعالجة يجعل كل عبوة بودرة أطفال قنبلة موقوتة قد تحمل في ثناياها نسبا ضئيلة لكن خطيرة من مادة مسرطنة.
الغرض الأساسي والاعتقاد الشائع
والغرض الاساسي من بودرة الاطفال هو علاج احمرار مقعدة الطفل الرضيع أو التهابها، وهو ما يُعرف طبيا بالتهاب الحفاضة. كما تستخدمها الأمهات لتقليل الاحتكاك في طيات الجلد وللحفاظ على جفاف البشرة وامتصاص الرطوبة الزائدة. لكن ما لا يعلمه كثير من الأمهات هو أن هذه البودرة من الممكن أن تلحق أضراراً برئتي الطفل نتيجة استنشاقه لهذه المادة أثناء تطاير غبارها في الهواء المحيط بالطفل. فالغبار الناعم الذي يتصاعد بمجرد فتح العبوة وتصويبها فوق جسم الطفل يتكون من جزيئات دقيقة جدا يمكنها الوصول إلى الأعماق داخل الرئتين والترسب في الحويصلات الهوائية مسببة تهيجا والتهابا مزمنا.
التلك والإسبستوس: تشابه مُقلق
وتكشف لنا الدراسات التي أُجريت على مدى عقود أن تركيب معدن التلك مُشابه لمادة الإسبستوس asbestos والتي من المعلوم أنها عامل مُسبب للسرطان بمختلف أنواعه. فكلا المادتين تنتميان إلى مجموعة السيليكات المعدنية ويتشابهان في البنية البلورية كثيرا مما يجعل الجسم البشري يتفاعل معهما بطرق متشابهة. وقد صنفت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان التلك الذي يحتوي على ألياف الاسبستوس كمادة مسرطنة من الدرجة الأولى بينما صنفت التلك الخالي من الاسبستوس كمادة غير قابلة للتصنيف من حيث سرطنته للبشر. ومع ذلك فإن هذا التصنيف لا يعني أن التلك الخالي من الاسبستوس آتم تماما لأن بعض الدراسات ربطته أيضا بزيادة مخاطر الإصابة بالسرطان وإن كان الدليل أقل وضوحا.
بودرة التلك وسرطان المبيض
ومن أخطر المخاطر المرتبطة ببودرة التلك خطورة عالية للإصابة بسرطان المبيض. فقد أظهرت عدة دراسات وبائية واسعة النطاق أن النساء اللواتي يستخدمن بودرة التلك في المنطقة التناسلية يواجهن زيادة ملحوظة في خطر الإصابة بسرطان المبيض مقارنة باللاتي لا يستخدمنها. وهذا النوع من السرطان من أخطر أنواع السرطان لأنه لا يظهر بشكل واضح في مراحله الأولى فلا يتم تشخيصه إلاّ عندما يصل لمراحل متقدمة يصعب علاجها. وتُقدر بعض الدراسات أن خطر الإصابة بسرطان المبيض يرتفع بنسبة تتراوح بين عشرين وثلاثين بالمئة لدى النساء اللواتي يستخدمن بودرة التلك بانتظام في المنطقة التناسلية. وقد أدت هذه الاكتشافات إلى آلاف الدعاوى القضائية ضد كبرى شركات إنتاج بودرة التلك في العالم التي اتُّهمت بإخفاء نتائج الأبحاث التي تثبت هذه المخاطر عن المستهلكين.
بودرة التلك وسرطان الرئة
ومما يقلق على حد سواء حقيقة أن بودرة التلك ارتبطت بسرطان الرئة وذلك عند استنشاقها على نحو متكرر. وهذا يعني أن روتين الأمهات اليومي برش أطفالهن ببودرة الأطفال دون حماية أو احتياطات يجعلهن وأطفالهن غير مدركات تماماً لخطر استنشاق هذه المادة الخطرة. فجزيئات التلك المُستنشقة تستقر في أنسجة الرئة وتُحدث تفاعلا التهابيا مزمنا ومع مرور الوقت يزداد احتمال تحول الخلايا المصابة إلى خلايا سرطانية. وقد لاحظ الباحثون أن العمال الذين يتعرضون للتلك في المناجم ومصانع المعالجة يعانون من معدلات أعلى من سرطان الرئة والأمراض الرئوية المزمنة مقارنة بعامة السكان وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول سلامة استخدام هذه المادة في المنازل.
