لماذا تغرد الطيور عند الفجر؟!

يستيقظ كثير منا في أيام الربيع على سيمفونية من الأصوات المتداخلة قبيل شروق الشمس، حيث تتسابق العصافير في التغريد وكأنها تحتفل بقدوم يوم جديد. وقد شغل سؤال لماذا تغرد الطيور عند الفجر علماء الطيور طويلا، فهذه الظاهرة التي يسمونها كورس الفجر تخفي وراءها أسرارا تتعلق بالتكاثر والصراع على المناطق وفيزياء الصوت.

بعد الحديث عن دور التغريد في التزاوج وتحديد مناطق الأعشاش، نتناول في هذا المقال الفرضيات العلمية التي تفسر اختيار الفجر تحديدا، ونشرح كيف تُصدر الطيور أصواتها، والفرق بين التغريد والنداء، وكيف تتعلم الطيور الصغيرة أغانيها، وأثر المدن والضوضاء والإضاءة الليلية على هذا السلوك.

التغريد والتزاوج والدفاع عن الأعشاش

طالما اعتقد الناس أن تغريد الطيور عند الفجر هو لإسعاد البشر . لكن العلم قضى على هذه الخرافة . حيث أصبحنا نعرف أن تغريد الصباح هو السيطرة على المكان ورمز الجنس أيضا . إن مزيج الأصوات الجميلة التي تصدر عند الفجر في مواسم التزاوج هو نتيجة مناجاة ذكور الطيور للإناث . وتندرج النغمات بين صوت من مقطع واحد وصوت معقد من طبقات ونغمات متعددة ، وتتناغم الأصوات بقوة وجمال لدرجة أنها تكون محببة للأذن البشرية.


تغريد الطيور عند الفجر وتفسيره العلميويمتاز تغريد الطيور في فجر أيام الربيع بأنه دليل على قيام الذكور بإنشاء مناطق الأعشاش ، حيث تتصرف بطريقة رائعة وقوية لتعلن وجودها في منطقة معينة . وتصدح أصواتها في السماء قبل فصل التزاوج وخلاله ، ثم تخف تدريجيا عندما تفقس الصغار وتهدأ تدريجيا عندما تكبر الصغار وتهجر المنطقة .

ويتمكن ذكر الطير، في فصل التزاوج من بذل جهد هائل خلال تغريده وقد أشار أحد علماء الطيور خلال بحثه في عادات طير "الصغنج" وهو طير مغرد ، أن الطير الواحد من هذا النوع يغرد أكثر من 2300 أغنية في اليوم الواحد ، وما أن يتم تأسيس منطقة الأعشاش ، حتى تبدأ الإناث المهتمة بالتزاوج بالوصول ، عندها يبدأ الذكر باستعراضه الصوتي والجسدي لإقناع الأنثى التي أعجبته.

وقد تدوم هذه المرحلة أيام عدة قبل أن تقبل الأنثى ويبدأ التزاوج فعليا وقد يعمد الذكر الى العنف أحيانا لإبعاد خصومه عن منطقته . لكن لحسن الحظ ، وعلى الرغم من كل الظروف يتم التزاوج ، ويدوم هذا الرباط مدة فصل واحد عند بعض الطيور ، لكن بعض الطيور الكبيرة ، كالبجع مثلا ، تستمر مع الشريك نفسه طوال الحياة.

ويشير العلماء الى أن %90 من الطيور المغردة أحادية الزواج، أي أنها تبقى مع شريك واحد ، لكن بعض الأنواع الأخرى متعددة الزواج ، حيث يتزاوج الذكر مع اكثر من أنثى (2 أو اكثر)، أو تقوم الأنثى بالتزاوج من ذكرين أو اكثر . وتشير الأبحاث الى أن أجمل تغار يد الفجر هي الصادرة عن ذكور الطيور التي تمارس هذا النوع من الخداع . فتغريد طير الشادي "الهازج" مثلا – وهو نوع مهاجر ، فصل التزاوج عنده قصير – غير عادي ومتنوع تبعا لما يقوم به من نشاط . فحين يكون الطير وحيدا ، يبحث عن أنثى ، يغرد بشكل أغاني طويلة هادئة ليجذبها ، وما أن يؤمن قبول الأنثى بالتزاوج ، حتى يبدأ يغرد أغاني الحب والدفاع عن العش ، القصيرة المختصرة . إلا أن ، الأنواع المتعددة الازاوج منه ، وحين يرغب الذكر بجذب أنثى أخرى ، يبدأ بالتحرك الى أقصى حدود منطقته ، بحيث يبتعد قدر الإمكان عن عش أنثاه الأولى . ويبدأ مرة ثانية بالتغريد المعقد الطويل . حتى تظن أي أنثى مارة بالصدفة انه مازال وحيدا وانه يملك موقعا جيدا لبناء العش .

