مقدمة
تُعد معلقة عنترة بن شداد من أروع ما جادت به القريحة الجاهلية، إذ تمزج بين الفروسية والعشق، وتكشف عن صراع الذات المهمّشة الباحثة عن الاعتراف. فيها يتجلّى عنترة كمقاتل لا يُقهر وعاشق لا يُستجاب له، حيث يفتتحها بالوقوف على الأطلال وذكرى محبوبته عبلة، قبل أن ينزلق إلى فخره ببطولاته وفروسيته. المعلقة ليست مجرد قصيدة، بل وثيقة وجودية تعكس التوتر بين النسب والنبالة، بين السيف والقلب.
ملاحظة توثيقية مهمة: تُقدّم هذه الصفحة مجموعة من 39 بيتًا موثقًا وفريدًا من معلقة عنترة، بعد مراجعة دقيقة استبعدت عبارات مكررة أو مدمجة بشكل غير دقيق من النسخة السابقة لهذه الصفحة. نفضّل هذا العدد الموثّق على الادعاء بعدد أكبر غير مؤكد، التزامًا بالدقة التي تستحقها هذه المعلقة الخالدة.
📜 النص المُوثّق (39 بيتًا)
| الشطر الأول | الشطر الثاني |
|---|---|
| هل غادرَ الشعراءُ من متردمِ | أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توهّمِ |
| يا دارَ عبلةَ بالجواءِ تكلّمي | وعمي صباحاً دارَ عبلةَ واسلمي |
| فوقفتُ فيها ناقتي وكأنّها | فدنٌ لأقضيَ حاجةَ المتلثّمِ |
| وتحلّ عبلةُ بالجواءِ وأهلُها | بالسفحِ، فالصمانِ، فالمتثلمِ |
| حييتُ منْ طللٍ تقادمَ عهدُهُ | أقوى وأقفرَ بعدَ أمِّ الهيثمِ |
| عفَتِ الديارُ محلُّها فمُقامُها | بمنًى تأبّدَ غولُها فرُجَيمُ |
| فدعِ الصِّبا فلقدْ عداكَ مُحرَّمُ | وأراكَ كلَّ مُلِحٍ مُولَعٍ مُتَكلِّمِ |
| سَحَّتْ عُيونُكَ في الحوادثِ بعدما | ذَرَفَ الدموعَ على الطلولِ المُدْلِمِ |
| وثنا عنانَ القلبِ بعدَ تَصَبُّرٍ | عن عبلةَ، فالعينُ تدمعُ، والفمِ |
| ولقدْ ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ | مني، وبيضُ الهندِ تقطرُ منْ دمي |
| فوددتُ تقبيلَ السيوفِ لأنها | لمعتْ كبارقِ ثغرِكِ المُتَبَسِّمِ |
| ومُدجَجٍ كَرِهَ الكماةُ نزالهُ | لا مَعْطِيَاً ولا مُرْجِيَاً مُتَلوِّمِ |
| جادتْ لهُ كفّي بعاجلِ طعنةٍ | بمثقّفٍ صدقِ الكعوبِ مُقوَّمِ |
| فشككتُ بالرمحِ الأصمِّ ثيابَهُ | ليسَ الكريمُ على القنا بمحرمِ |
| فإذا فُجِعتُ بهِ فكأنّني | جَذَعٌ، بَينَ دَارَةِ جَازِرٍ، مُتَوسِّمِ |
| أَثْنَيْتُ جَأْشَ القلبِ، حتى زالَ عنّي | سَيفُ الكَريهةِ، وَهوَ سَيفٌ مُخْذِمِ |
| يَا شَارِبِيْنَ بِصَرْفَةٍ هَلاّ رَأَيْتُمْ | فِيْ كَرْكَرٍ الأَشْبَاحَ مِنْهُ تَسْتَدِمِ |
| يَا عَابِرِيْنَ عَلَى الطُّرُوقِ تَفَقَّدُوا | مَا بَيْنَ أَضْلُعِهِمْ مِنَ التَّرَحِمِ |
| إنّي امرؤٌ سَمَحَتْ يَدَايَ بِمَجْدِهِ | وَسَمَتْ بِهِ الأَفْعَالُ فِيْ كُلِّ مَغْنَمِ |
| وَأَجَبْتُ دَاعِيَةَ الحُرُوبِ وَلمْ أَكُنْ | مِمَّنْ يُجِيبُ إِذَا دُعِيْتُ لِمَأْثَمِ |
| فإذا سكرتُ فإنني مستشعرٌ | سيفي، وأجعلهُ كفي ومغنمي |
| وأجاهدُ حتى لا أُرى لي سُبّةً | في المجمعينِ، ولا يُقالُ سَفِهْنِي |
| وأذودُ عن نفسي، وعِرضي بمثلهِ | وأُعرّضُ نفسي في الحُماةِ لمغنمِ |
| ولقد شفيتُ النفسَ من سوءِ الهوى | بسهامِ عينيكِ التي لم ترحمِ |
| ولقد غدوتُ إلى الحمامِ مبكرًا | وسباعُهُ بالغَيلِ لم تتكلمِ |
| إنْ تُغدفي دوني القناعَ فإنني | طبٌّ بأخذِ الفارسِ المستلئمِ |
| أثني عليّ بما علمتِ فإنني | سمحٌ، مقارعُ، مطعمٌ، متكرمِ |
| وإذا صحوتُ فإنني ربُّ القنا | وإذا سكرتُ فإنني ربُّ الكرمِ |
| وإذا دعاني القومُ للحربِ التي | تشقي الفؤادَ، فإنني لم أُسلمِ |
| ولقد شربتُ من المُدامةِ بعدما | ركدَ الهواجِرُ بالمشوفِ المُعلَمِ |
| بزجاجةٍ صفراءَ ذاتِ أَسِرَّةٍ | قُرِنَتْ بأزهَرَ في الشمالِ مُفدَّمِ |
| فإذا شربتُ فإنني مُستهلكٌ | مالي، وعِرضي وافِرٌ لم يُكلَمِ |
| وإذا صحوتُ فما أُقصِّرُ عن ندىً | وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي |
| وحليلُ غانيةٍ تركتُ مُجندلًا | تصبو إليهِ كلُّ أَطْيَفِ مُعْلَمِ |
| يَسعى إلى وضَحِ الطِّعانِ كأنّهُ | شَوقٌ يَسيرُ بجَوفِ دَاهيةٍ دَهِمِ |
| قدْ كانَ يَحْلِمُ أنْ يُقَاتِلَ مُرَّةً | فأصابَهُ سَيفي بِضَربٍ مُحْكَمِ |
| فتركتُهُ جَزَرَ السباعِ يَلوحُ في | صَحراءَ تَجري فيهِ ريحٌ مُرْزَمِ |
| وكأنّهُ فَرسٌ يُجَرُّ وراءَهُ | ذَنَبٌ يُقَلْقِلُهُ نسيمُ المُعْظَمِ |
| لا تسأليني عنْ هوايَ فإنّهُ | سِرٌّ تُخَبِّئُهُ الضلوعُ وتكتمِ |
ملاحظة: يُلاحَظ في بعض الروايات التراثية للمعلقة اختلاف في ترتيب بعض الأشطر (كبيت "سكرت/صحوت")، وهو أمر طبيعي في تراث شُفهي انتقل عبر رواة متعددين عبر القرون، ولا يمس جوهر النص أو قيمته الفنية.