ما قد يحدث بعد قرن من الزمن؟
الطبيعة البشرية طبيعة فضولية بطبعها، فمن الطبيعي أن تراود أي شخص أسئلة حول شكل المستقبل: إلى أي مدى ستتطور التكنولوجيا؟ وكيف سيعيش أحفادنا؟ وهل سيبدو عالمهم غريباً عنا كما بدا عالمنا الحالي غريباً عن أجدادنا قبل قرن من الزمن؟ في هذا المقال نستعرض أبرز التوقعات العلمية الجادة، لا الخيالية، حول ما قد يحمله المستقبل للبشرية خلال المئة عام القادمة، استناداً إلى رؤى علماء ومختصين حقيقيين في هذا المجال.
توقعات البروفيسور ميتشيو كاكو حول المستقبل التقني
يُعد الفيزيائي النظري الأمريكي ميتشيو كاكو، أحد أبرز علماء الفيزياء في العالم والمساهمين في تطوير نظرية الأوتار الفائقة، من أكثر الأصوات العلمية الجادة التي طرحت تصورات مفصلة لما ستؤول إليه حياة البشر خلال العقود والقرن القادم، استناداً إلى أبحاث ولقاءات مباشرة أجراها مع مئات العلماء في مختبراتهم حول العالم.
عدسات لاصقة متصلة بالإنترنت
من أبرز توقعات كاكو أن تصبح "العدسات اللاصقة الذكية" واقعاً ملموساً خلال العقود القادمة، بحيث يستطيع الإنسان الاتصال بالإنترنت والحصول على المعلومات بمجرد رمشة عين، دون الحاجة لهاتف أو شاشة منفصلة. ويشير كاكو إلى أن هذه التقنية ستتيح، على سبيل المثال، التعرف الفوري على هوية أي شخص تقابله، أو الحصول على ترجمة فورية أثناء حديثك مع متحدث بلغة أخرى. وتعمل فرق بحثية في عدة جامعات أمريكية بالفعل على تطوير نماذج أولية لمثل هذه العدسات.
التحكم بالأجهزة عبر العقل مباشرة
يشير كاكو أيضاً إلى تقدم كبير محرز بالفعل في مجال واجهات الدماغ والحاسوب، حيث تمكّن العلماء اليوم من زراعة شرائح دقيقة في أدمغة بعض المرضى تتيح لهم التحكم بأجهزة إلكترونية وحواسيب بمجرد التفكير، وهي تقنية استُخدمت بالفعل لمساعدة مرضى الشلل على استعادة بعض قدراتهم الحركية، ومن المتوقع أن تتوسع تطبيقاتها بشكل كبير خلال العقود القادمة لتشمل مجالات أوسع من الحياة اليومية.
الذاكرة الرقمية ونقل المعلومات
من التوقعات اللافتة أيضاً أن يصبح بالإمكان مستقبلاً تسجيل الذكريات ونقلها رقمياً، وهي فكرة بدأ العلماء باختبار جوانب أولية منها على مستوى الحيوانات في المختبرات، بهدف تطويرها لاحقاً كوسيلة علاجية محتملة لمساعدة مرضى الزهايمر وفقدان الذاكرة على استعادة بعض قدراتهم المعرفية.
مستقبل الاستنساخ وإحياء الأنواع المنقرضة
يعمل بعض العلماء حول العالم على أبحاث تهدف إلى استنساخ حيوانات انقرضت منذ فترات طويلة، اعتماداً على عينات محفوظة من الحمض النووي الخاص بها، في مجال يُعرف باسم "إحياء الأنواع المنقرضة" (De-extinction). وقد شهد هذا المجال بالفعل محاولات جادة تستهدف أنواعاً مثل الماموث الصوفي المنقرض منذ آلاف السنين، عبر دمج حمض نووي محفوظ في جليد القطب الشمالي مع خلايا حيوانات قريبة منه وراثياً كالفيلة الآسيوية. كما يناقش بعض العلماء إمكانية إعادة إحياء صفات وراثية من الإنسان البدائي (نياندرتال) بعد أن نجح الباحثون في فك رموز جينومه الكامل، رغم أن هذا الطرح لا يزال في إطار النقاش العلمي والأخلاقي أكثر من كونه مشروعاً قيد التنفيذ الفعلي.
مستقبل استكشاف الفضاء واستعمار المريخ
يخطط عدد من رواد الأعمال والمؤسسات الفضائية الحكومية والخاصة حول العالم، وعلى رأسهم شركة "سبيس إكس" التي يقودها إيلون ماسك، لإرسال البشر إلى كوكب المريخ خلال العقود القادمة، تمهيداً لإقامة مستعمرات بشرية دائمة عليه مستقبلاً. وتحظى هذه الطموحات بدعم متفاوت من عدة حكومات وجهات سياسية واقتصادية حول العالم، نظراً لما تمثله من تحدٍّ تقني وعلمي غير مسبوق. ويرى كثير من الخبراء أن مدة مئة عام قد تكون كافية لتطوير البنية التحتية اللازمة لتحقيق حضور بشري مستقر على الكوكب الأحمر، وإن كانت التحديات التقنية والصحية المرتبطة بهذا المشروع لا تزال هائلة وتحتاج إلى حلول جذرية.
لماذا يصعب التنبؤ بدقة بالمستقبل؟
يكفي أن ننظر إلى تجربة أجدادنا قبل قرن من الزمن لندرك حجم التغير الهائل الذي يمكن أن يطرأ خلال مئة عام فقط. فلم تكن السيارات، ولا الهاتف، ولا التلفاز أموراً مألوفة في حياة الناس آنذاك، ولم يكن أحد يتخيل أن الحياة اليومية ستدور يوماً حول شاشة صغيرة يحملها الإنسان في جيبه، أو أن السفر بين القارات المختلفة سيستغرق ساعات معدودة بدلاً من أسابيع أو أشهر. وبالمثل، فإننا اليوم لا نملك القدرة على التنبؤ الدقيق بكل ما سيحمله المستقبل، لكن يمكننا الاستناد إلى وتيرة التطور التقني المتسارعة الحالية لتكوين تصور عام، وإن ظل هذا التصور عرضة للتغير والمفاجآت غير المتوقعة كما حدث دائماً عبر التاريخ.
أبرز التحديات التي قد تواجه هذا المستقبل
خاتمة
يبقى المستقبل، مهما بلغت دقة التوقعات العلمية حوله، ميداناً مفتوحاً على كل الاحتمالات، فكما لم يتخيل أجدادنا حياتنا الحالية بتفاصيلها الدقيقة، قد يحمل لنا القرن القادم مفاجآت تتجاوز حتى أجرأ توقعات العلماء اليوم. وبينما نملك أدوات علمية تسمح لنا بتصور اتجاهات عامة معقولة لمسار التطور التكنولوجي، يبقى الجزء الأكبر من هذه الرحلة مغلفاً بالغموض والدهشة، تاركاً لنا فقط أن نتخيل ونحلم بما قد يحمله الغد لأبنائنا وأحفادنا.