أضرار التنفس من الفم | مخاطر صحية يجب معرفتها

اضرار التنفس من الفم: مخاطر صحية يجهلها الكثيرون

خلق الله سبحانه وتعالى لكل عضو من اعضاء الانسان وظيفة محددة وخاصية فريدة يؤديها على أكمل وجه، والانف هو العضو الذي أودعه الله مهمة التنفس الطبيعي اذ يعمل على اخذ الشهيق وتصفية الهواء وتدفئته وترطيبه قبل وصوله الى الرئتين. لكن بعض الاشخاص يعتادون على التنفس من الفم بدلا من الانف سواء بسبب انسداد مزمن في المجرى التنفسي العلوي او بسبب عادات خاطئة ترسخت منذ الطفولة، وهذا السلوك يترتب عليه مضار صحية جسيمة تمتد من جفاف الفم والحنجرة الى تأثيرات خطيرة على القلب والدماغ والنمو عند الاطفال. في هذا المقال نستعرض بالتفصيل اضرار التنفس من الفم ونتائجه السلبية على مختلف اجهزة الجسم وطرق العلاج والوقاية.

اضرار التنفس من الفم على صحة الانسان

لماذا يعتبر الانف العضو الطبيعي للتنفس

الانف ليس مجرد ممر للهواء بل هو منظومة متكاملة للتنقية والمعالجة. فعندما يمر الهواء عبر الانف تقوم الشعيرات الدموية والاغشية المخاطية بتصفية الاتربة والغبار والملوثات الدقيقة كما يقوم الانف بتدفئة الهواء البارد قبل دخوله الى الرئتين وترطيبه بفضل الافرازات المخاطية. بالاضافة الى ذلك يحتوي الانف على مستقبلات عصبية مسؤولة عن حاسة الشم التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالجهاز العصبي المركزي وتلعب دورا في الانتباه والذاكرة. وعملية التنفس من الانف تسهم ايضا في انتاج غاز النتريك اكسيد الذي يعمل على توسيع الاوعية الدموية وتحسين تدفق الدم وتقليل ضغط الدم. كل هذه الوظائف تضيع تماما عندما يتحول الشخص الى التنفس من الفم.

الفرق بين التنفس من الانف والتنفس من الفم

عند التنفس الطبيعي من الانف يمر الهواء عبر مسار طويل ضيق نسبيا مما يبطئ عملية الشهيق والزفير ويسمح بتبادل غازي افضل في الحويصلات الرئوية لان الهواء يمكث فترة اطول في الرئتين. اما التنفس من الفم فهو سريع وسطحي ما يعني ان حجم الهواء المتداول اكبر لكن جودة التبادل الغازي اقل. كما ان الفم لا يملك اي الية لترطيب الهواء بشكل كاف ولا لتدفئته ولا لتصفيته مما يجعل الرئتين عرضة للهواء الجاف البارد والمحمل بالشوائب.

اضرار التنفس من الفم على الفم والحنجرة

جفاف الفم والانف والحنجرة

يعد جفاف الفم من ابرز الاضرار المباشرة للتنفس الفموي. فعندما يمر الهواء باستمرار عبر تجويف الفم يقوم بتبخير الرطوبة الطبيعية الموجودة في الغشاء المخاطي للفم واللسان والحنجرة. هذا الجفاف المستمر يؤدي الى الشعور الدائم بالعطش وعدم الراحة في الفم كما يقلل من افراز اللعاب الذي يلعب دورا حاسما في حماية الاسنان من التسوس وتنظيف الفم من البكتيريا وتسهيل عملية البلع والهضم. وجفاف الحنجرة بدوره يسبب بحة في الصوت والتهابات متكررة في الحبال الصوتية قد تتحول مع الوقت الى تلف دائم اذا لم يتم علاج السبب الاساسي وهو التنفس من الفم.

رائحة الفم الكريهة

التنفس من الفم يسبب جفافا يقلل من انتاج اللعاب الذي يعمل كمطهر طبيعي للفم. وعندما ينخفض معدل اللعاب تتكاثر البكتيريا اللاهوائية في الفم وتحلل بقايا الطعام والخلايا الميتة منتجة مركبات كبريتية طيارة هي المسؤولة عن الرائحة الكريهة. هذه الحالة المعروفة بالتهاب الفم الكريه الرائحة تصبح مزمنة عند من يتنفسون من الفم بشكل معتاد ويصعب التخلص منها بوسائل نظافة الفم العادية وحدها ما لم يتم تصحيح طريقة التنفس نفسها.

