يكثر الحديث عن اطعمة مسرطنة يجب تجنبها، وتنتشر قوائم كثيرة على الإنترنت بعضها يستند إلى أبحاث علمية وبعضها يقوم على مبالغات. ولأن السرطان مرض معقد تتداخل في نشأته عوامل وراثية وبيئية وسلوكية، فمن المهم فهم العلاقة بين الغذاء والمرض بطريقة متوازنة بعيدة عن التهويل.
بعد عرض قائمة الأطعمة كما وردت، نوضح كيف تصنف الجهات العلمية المواد المسرطنة، ونتحدث عن المركبات التي تتكون أثناء الطهي، ونصحح بعض المعلومات، ونقدم نصائح عملية لنظام غذائي يقلل المخاطر، مع التأكيد على أهمية استشارة الطبيب.
أطعمة يُنصح بالتقليل منها

كيف تصنف المواد المسرطنة؟
تتولى الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية تقييم المواد والعوامل المختلفة، وتصنفها في مجموعات بحسب قوة الأدلة على قدرتها على التسبب في السرطان، لا بحسب درجة خطورتها. ومن المهم فهم هذا الفرق:
- المجموعة الأولى: عوامل ثبت بأدلة كافية أنها مسرطنة للإنسان، ومنها التبغ والكحول، وأدرجت فيها أيضًا اللحوم المصنعة كالنقانق واللحوم المقددة والمدخنة.
- المجموعة 2أ: عوامل يُحتمل أنها مسرطنة، وتضم اللحوم الحمراء، ومادة الأكريلاميد التي تتكون في بعض الأطعمة النشوية عند قليها أو تحميصها بحرارة عالية.
- المجموعة 2ب: عوامل يُحتمل بدرجة أقل أن تكون مسرطنة، والأدلة عليها محدودة.
- المجموعة الثالثة: عوامل لا يمكن تصنيفها لعدم كفاية الأدلة.
ووجود اللحوم المصنعة والتبغ في المجموعة نفسها لا يعني أنهما بالخطورة ذاتها، بل يعني أن الأدلة على العلاقة قوية في الحالتين، بينما يختلف حجم الخطر كثيرًا.
مركبات تتكون أثناء الطهي
الأكريلاميد
يتكون عند قلي أو خبز أو تحميص الأطعمة الغنية بالنشا كالبطاطا والخبز بدرجات حرارة مرتفعة، ويزيد كلما ازداد لون الطعام قتامة. ولهذا تنصح بعض الهيئات الصحية بالطهي حتى اللون الذهبي الفاتح بدل البني الداكن، وبعدم حفظ البطاطا النيئة في الثلاجة قبل قليها.
مركبات الشواء والتدخين
عند شواء اللحوم على اللهب المباشر أو طهيها بحرارة عالية جدًا تتكون مركبات تسمى الأمينات الحلقية غير المتجانسة، وعندما يتساقط الدهن على الجمر يتصاعد دخان يحمل مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات. وتشير الدراسات المخبرية إلى أن هذه المركبات قد تضر بالمادة الوراثية للخلايا. ويمكن تقليلها بتقطيع اللحم قطعًا صغيرة، وتتبيله مسبقًا، وتجنب تفحمه، وإزالة الأجزاء المحترقة.
النتريت والنترات
تضاف إلى اللحوم المصنعة لحفظها وإعطائها اللون الوردي، ويمكن أن تتحول في ظروف معينة إلى مركبات تسمى النيتروزامينات، ويُعتقد أنها من أسباب ارتباط هذه اللحوم بسرطان القولون والمستقيم.
تصويب بعض المعلومات المتداولة
- الزيوت المهدرجة: الضرر الأوضح المثبت للدهون المتحولة الناتجة عن الهدرجة الجزئية يتعلق بأمراض القلب والشرايين، وقد اتجهت دول كثيرة إلى تقييدها أو منعها في الأغذية. أما الربط المباشر بين زيوت أوميغا 6 والسرطان فلا تؤيده الأدلة الحالية بشكل قاطع، والأهم هو الاعتدال في الدهون عمومًا وتنويع مصادرها.
- الفشار المعد في الميكروويف: تركزت المخاوف على بعض المواد الكيميائية في تبطين الأكياس ومواد النكهة الصناعية، وقد استبعدت كثير من الشركات بعض هذه المواد. ويمكن ببساطة تحضير الفشار في وعاء على النار بكمية قليلة من الزيت.
- السرطان والغذاء: الغذاء عامل واحد من عوامل كثيرة، ولا يمكن القول إن السرطان ينتج في الأغلب عن الطعام وحده؛ فالتدخين والعدوى المزمنة والتعرض للإشعاع والوراثة والسمنة وقلة النشاط كلها عوامل مهمة.
