ارتبط المربى في أذهان الناس بوجبة الإفطار والحلاوة، لكن الحديث عن احتوائه على مادة البكتين فتح نقاشًا حول ما إذا كانت الفواكه المطبوخة تحمل فوائد صحية خفية. ويتناول هذا المقال موضوع المربى بين الحلاوة والشفاء: هل تخفي الفواكه المطبوخة أسرارًا تستحق الاهتمام، أم أن السكر يغلب على أي فائدة محتملة؟
بعد عرض ما أوردته الدراسة المشار إليها، نشرح طبيعة البكتين ومصادره ودوره في الجهاز الهضمي، ونوضح حدود الأبحاث المخبرية، ونقدم نصائح لاختيار المربى وتحضيره منزليًا بكمية سكر أقل.
البكتين والمربى في ضوء الأبحاث
مقدمة:
في عالم التغذية، غالبًا ما يُنظر إلى المربى كمنتج غني بالسكر، يُصنّف ضمن "المتعة الغذائية" لا "العلاجية". لكن دراسة طبية حديثة قلبت هذه النظرة رأسًا على عقب، حين كشفت أن المربى يحتوي على مادة طبيعية تُعرف باسم "البكتين"، وهي ألياف غذائية ثبت علميًا أنها تُسهم في مكافحة انتشار الخلايا السرطانية. هذه المفارقة بين الحلاوة والشفاء فتحت بابًا جديدًا للتأمل في العلاقة بين الغذاء والدواء، وبين ما نأكله للمتعة وما نحتاجه للوقاية.
🧪 البكتين: الألياف التي تتحدى الخلايا السرطانية
البكتين هو نوع من الألياف الذائبة الموجودة طبيعيًا في قشور الفواكه والخضراوات، خاصةً التفاح والحمضيات. يُستخدم صناعيًا كمادة مثخنة في صناعة المربى والهلام، لكنه بيولوجيًا يُعد أكثر من مجرد عامل قوام؛ إنه عامل مقاومة.
بحسب فريق بحث من معهد أبحاث الأطعمة في بريطانيا، فإن البكتين يُظهر قدرة على الحد من انتشار الخلايا السرطانية، خصوصًا في حالات سرطان البروستاتا. وقد أظهرت تجارب مخبرية أن تعريض الجرذان للبكتين ساهم في تقليص نمو سرطان القولون والرئة لديها، مما يُعزز فرضية أن هذه المادة تمتلك خصائص مضادة للسرطان.
🍇 المربى: مصدر غير متوقع... لكن بشروط
رغم أن المربى يحتوي على البكتين، إلا أن الباحثين شددوا على أن تناول الفواكه والخضراوات الطازجة يبقى الخيار الأفضل. السبب؟ المربى غالبًا ما يحتوي على نسب عالية من السكر، مما يُقلل من فائدته الصحية ويُضاعف مخاطره إذا تم تناوله بكميات كبيرة.
بمعنى آخر، المربى قد يكون "حلوًا ومفيدًا"، لكن فائدته مشروطة. فالبكتين موجود فيه، نعم، لكنه ليس المصدر المثالي مقارنةً بما توفره الفواكه الطازجة من ألياف، فيتامينات، ومضادات أكسدة دون إضافات ضارة.
🥗 الطازج أولًا: لماذا لا يكفي الاعتماد على المربى؟
الفواكه والخضراوات الطازجة لا تحتوي فقط على البكتين، بل على مجموعة متكاملة من العناصر الغذائية التي تعمل بتناسق لمحاربة الالتهابات، تقوية المناعة، وتنظيم وظائف الجسم الحيوية. كما أن البكتين في صورته الطبيعية داخل الثمرة يكون أكثر فاعلية من نظيره المعالج حراريًا في المربى.
لذلك، فإن الاعتماد على المربى كمصدر للبكتين يُشبه الاعتماد على الظل بدلًا من الأصل؛ مفيد جزئيًا، لكنه لا يُغني عن الجوهر.
🔬 هل يمكن تطوير مربى علاجي؟
هذا السؤال يفتح بابًا للابتكار الغذائي. ماذا لو تم إنتاج مربى منخفض السكر، غني بالبكتين، ومُدعّم بمضادات أكسدة؟ هل يمكن أن يتحول من منتج ترفيهي إلى مكمل غذائي وقائي؟ بعض الشركات بدأت بالفعل في تطوير منتجات غذائية وظيفية تحتوي على نسب مدروسة من البكتين، لكن الطريق لا يزال طويلًا نحو اعتمادها كجزء من بروتوكولات الوقاية أو العلاج.