اجهاد الاحبال الصوتية

الاحبال الصوتية تحتاج الى بيئة رطبة ودافئة لتعمل بشكل طبيعي وعندما يمر الهواء الجاف عبر الحنجرة باستمرار تفقد الاحبال الصوتية مرونتها وترطيبها مما يؤدي الى اجهادها بشكل كبير. يظهر ذلك على شكل بحة مستمرة في الصوت وتعب سريع عند الكلام لفترات طويلة وصعوبة في رفع الصوت. ومع الاستمرار في التنفس الفموي قد تتطور الحالة الى التهاب مزمن في الحبال الصوتية او حتى تكون عقد صوتية تحتاج الى تدخل طبي.

اضرار التنفس من الفم على الجهاز الهضمي

دخول الهواء الى المعدة وانتفاخها

عند التنفس من الفم يدخل كمية كبيرة من الهواء الى المعدة بشكل غير ارادي خاصة اثناء الاكل والشرب. هذه الظاهرة المعروفة بالبلع الهوائي تؤدي الى انتفاخ البطن والشعور بالامتلاء والغازات المؤلمة. ومع تكرار الحالة يصبح الشخص عرضة لعسر الهضم والارتجاع المريئي والام متكررة في المنطقة العلوية من البطن. كما ان دخول كميات كبيرة من الهواء يضغط على المعدة ويعيق حركتها الطبيعية مما يؤخر عملية الهضم ويقلل من كفاءة امتصاص المواد الغذائية.

اضرار التنفس من الفم على الجهاز التنفسي

دخول الاتربة الى الشعب الهوائية

الانف يعمل كفلتر طبيعي يحجز الاتربة والغبار والملوثات والمواد المسببة للحساسية قبل وصولها الى الرئتين اما الفم فلا يملك اي حاجز وقائي. لذلك فان التنفس من الفم يسمح بدخول الجسيمات الدقيقة والملوثات مباشرة الى الشعب الهوائية مما يزيد من خطر الاصابة بالتهابات الجهاز التنفسي والربو وحساسية الصدر. الاطفال الذين يتنفسون من الفم بشكل مزمن يكونون اكثر عرضة للالتهابات الرئوية المتكررة والتهابات الجيوب الانفية.

وصول الهواء للرئتين باردا دون تدفئة

احد اهم وظائف الانف هي تدفئة الهواء قبل دخوله الى الرئتين فالهواء البارد اذا وصل مباشرة الى الشعب الهوائية يؤدي الى تقبضها وانقباضها مما يضيق المجرى التنفسي ويسبب الكحة المتكررة واحتجاز كميات كبيرة من البلغم داخل الشعب الهوائية. هذه الحالة تشبه ما يحدث عند التعرض لهواء بارد فجاة حيث يلاحظ الشخص ضيقا في التنفس وسعالا متواصلا. ومع تكرار التعرض يصبح التقبض مزمنا وتزيد كمية البلغم المتراكم مما يهيء بيئة مناسبة لتكاثر البكتيريا وتطور التهابات مزمنة في الشعب الهوائية.

عدم تهوية الرئتين بشكل جيد

كما ذكرنا سابقا فان التنفس من الفم يكون سريعا وسطحيا ما يعني ان الحويصلات الرئوية السفلية لا تتهوى بشكل كاف. في التنفس الانفي يبقى الهواء فترة اطول في الرئتين مما يسمح بتبادل غازي افضل بين الاوكسجين وثاني اكسيد الكربون اما التنفس الفموي فيقلل من كفاءة هذا التبادل فيحرم انسجة الجسم من الحصول على كفايتها من الاوكسجين ويتجمع ثاني اكسيد الكربون بنسب اعلى من المطلوب في الدم.

اضرار التنفس من الفم على النوم

صعوبة النوم والشخير وتوقف النفس

من اخطر اضرار التنفس من الفم تأثيره على جودة النوم. فالشخص الذي يتنفس من الفم اثناء النوم يعاني من الشخير المرتفع بسبب اهتزاز الانسجة الرخوة في الحلق عند مرور الهواء عبر الفم المفتوح. والاشد خطورة هو انقطاع النفس اثناء النوم وهو توقف مؤقت عن التنفس يستمر لعشر ثوان او اكثر ويتكرر عشرات المرات في الليلة الواحدة. كل توقف يؤدي الى انخفاض حاد في مستوى الاوكسجين في الدم مما يوقظ الدماغ جزئيا لاستئناف التنفس وهذا يمنع الشخص من الوصول الى مراحل النوم العميق والمريح. النتيجة هي استيقاظ متكرر وشعور بالارهاق والتعب طوال اليوم حتى بعد قضاء ساعات طويلة في الفراش.