أطعمة ترتبط بصحة أفضل
تشير الأبحاث الوبائية إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات ترتبط بانخفاض خطر بعض أنواع السرطان، خاصة سرطان القولون، ويُعتقد أن للألياف دورًا في ذلك. كما يرتبط الحفاظ على وزن صحي بانخفاض خطر عدة أنواع من السرطان. ومن العادات المفيدة:
- ملء نصف الطبق بالخضروات والفواكه المتنوعة الألوان.
- اختيار الخبز والأرز من الحبوب الكاملة.
- الاعتماد على البقوليات والأسماك والدواجن كمصادر للبروتين بدل الإكثار من اللحوم الحمراء.
- التقليل من اللحوم المصنعة قدر الإمكان.
- الحد من الملح والأطعمة شديدة الملوحة والمخللات المصنعة.
- التقليل من المشروبات المحلاة والوجبات السريعة.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
قراءة الأخبار الصحية بوعي
تنتشر عناوين مثيرة عن أطعمة تسبب السرطان أو تشفي منه، وكثير منها يعتمد على دراسة واحدة صغيرة أو تجربة على الحيوانات. ولذلك يحسن الرجوع إلى مواقع الهيئات الصحية الرسمية، والانتباه إلى أن زيادة الخطر بنسبة معينة تعني تغيرًا نسبيًا قد يكون صغيرًا في الأرقام الفعلية، وعدم تغيير النظام الغذائي جذريًا بناءً على خبر منفرد.
طرق طهي أكثر أمانًا
- الطهي بالبخار أو السلق أو الخبز في الفرن بحرارة معتدلة.
- عدم إعادة استخدام زيت القلي مرات كثيرة.
- تجنب تفحم الخبز والبطاطا واللحوم.
- تخزين الحبوب والمكسرات في مكان جاف لتجنب نمو الفطريات التي قد تنتج سمومًا ضارة.
الملح والأطعمة المحفوظة
أشار المقال إلى ارتفاع معدلات سرطان المعدة في بعض البلدان التي يكثر فيها تناول الأطعمة المملحة والمدخنة. وتؤيد الأبحاث وجود علاقة بين الإكثار من الأطعمة المحفوظة بالملح وارتفاع خطر هذا النوع من السرطان، وقد يكون للملح دور في إضعاف بطانة المعدة وتسهيل أثر عوامل أخرى. ومن هذه العوامل عدوى بكتيريا تسمى الملوية البوابية، وهي من الأسباب المعروفة لالتهاب المعدة وقرحتها، وترتبط بزيادة خطر سرطان المعدة، ويمكن تشخيصها وعلاجها بإشراف الطبيب. ويرى بعض الباحثين أن انتشار الثلاجات في المنازل وتراجع الاعتماد على التمليح للحفظ أسهم في انخفاض معدلات هذا السرطان في دول كثيرة خلال القرن العشرين.
الوقاية الشاملة
لا تكتمل الوقاية من السرطان بالغذاء وحده، فالامتناع عن التدخين من أهم الخطوات، إلى جانب الحماية من أشعة الشمس، والحصول على اللقاحات الموصى بها ضد بعض أنواع العدوى المرتبطة بالسرطان، وإجراء الفحوص الدورية للكشف المبكر بحسب العمر والتاريخ العائلي، وفق ما يوصي به الطبيب.
أسئلة شائعة
هل تناول اللحوم المصنعة مرة واحدة يسبب السرطان؟
لا، فالخطر يرتبط بالاستهلاك المنتظم على المدى الطويل، ولذلك يُنصح بالتقليل منها لا بالخوف من تناولها في مناسبة عابرة.
هل الطعام المشوي مضر دائمًا؟
يمكن تقليل المركبات الضارة بتجنب التفحم وتقليل مدة التعرض للهب المباشر، والاعتدال في تناوله.
هل توجد أطعمة تمنع السرطان تمامًا؟
لا يوجد طعام يمنع السرطان بشكل مؤكد، لكن النمط الغذائي المتوازن ضمن حياة صحية يقلل المخاطر بحسب الأدلة المتاحة.
خلاصة
بعض الأطعمة وطرق الطهي ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالسرطان، أبرزها اللحوم المصنعة والإكثار من اللحوم الحمراء والأطعمة المتفحمة، لكن الخطر يتعلق بالكمية والاستمرار. والاعتدال والتنويع والطهي الصحي والامتناع عن التدخين واستشارة الطبيب في الفحوص الدورية هي الطريق الأكثر واقعية للوقاية.
.png)