وفيات الرضع بسبب الاستنشاق
وهناك حتى تقارير موثقة عن رضع يموتون من استنشاق كميات مفرطة من بودرة الأطفال التي تحتوي على بودرة التلك. فعندما تُرش البودرة مباشرة فوق جسم الطفل الرضيع أو قرب وجهه فإن السحابة المتطايرة من المسحوق الناعم يمكن أن تُستنشق بسرعة وتسد الممرات الهوائية الضيقة أصلا لدى الرضيع. وقد وثقت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها حالات وفاة لأطفال رضع نتجت عن اختناقهم بمسحوق التلك. وتزداد خطورة الاستنشاق لدى الأطفال المواليد حديثا والأطفال الذين يعانون من مشاكل تنفسية سابقة كالربو أو الحساسية. لذلك تحذر الجهات الصحية من استخدام بودرة التلك نهائيا حول وجه الطفل أو في منطقة الصدر وأنفه لأن كمية قليلة جدا قد تكون كافية لإحداث تلف رئوي خطير أو حتى الوفاة.
بودرة التلك وتهيج مقعدة الرضيع
وسبق وأن سمعنا أن بودرة التلك تُسبب الاحمرار والالتهابات بمقعدة الرضيع بدلا من أن تعالجها كما يعتقد كثير من الناس. فالتلك عندما يختلط بالرطوبة والعرق في منطقة الحفاضة يتحول إلى عجينة لزجة تلتصق بالبشرة وتسد المسام وتزيد من التهيج بدل أن تخففه. ولذلك يوصي الأطباء باستعمال كريم جروح يحتوي على مادة الزنك أو مادة البانثينيول لأن هذه المواد تشكل طبقة حماية فعالة على الجلد تحميه من الرطوبة والاحتكاك دون أن تسد المسام أو تسبب تفاعلات تحسسية. ومرهم أكسيد الزنك على وجه الخصوص يُعد من أكثر العلاجات فعالية وأمانا لالتهاب الحفاضة لدى الأطفال الرضع وقد أثبت فاعليته في عشرات الدراسات السريرية.
التحذيرات الدولية واستدعاءات المنتجات
لم تكن المخاطر الصحية لبودرة التلك سرا على الجهات التنظيمية الدولية. ففي عام الفين وتسعة عشر أمرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية باستدعاء عبوات بودرة التلك المنتجة من شركة جونسون آند جونسون إثر اكتشاف آثار من مادة الاسبستوس في عينات فُحصت مختبريا. وقد أصدرت كندا حظرا على استخدام بودرة التلك في مستحضرات التجميل بينما اتخذت الاتحاد الأوروبي إجراءات صارمة تحد من استخدام التلك في المنتجات المخصصة للأطفال. كما رفعت آلاف الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة ضد شركات إنتاج بودرة التلك وأسفرت بعضها عن أحكام قضائية بمليارات الدولارات كتعويضات للمصابات بسرطان المبيض اللواتي أثبتن أن استخدامهن لبودرة التلك كان سببا مباشرا في إصابتهن. كل هذه التطورات تدق ناقوس الخطر وتؤكد أن قضية بودرة التلك ليست مجرد هلع إعلامي بل هي مسألة صحة عامة تستجدي الوعي والحذر.