اضرار التنفس من الفم على القلب والدورة الدموية

ارتفاع ضغط الدم

التنفس من الفم يرفع من ضغط الدم عبر عدة اليات. اولا يقلل من انتاج اكسيد النتريك الذي يفرزه الانف ويعمل على توسيع الاوعية الدموية وبالتالي عند غيابه تتقلص الاوعية ويرتفع الضغط. ثانيا ان انقطاع النفس اثناء النوم الذي يرافق التنفس الفموي يسبب افراز هرمونات التوتر كالادرينالين والكورتيزول بشكل متكرر مما يرفع ضغط الدم بشكل مزمن. ثالثا نقص الاوكسجين المزمن الناتج عن سوء التهوية الرئوية يضطر القلب للعمل بقوة اكبر لضخ الدم المحمل بالقليل من الاوكسجين مما يزيد العبء على عضلة القلب ويرفع الضغط ايضا.

اضرار التنفس من الفم على الدم

زيادة حموضة الدم

التنفس الفموي السريع والسطحي يؤدي الى افراز كميات زائدة من ثاني اكسيد الكربون من الرئتين بشكل يفوق ما ينتجه الجسم وهذا يقلل من تركيز ثاني اكسيد الكربون في الدم مما يجعل الدم اكثر قلوية وهي حالة تعرف بالقلاء التنفسي. هذه الحالة تؤثر على التوازن الحمضي القلوي في الدم وهو توازن دقيق لازم لعمل جميع انزيمات الجسم والعمليات الحيوية بشكل سليم واي خلل فيه يؤثر على وظائف الكلى والعضلات والجهاز العصبي.

انخفاض الاوكسجين وفقر الدم وبطء النمو

التنفس من الفم يقلل من كمية الاوكسجين التي تصل الى الدم مقارنة بالتنفس الانفي وذلك بسبب ضعف التهوية الرئوية. انخفاض الاوكسجين المزمن يؤدي الى ما يعرف بنقص الاكسجة المزمن الذي يجبر الجسم على زيادة انتاج كريات الدم الحمراء لتعويض النقص وهو ما قد يبدو كنتيجة ايجابية لكنه في الحقيقة يشكل عبئا على القلب والاوعية الدموية. وعند الاطفال تحديدا يؤدي نقص الاوكسجين المزمن الى بطء النمو الجسدي وتأخر النمو الادراكي وضعف التركيز وتأخر الذكاء والتحصيل الدراسي لان الدماغ يحتاج الى كميات كبيرة ومستمرة من الاوكسجين لتطوير بنيته ووظائفه.

اضرار التنفس من الفم على الاسنان والفكين

بروز اللسان والاسنان وتشوه الفكين

عند التنفس من الفم ينخفض وضع اللسان الى اسفل الفم بدلا من ان يستقر في سقف الحنك وهذا التغيير في وضعية اللسان يؤدي على المدى الطويل الى تشوهات في شكل الفكين. الفك العلوي لا يتطور بالعرض بشكل طبيعي بسبب غياب ضغط اللسان على الحنك فيصبح ضيقا ومقببا والفك السفلي يميل للخلف مما يسبب سوء اطباق الاسنان وبروزها الى الامام. كما يبرز اللسان بشكل ملحوظ ويصبح من الصعب اغلاق الفم بشكل طبيعي وميلان الراس الى الخلف محاولة لفتح المجري التنفسي اكثر. هذه التشوهات تسمى متلازمة وجه التنفس الفموي وهي شائعة عند الاطفال الذين يعانون من تضخم اللوزتين او الزوائد الانفية وتحتاج الى تدخل تقويمي وتجويفي مبكر لتجنب تفاقمها.

اضرار التنفس من الفم على الاداء الذهني والبدني

الكسل وبطء الاداء

نقص الاوكسجين المزمن الناتج عن التنفس الفموي يؤثر بشكل مباشر على طاقة الجسم ونشاطه. الخلايا تحتاج الى الاوكسجين لانتاج الطاقة عبر عملية الفسفرة التأكسدية في الميتوكوندريا وعندما ينخفض مستوى الاوكسجين تقل الطاقة المنتجة مما يشعر الشخص بالكسل والخمول وضعف الاداء البدني والذهني. الاطفال الذين يتنفسون من الفم غالبا ما يكونون اقل نشاطا من اقرانهم ويعانون من صعوبة التركيز في المدرسة وضعف التحصيل الاكاديمي. البالغون ايضا يشعرون بالتعب المستمر وضعف الانتاجية في العمل حتى بعد نوم كاف بسبب عدم جودة النوم المرتبط بالتنفس الفموي.