لكن عادة ما يكون الخداع مزدوجا من الطرفين ، فحين يعود الذكر الى أنثاه الأولى ، قد يجد ذكرا آخر قد حل مكانه . وتقوم الطيور صائدة الذباب وعصافير الدوري بحركات الخداع نفسها التي ذكرناها سابقا . والعصافير الثانية ليست معروفة بتغريدها المفرح ، بل تشتهر بصوتها الرتيب الذي يشارك كورس الفجر بتأثير مميز .

قامت مجموعة من العلماء بدراسة طويلة حول مستعمرة لطيور الدوري لصالح المعهد الأميركي للمعلومات العلمية في فيلاديلفيا . وقد اكتملت الدراسات في العام 1993 ، حيث وجدوا أن هذا النوع لا يتميز بالإخلاص ، إذ لاحظوا أن الوالدين في أحد الأعشاش هما الام والابن ، وفي أحد الأعشاش الأخرى ، وجدوا أن اثنين فقط من ثلاثة صغار يشبهان والدهما من ناحية تطابق بصمات الأصابع ، على الرغم من انهم جميعا يتشاركون في الام نفسها . وقد اخذ العلماء عينة من دم عدد من ذكور الدوري الموجودة بالجوار فكشفت أن والد الصغير الثالث ، هو طير يسكن عشا قريبا .

لماذا الفجر تحديدا؟ فرضيات علمية

لم يتوصل العلماء إلى تفسير واحد قاطع، بل طرحوا عدة فرضيات قد تعمل معا:

فرضية انتقال الصوت

يكون الهواء في الساعات الأولى من الصباح أهدأ وأبرد عادة، وتقل الرياح والضوضاء، مما قد يسمح للصوت بالانتقال إلى مسافات أبعد وبوضوح أكبر. لكن الدراسات التي اختبرت هذه الفرضية جاءت بنتائج متفاوتة، فلا يُعد هذا العامل وحده كافيا للتفسير.

فرضية الإضاءة الخافتة

في الضوء الخافت قبل الشروق يصعب على هذه الكائنات البحث عن الطعام، خاصة الحشرات، فيكون هذا الوقت أقل كلفة لاستغلاله في التغريد بدلا من التغذية.

فرضية الإعلان عن اللياقة

تقضي العصافير الصغيرة الليل دون طعام، فتستهلك جزءا كبيرا من مخزونها من الطاقة. ويرى بعض الباحثين أن الذكر القادر على التغريد بقوة في الصباح الباكر يرسل رسالة للإناث والمنافسين بأنه في صحة جيدة ويملك منطقة غنية بالموارد.

فرضية الخصوبة والحراسة

تشير دراسات إلى أن إناث بعض الأنواع تكون في ذروة خصوبتها في الصباح الباكر، فيحرص الذكر على التغريد وحراسة شريكته وإعلان وجوده لإبعاد المنافسين في هذا الوقت الحساس.

كيف يُصدر الطائر صوته؟

لا تمتلك الطيور حبالا صوتية كالتي لدى الإنسان، بل عضوا خاصا يسمى المصفار يقع عند تفرع القصبة الهوائية إلى الرئتين. ولأن هذا العضو يتكون في كثير من الطيور المغردة من جانبين يمكن التحكم بكل منهما بشكل مستقل، فإن بعض الأنواع قادرة على إصدار نغمتين مختلفتين في الوقت نفسه، مما يفسر غنى أصواتها وتعقيدها.