🧠 خلاصة المقال:
البكتين مادة طبيعية موجودة في الفواكه والخضراوات، ولها خصائص مقاومة للسرطان.
المربى يحتوي على البكتين، لكنه غني بالسكر، مما يُقلل من فائدته الصحية.
تناول الفواكه والخضراوات الطازجة يبقى الخيار الأفضل للحصول على البكتين.
هناك إمكانيات مستقبلية لتطوير منتجات غذائية علاجية تحتوي على البكتين.
ما هو البكتين؟
البكتين نوع من الكربوهيدرات المعقدة يوجد في الجدران الخلوية للنباتات، وتعمل هذه المادة كلاصق تربط الخلايا ببعضها وتمنح الثمار تماسكها. ويكثر في قشور الحمضيات ولب التفاح والسفرجل والجوافة وبعض أنواع التوت، ويقل في الفواكه الطرية كالفراولة والكرز، ولذلك يضيف صانعو المربى أحيانًا مسحوقًا جاهزًا منه أو قطعًا من التفاح إلى هذه الفواكه لتتماسك.
كيف يتماسك المربى؟
عند طهي الفاكهة مع السكر وبوجود قدر من الحموضة، تتكون شبكة من الجزيئات الطويلة تحبس الماء فيتحول الخليط إلى قوام هلامي. ولهذا يضاف عصير الليمون عادة إلى وصفات المربى، فالحموضة ضرورية لنجاح التماسك، والسكر يساعد على سحب الماء من حولها. كما يوجد نوع قليل الميثوكسيل يتماسك بوجود الكالسيوم بدل كمية كبيرة من السكر، ويستخدم في صناعة المربى منخفض السكر.
قيمته بوصفه أليافًا غذائية
يصنف ضمن الألياف الذائبة، وهي ألياف تذوب في الماء وتكوّن مادة هلامية في الأمعاء. وتشير الأبحاث الغذائية إلى أن الألياف الذائبة بشكل عام قد تساعد على:
- إبطاء امتصاص السكر في الدم بعد الوجبات.
- المساهمة في خفض الكوليسترول الضار لدى بعض الأشخاص عند تناولها بانتظام ضمن نظام صحي.
- تعزيز الشعور بالشبع لفترة أطول.
- تغذية البكتيريا النافعة في القولون، إذ تخمّرها لتنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة.
- تنظيم حركة الأمعاء في حالات معينة.
البكتين والسرطان: ما حدود الأدلة؟
اهتم الباحثون بنوع معدل من هذه الألياف يُستخلص غالبًا من الحمضيات ويعالج ليصبح أصغر حجمًا وأسهل امتصاصًا، ويعرف بالبكتين الحمضي المعدل. وتشير بعض التجارب المخبرية والدراسات على الحيوانات إلى أنه قد يتداخل مع بروتين يسمى غالكتين 3 يرتبط بقدرة بعض الخلايا السرطانية على الانتشار. غير أن هذه النتائج تبقى أولية، ولا تعني أن تناول المربى يعالج السرطان أو يقي منه.
لماذا يجب الحذر من تعميم النتائج؟
- الفرق بين المختبر والإنسان: ما ينجح على خلايا في طبق أو على فئران لا ينجح بالضرورة في جسم الإنسان.
- الفرق في المادة: الشكل المعدل المستخدم في الأبحاث يختلف عن الشكل العادي الموجود في المربى.
- الكمية: الجرعات المستخدمة في التجارب لا تقارن بما يحتويه ملعقة من المربى.
- أثر السكر: الإكثار من السكر المضاف يرتبط بزيادة الوزن، والسمنة من عوامل الخطر المعروفة لعدة أنواع من السرطان.
ولهذا يؤكد المختصون أن الوقاية من السرطان ترتبط بنمط حياة متكامل يشمل الغذاء المتوازن والنشاط البدني وتجنب التدخين والفحوص الدورية، ولا يمكن اختصارها في طعام واحد. ومن يعاني من مرض أو يفكر في استخدام مكملات من هذا النوع عليه استشارة الطبيب أولًا.