اسباب التنفس من الفم

انسداد المجرى التنفسي الانفي

السبب الاكثر شيوعا للتنفس من الفم هو انسداد المجرى التنفسي الانفي الذي قد يكون ناجما عن عدة عوامل منها التهاب الجيوب الانفية المزمن وتضخم الزوائد الانفية خاصة عند الاطفال وانحراف الحاجز الانفي وتضخم القرنيات الانفية السفلية والتهابات الحساسية الموسمية او الدائمة والاورام الحميدة في الانف. في هذه الحالات يضطر الشخص للتنفس من الفم لان الانف لا يستطيع تمرير كمية كافية من الهواء.

العادات الخاطئة المكتسبة

بعض الاشخاص يتعلمون التنفس من الفم منذ الطفولة نتيجة عادات خاطئة مثل مص الاصبع او استخدام المصاصة لفترات طويلة او الشفاه المفتوحة باستمرار. ومع مرور الوقت يصبح التنفس من الفم عادة لاشعورية يصعب التخلص منها حتى بعد زوال السبب الاصلي.

كيفية علاج التنفس من الفم

علاج السبب الاساسي

الخطوة الاولى في علاج التنفس الفموي هي معالجة السبب الذي ادى اليه. اذا كان الانسداد ناجما عن تضخم الزوائد الانفية فقد يحتاج المريض الى استئصالها جراحيا. واذا كان بسبب انحراف الحاجز الانفي فالجراحة التصحيحية هي الحل. واذا كان السبب حساسية انفية فيجب السيطرة عليها بالادوية المناسبة مثل بخاخات الكورتيكوستيرويد ومضادات الهيستامين وتجنب المحفزات. اذا كان تضخم اللوزتين هو السبب خاصة عند الاطفال فقد يوصى باستئصالها لفتح المجري التنفسي.

تمارين اعادة تاهيل التنفس

بعد علاج السبب التشريحي او بالتوازي معه ينبغي اجراء تمارين لاعادة تدريب عضلات الفم واللسان على الوضعية الصحيحة. من اهم هذه التمارين وضع اللسان على سقف الحنك والضغط عليه لعدة ثوان ثم الارتخاء وتكرار التمرين عشرين مرة يوميا. كذلك تمرين اغلاق الفم والتنفس من الانف لفترات متزايدة تدريجيا مع مراقبة النفس. وهناك ايضا اجهزة تقويمية تساعد على تصحيح وضعية اللسان والفك اثناء النوم مثل الشرائط اللاصقة التي تغلق الفم برفق والواقيات الفموية المصممة لاجبار الشخص على التنفس من الانف.

العلاج التقويمي للفكين

في الحالات التي سببت فيها عادة التنفس الفموي تشوهات في الفكين والاسنان يكون التدخل التقويمي ضروريا. يعمل اخصائي تقويم الاسنان على توسيع الحنك وتصحيح الاطباق واعادة وضعية الاسنان الى وضعها الطبيعي. هذا العلاج يكون اكثر فاعلية اذا بدأ في سن مبكرة قبل اكتمال نمو الفكين لان العظام تكون اكثر استجابة للتعديل في مرحلة الطفولة والمراهقة.

نصائح للوقاية من التنفس من الفم

الوقاية تبدأ منذ الطفولة المبكرة بملاحظة طريقة تنفس الطفل والتأكد من انه يتنفس من انفه بشكل طبيعي. يجب مراجعة طبيب الانف والاذن والحنجرة عند ملاحظة اي علامات تدل على التنفس الفموي مثل الشخير اثناء النوم او الفم المفتوح باستمرار او التهابات الجيوب الانفية المتكررة. كما ينبغي معالجة الحساسية الانفية بشكل مبكر ومنع تطورها الى انسداد مزمن. الحفاظ على نظافة الانف بالغسل بمحلول ملحي يساعد في ابقاء المجرى التنفسي الانفي مفتوحا. وممارسة تمارين التنفس الانفي بانتظام تساهم في تقوية العادة الصحيحة وتجنب العودة الى التنفس الفموي.

الخلاصة

اضرار التنفس من الفم كثيرة ومتشعبة ولا تقتصر على عضو واحد بل تمتد لتشمل الجهاز التنفسي والهضمي والقلب والدماغ والاسنان والفكين وحتى النمو الذهني والبدني عند الاطفال. التنفس من الانف ليس مجرد طريقة طبيعية بل هو نظام حماية وصيانة متكامل صممه الخالق سبحانه لضمان وصول الهواء نقيا ودافئا ورطبا الى الرئتين وتحقيق افضل تبادل غازي في الجسم. لذلك فان اي انحراف عن هذه الطريقة الطبيعية يجب اخذه بجدية ومعالجته في وقت مبكر لتجنيب الجسم الاضرار التراكمية التي قد يصعب علاجها لاحقا.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !