يعد عصير عرق السوس من المشروبات الشعبية العريقة في البلاد العربية، ويرتبط في الذاكرة الجماعية بشهر رمضان وبائع عرق السوس المتجول بإبريقه النحاسي وصوت صنجاته. وتتداول الألسن فوائد كثيرة لهذا المشروب، بعضها له أصل في الدراسات وبعضها من الموروث الشعبي.
نتعرف في هذا المقال إلى نبات العرقسوس وتاريخه، وطريقة تحضير مشروبه التقليدي، ومكوناته الفعالة، وما تقوله الأبحاث عن فوائده المحتملة، ثم نقف بالتفصيل عند أضراره والفئات التي ينبغي لها الحذر منه، لأن الإكثار منه قد يحمل مخاطر حقيقية.
الفوائد المتداولة لمشروب العرقسوس
نبات العرقسوس وتاريخه
العرقسوس نبات معمر من الفصيلة البقولية، اسمه العلمي غليسيريزا غلابرا، ويعني الاسم في أصله الإغريقي الجذر الحلو. ويستعمل منه الجذر والسيقان الأرضية التي تحتوي على المادة الحلوة المميزة. وينمو النبات في مناطق من جنوب أوروبا وغرب آسيا وشمال إفريقيا، ويوجد بريًا في بعض البلاد العربية كالعراق وسوريا.
عرفت الحضارات القديمة العرقسوس، فقد ذكرت المصادر أنه وجد ضمن مقتنيات بعض المقابر المصرية القديمة، واستعمله الأطباء في الطب الإغريقي والصيني القديم، كما ذكره الأطباء والعشابون في التراث العربي والإسلامي في كتب المفردات الطبية، ووصفوه لعلاج السعال وأوجاع الحلق والمعدة. واليوم يدخل مستخلصه في صناعة الحلويات والتبغ وبعض الأدوية ومستحضرات العناية بالبشرة.
طريقة تحضير مشروب العرقسوس التقليدي
يحضر المشروب في البيوت العربية بطرق متقاربة، أشهرها:
- نقع مسحوق الجذر أو قطعه في قليل من الماء مع رشة من بيكربونات الصوديوم في بعض الوصفات، ويترك ساعة أو أكثر حتى يتشرب.
- يدعك الخليط ثم يوضع في قطعة قماش نظيفة أو مصفاة دقيقة.
- يصب الماء البارد تدريجيًا فوقه لاستخلاص المشروب، وتكرر العملية حتى يصبح لونه بنيًا داكنًا وتظهر الرغوة.
- يقدم باردًا، وغالبًا دون سكر لأنه حلو بطبيعته.
ويحرص الباعة على تقديمه بطريقة احتفالية، إذ يصبونه من الإبريق المائل على الظهر من ارتفاع، مما يزيد رغوته ويجذب المارة.
المكونات الفعالة في العرقسوس
أهم مكوناته مادة الغليسيريزين، وهي المسؤولة عن طعمه الحلو الشديد الذي يفوق حلاوة السكر العادي بعشرات المرات. كما يحتوي على مركبات الفلافونويد ذات الخصائص المضادة للأكسدة، وعلى مركبات أخرى تدرس تأثيراتها في الالتهابات والمناعة. وتفسر هذه المركبات كثيرًا من استعمالاته التقليدية، كما تفسر أيضًا الأعراض الجانبية التي قد تنتج عن الإفراط فيه.
الفوائد المحتملة في ضوء الدراسات
الجهاز الهضمي
تشير بعض الدراسات إلى أن مستخلصاته قد تساعد في تخفيف بعض أعراض عسر الهضم، وقد طور الباحثون منتجًا يسمى العرقسوس منزوع الغليسيريزين لتقليل الأعراض الجانبية مع الاحتفاظ ببعض الخصائص المفيدة للمعدة. لكن الأدلة ما زالت محدودة، ولا يغني المشروب عن علاج القرحة الذي يحدده الطبيب.
الجهاز التنفسي
استعمل العرقسوس تقليديًا لتلطيف الحلق والسعال، ويدخل في تركيب بعض أنواع الأقراص والشرابات، ويعتقد أن له أثرًا ملطفًا للأغشية المخاطية.
مضادات الأكسدة والالتهاب
أظهرت تجارب مخبرية أن بعض مركباته تمتلك خصائص مضادة للأكسدة والالتهاب والميكروبات، لكن كثيرًا من هذه النتائج جاء من دراسات على الخلايا أو الحيوانات، ولا يمكن تعميمها على الإنسان دون أبحاث سريرية كافية.
الترطيب في الصيف ورمضان
يرى كثيرون أن العرقسوس مشروب منعش يروي العطش، والواقع أن قيمته في الترطيب تأتي أساسًا من الماء الذي يحضر به، ولا ينبغي أن يحل محل شرب الماء العادي.
أضرار الإكثار من العرقسوس
يغفل كثير من الناس أن العرقسوس ليس مشروبًا آمنًا بلا حدود، فالإفراط فيه لفترات طويلة قد يسبب مشكلات صحية موثقة، أبرزها:
- ارتفاع ضغط الدم: إذ يؤثر الغليسيريزين في توازن الأملاح فيحتبس الصوديوم والماء في الجسم.
- نقص البوتاسيوم: وقد يؤدي إلى ضعف العضلات واضطراب ضربات القلب في الحالات الشديدة.
- احتباس السوائل والتورم: خاصة في الساقين.
- التداخل مع الأدوية: كأدوية الضغط ومدرات البول وبعض أدوية القلب ومميعات الدم والكورتيزون.
من يجب أن يتجنبه أو يستشير الطبيب؟
- مرضى ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.
- مرضى الكلى والكبد.
- الحوامل، إذ تنصح جهات صحية عديدة بتجنب الإكثار منه خلال الحمل.
- من يتناولون أدوية مزمنة يحتمل أن تتداخل معه.
- من يعانون من نقص البوتاسيوم.
العرقسوس في الثقافة الشعبية
ارتبط هذا المشروب في مدن عربية كثيرة كالقاهرة ودمشق وبغداد وعمّان بصورة البائع المتجول الذي يرتدي لباسًا تقليديًا ويحمل على ظهره إبريقًا كبيرًا من النحاس أو الزجاج، ويقرع صنجين معدنيين في يده لينبه المارة. وكان لهذا المشهد حضور خاص في الأسواق الشعبية وفي ليالي رمضان، حيث يقبل الصائمون على شراء المشروب لإفطارهم. وقد حافظت بعض المحلات على هذا التقليد حتى اليوم، بينما صار المشروب يباع أيضًا معبأ في زجاجات.
الفرق بين المشروب والحلوى
ينبغي التمييز بين مشروب عرق السوس المنقوع وبين حلوى العرقسوس السوداء المنتشرة في بعض البلاد الأوروبية، فالحلوى قد تحتوي على تركيز مرتفع من المستخلص، وقد سجلت تقارير طبية حالات ارتفاع ضغط ونقص بوتاسيوم لدى أشخاص أكثروا منها لفترات طويلة. كما أن بعض المنتجات المكتوب عليها نكهة عرق السوس لا تحتوي على الجذر الحقيقي، بل على نكهات بديلة كاليانسون.
نصائح لتناول العرقسوس بأمان
- الاكتفاء بكوب صغير في المرة، وعدم تناوله يوميًا لفترات طويلة.
- شرب الماء العادي إلى جانبه، وعدم الاعتماد عليه بديلًا للترطيب.
- مراقبة أي أعراض غير معتادة كالصداع المستمر أو تورم القدمين أو ضعف العضلات، ومراجعة الطبيب عند ظهورها.
- شراء المشروب من مصادر موثوقة تراعي النظافة في التحضير والتخزين.
- إخبار الطبيب بتناوله عند وصف أي دواء جديد.
ما الذي يقوله الطب الحديث بإيجاز؟
يتفق كثير من المختصين على أن العرقسوس نبات له نشاط دوائي حقيقي، وهذا بالذات ما يجعله سلاحًا ذا حدين، فالمادة القادرة على التأثير في الجسم إيجابًا قد تؤثر فيه سلبًا إذا زادت الكمية. ولذلك تصنفه بعض الهيئات الصحية ضمن الأعشاب التي يجب الحذر من تناولها بكميات كبيرة أو لمدة طويلة، وتنصح بأن يكون الاستمتاع به ضمن حدود معتدلة وتحت نظر الطبيب لمن لديهم حالات صحية خاصة.
ومن الطريف أن حلاوة العرقسوس الطبيعية جعلت بعض الشركات تستعمل مستخلصه محليًا في منتجات غذائية ودوائية لإخفاء المرارة، وهو استخدام قديم عرفه العطارون منذ قرون حين كانوا يمزجونه بالأدوية المرة لتسهيل تناولها.
أسئلة شائعة
هل يرفع العرقسوس الضغط؟
نعم، قد يرفع الإكثار منه ضغط الدم لدى بعض الأشخاص بسبب تأثير الغليسيريزين في توازن الأملاح، ولذلك ينصح مرضى الضغط باستشارة الطبيب قبل تناوله.
هل يمكن شرب العرقسوس يوميًا في رمضان؟
الكمية المعتدلة قد لا تضر معظم الأصحاء، لكن الإفراط اليومي لفترات طويلة غير محبذ، خاصة لمن لديهم أمراض مزمنة.
هل العرقسوس يعالج قرحة المعدة؟
هناك أبحاث على مستحضرات معينة منه، لكنه لا يعد علاجًا معتمدًا بحد ذاته، وعلاج القرحة يحدده الطبيب.
خلاصة
عرق السوس مشروب تراثي محبب له تاريخ طويل في الطب الشعبي، وتشير بعض الدراسات إلى فوائد محتملة له في الهضم وتلطيف الحلق وبخصائص مضادة للأكسدة. لكن مادته الفعالة الغليسيريزين قد ترفع الضغط وتخفض البوتاسيوم عند الإفراط، لذا فالاعتدال ضروري، ويجب على المرضى والحوامل استشارة الطبيب قبل جعله عادة يومية.
.png)