بدائل آمنة لبودرة التلك
لحسن الحظ توجد بدائل آمنة وفعالة يمكن للأمهات استخدامها بدلا من بودرة التلك. من أبرز هذه البدائل مسحوق نشا الذرة الذي يوفر نفس الإحساس الناعم والجاف دون المخاطر الصحية المرتبطة بالتلك. فنشا الذرة مادة طبيعية عضوية قابلة للتحلل الحيوي ولا تحتوي على ألياف معدنية ضارة ولا ترتبط بأي مخاطر سرطانية معروفة. وهناك أيضا مسحوق الأروروت المستخرج من جذور نبتة المارنتا الذي يمتلك خصائص امتصاص ممتازة للرطوبة وهو آمن تماما على بشرة الطفل. كما يمكن استخدام مسحوق دقيق الشوفان المطحون ناعما الذي يهدئ البشرة المتهيجة ويقلل الالتهابات بفضل خصائصه المضادة للأكسدة. والمهم عند اختيار أي بديل التأكد من خلوه من التلك تماما لأن بعض المنتجات المسوقة كبودرة أطفال لا تزال تحتوي على نسبة من التلك حتى مع وجود نشا الذرة فيها.
نصائح لمن لا تستغني عن البودرة
إذا كنت من الأمهات اللواتي يجدن صعوبة في التخلي عن استخدام البودرة تماما فإليك بعض الاحتياطات التي تقلل من المخاطر. أولا لا ترشي البودرة أبدا بالقرب من وجه الطفل أو في الهواء فوق جسمه مباشرة بل ضع كمية صغيرة منها في يدك أولا ثم وزعها بلطف على بشرة الطفل. ثانيا تأكدي من التهوية الجيدة في الغرفة عند استخدام البودرة. ثالثا أبعدي العبوة عن متناول الطفل لأنه قد يفتحها ويستنشق كمية كبيرة منها. رابعا تجنبي تماما استخدام البودرة في المنطقة التناسلية للإناث لأن هذا هو الاستخدام الأكثر ارتباطا بسرطان المبيض. خامسا إذا لاحظت أي أعراض تنفسية على طفلك كالسعال المتكرر أو صعوبة التنفس بعد استخدام البودرة توقفي عن استخدامها فورا واستشيري الطبيب. والأفضل دائما هو التحول إلى البدائل الآمنة كنشا الذرة والكريمات المرطبة بدلا من المخاطرة بصحة الطفل.
متى يجب استشارة الطبيب؟
هناك علامات وعوارض تستوجب مراجعة الطبيب فورا إذا ظهرت على الطفل بعد استخدام بودرة التلك. من أبرز هذه العلامات السعال المستمر الذي لا يزول والصفير عند التنفس وضيق النفس وتغير لون الشفتين أو الوجه إلى الأزرق. كما يجب مراجعة الطبيب إذا ظهر طفح جلدي شديد أو احمرار لا يستجيب للعلاجات المنزلية المعتادة لأن ذلك قد يدل على تحسس من مكونات البودرة. وعلى الصعيد الآخر إذا كنتِ امرأة استخدمتِ بودرة التلك لسنوات طويلة في المنطقة التناسلية فمن المهم إخبار طبيبك بذلك حتى يكون أكثر يقظة في فحوصات المسح المنتظمة لسرطان المبيض. فالكشف المبكر عن أي نوع من السرطان يزيد بشكل كبير من فرص الشفاء ويحسن نتائج العلاج.
الخلاصة: وعي يحفظ الصحة
في الختام، بودرة التلك كانت رفيقة الأسر لعقود طويلة لكن الأبحاث والدراسات الحديثة كشفت عن مخاطر جسيمة ترتبط باستخدامها بدءا من تهيج بشرة الطفل وصولا إلى مخاطر السرطان والوفاة. والأم الحريصة على صحة طفلها وصحتها هي التي تبحث عن البدائل الآمنة كنشا الذرة وكريمات أكسيد الزنك والبانثينيول وتتجنب تعريض طفلها لخطر استنشاق غبار التلك. فصحة الطفل وسلامته لا تساوم ولا تقبل المخاطرة بها مهما كانت العادات والتقاليد راسخة. والوعي بمخاطر بودرة التلك هو الخطوة الأولى نحو حماية أفضل لأطفالنا ونسائنا.
.png)