تاريخ صناعة المربى
حفظ الفاكهة بالسكر أو العسل فكرة قديمة عرفتها حضارات عدة، إذ كان الناس يبحثون عن طرق لتخزين ثمار الصيف للشتاء قبل اختراع التبريد. وعرف المطبخ العربي والشرقي أصنافًا كثيرة من المربيات والحلويات المحفوظة، مثل مربى المشمش والتين والسفرجل والورد وقشر البرتقال، وانتقلت بعض هذه التقاليد إلى أوروبا عبر الأندلس وطرق التجارة. ومع انتشار زراعة قصب السكر وتصنيعه أصبح السكر أرخص وأكثر توفرًا، فانتشرت المربيات في البيوت، ثم ظهرت صناعتها التجارية الواسعة في العصر الحديث.
وما زالت ربات البيوت في بلاد الشام يحضّرن المربيات في مواسم الفاكهة، فتتحول هذه العادة إلى مناسبة عائلية تجتمع فيها الأسرة لتقشير الثمار وتعبئة المرطبانات، وهو تقليد يحمل قيمة اجتماعية إلى جانب قيمته الغذائية.
القيمة الغذائية للمربى
يحتوي المربى التقليدي على نسبة عالية من السكر قد تصل إلى نصف وزنه أو أكثر بحسب الوصفة، لأن السكر يعمل أيضًا كمادة حافظة تمنع نمو الميكروبات. ويؤدي الطهي الطويل إلى فقدان جزء من فيتامين ج الحساس للحرارة، بينما يبقى جزء من الألياف والمعادن. ولذلك يُنظر إلى المربى بوصفه إضافة للطعام تؤكل باعتدال، لا بديلًا عن الفاكهة الطازجة.
نصائح لاختيار المربى
- اقرأ قائمة المكونات، وفضّل المنتجات التي تكون الفاكهة فيها المكون الأول.
- قارن كمية السكر في كل مئة غرام بين الأنواع المختلفة.
- انتبه إلى الألوان والنكهات الصناعية التي لا تضيف قيمة غذائية.
- تذكر أن عبارة بدون سكر مضاف قد تعني استخدام محليات أخرى أو عصائر مركزة.
تحضير المربى في البيت بسكر أقل
يمكن تحضير مربى منزلي بكمية سكر أقل من الوصفات التقليدية، مع اختيار فواكه غنية بالبكتين كالتفاح والسفرجل والحمضيات، أو إضافة قشر الليمون أثناء الطهي لزيادة التماسك. ويستعين البعض ببذور الشيا التي تكوّن قوامًا هلاميًا مع الماء. لكن يجب الانتباه إلى أن تقليل السكر يقلل مدة الحفظ، فيحفظ المربى في الثلاجة ويستهلك خلال فترة قصيرة، مع استخدام أوعية نظيفة ومعقمة جيدًا.
خطوات التعقيم والحفظ
يُنصح بغسل المرطبانات وأغطيتها جيدًا ثم تعقيمها بالماء المغلي أو في الفرن قبل التعبئة، وتعبئة الخليط وهو ساخن مع ترك مسافة صغيرة تحت الغطاء. وإذا ظهر عفن على السطح أو تغيرت الرائحة فيجب التخلص من المرطبان كاملًا، ولا يكفي إزالة الطبقة العلوية.
طرق ذكية لتناول المربى
- دهن طبقة رقيقة على خبز من الحبوب الكاملة بدل الخبز الأبيض.
- إضافة ملعقة صغيرة إلى الزبادي الطبيعي بدل شراء الزبادي المحلى.
- تناوله مع مصدر بروتين كالجبن أو زبدة الفول السوداني لإبطاء ارتفاع سكر الدم.
- عدم جعله عادة يومية لدى الأطفال، وتعويدهم على الفاكهة الطازجة.
أسئلة شائعة
هل المربى صحي؟
يحتوي على بعض الألياف والمعادن، لكنه غني بالسكر، لذلك يمكن تناوله باعتدال ضمن غذاء متوازن دون اعتباره طعامًا علاجيًا.
هل يقي البكتين من السرطان؟
تشير أبحاث مخبرية وحيوانية إلى خصائص محتملة لنوع معدل منه، لكن لا توجد أدلة كافية على أن تناوله يقي الإنسان من السرطان.
ما أفضل المصادر الطبيعية لهذه الألياف؟
التفاح والحمضيات بقشرها الأبيض والسفرجل والجوافة والجزر وبعض البقوليات.
خلاصة
يحتوي المربى على ألياف ذائبة لها فوائد هضمية معروفة، وتجري عليها أبحاث واعدة في مجال السرطان، لكن هذه الأبحاث لم تصل إلى نتائج تبرر اعتبار المربى علاجًا. والأفضل الحصول عليها من الفاكهة الطازجة الكاملة، والاستمتاع بالمربى بكميات معتدلة.
.png)