الفرق بين التغريد والنداء

  • التغريد أو الأغنية: أصوات طويلة ومعقدة ومنظمة، يصدرها غالبا الذكور في موسم التكاثر لجذب الإناث والدفاع عن المنطقة.
  • النداء: أصوات قصيرة وبسيطة يستخدمها الجنسان طوال العام للتحذير من الخطر، أو التواصل مع أفراد السرب، أو طلب الطعام لدى الصغار.

كيف تتعلم الطيور أغانيها؟

تتعلم كثير من الطيور المغردة أغانيها بطريقة تشبه تعلم الأطفال للغة، إذ يستمع الفرخ الصغير إلى أغاني الذكور البالغين من نوعه، ثم يمر بمرحلة يتدرب فيها على إصدار أصوات غير مكتملة، قبل أن يتقن الأغنية الكاملة. ولهذا قد تظهر لهجات محلية بين جماعات النوع الواحد التي تعيش في مناطق مختلفة. وتُعد هذه الظاهرة من أكثر المجالات التي يدرسها العلماء لفهم آليات التعلم الصوتي في الدماغ.

طيور المحاكاة

بعض الأنواع لا تكتفي بأغاني نوعها، بل تقلد أصوات طيور أخرى وأصواتا من البيئة، مثل الطائر المحاكي في أمريكا الشمالية، وطائر القيثارة في أستراليا الذي يشتهر بقدرة مذهلة على تقليد أصوات متنوعة.

المدن والضوضاء والإضاءة الليلية

لاحظ الباحثون أن الطيور التي تعيش في المدن تواجه تحديات خاصة، فضوضاء السيارات والآلات قد تحجب أصواتها، ولذلك رُصدت لدى بعض الأنواع تغيرات مثل رفع طبقة الصوت أو التغريد في أوقات أبكر لتجنب ذروة الضوضاء. كما أن الإضاءة الليلية الصناعية قد تدفع بعض الطيور إلى التغريد ليلا، وهو ما رُصد مثلا لدى طائر أبي الحناء الأوروبي في بعض المدن. ويدرس العلماء آثار هذه التغيرات على صحة الطيور وقدرتها على التكاثر.

متعة الاستماع ومراقبة الطيور

أصبحت مراقبة الطيور هواية يمارسها كثيرون حول العالم، ويمكن لأي شخص أن يبدأ بالاستيقاظ مبكرا في الربيع والجلوس قرب حديقة أو بستان والإنصات إلى الأصوات ومحاولة تمييزها. كما تتوفر اليوم تطبيقات على الهواتف تساعد على التعرف على الأنواع من أصواتها، وتسهم مشاركات الهواة في مشاريع علمية تجمع بيانات عن انتشار الطيور وهجرتها.

كيف تساعد على حماية المغردات في حيك؟

يمكن زراعة أشجار وشجيرات محلية توفر المأوى والغذاء، ووضع أوعية ماء نظيفة في الصيف، وتجنب المبيدات التي تقتل الحشرات التي تتغذى عليها، وتقليل الإضاءة الخارجية غير الضرورية ليلا.

أسئلة شائعة

هل تغرد إناث الطيور؟

نعم، في كثير من الأنواع تغرد الإناث أيضا، خاصة في المناطق الاستوائية، وقد أعادت أبحاث حديثة النظر في الاعتقاد القديم بأن التغريد سلوك ذكوري فقط.

لماذا يقل التغريد في الصيف؟

لأن موسم التزاوج ينتهي غالبا في تلك الفترة من العام، وينشغل الأبوان بتربية الصغار، كما يمر كثير منها بمرحلة تبديل الريش التي تستهلك طاقتها.

هل يتكرر الغناء عند الغروب أيضا؟

نعم، تغرد بعض الأنواع في المساء، لكن كورس المساء يكون عادة أضعف وأقصر من كورس الفجر.

خلاصة

تغريد الفجر ظاهرة طبيعية مدهشة تجمع بين الحاجة إلى التزاوج والدفاع عن المناطق وظروف البيئة في الساعات الأولى من النهار. وكلما تعمق العلماء في دراستها، اكتشفوا مزيدا من أسرار التواصل الصوتي لدى الطيور، وأدركوا حاجتها إلى بيئات هادئة ومظلمة ليلا تحافظ على هذا الإيقاع الجميل.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !