قصة لن تتكرر !!!

تتداول المجالس والمنابر ومواقع الإنترنت قصصًا كثيرة عن عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتصور ما عُرف به من الحزم في الحق والرحمة بالناس. ومن أشهر هذه الحكايات القصة التي يعرضها المقال بعنوان قصة لن تتكرر، وتدور حول الوفاء بالوعد والعفو.

وبعد نص القصة نعرّف بشخصية عمر وأبرز ملامح عدله الثابتة في كتب التاريخ، ونوضح موقف الباحثين من ثبوت هذه القصة، ونستخلص القيم التربوية التي تحملها، مع أسئلة شائعة وخلاصة.

أحداث القصة كما تُروى



قصة لن تتكرر في عهد الخليفة عمر بن الخطاب
أتى شابّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمامه، قال عمر: ما هذا !! ...
 قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا ؟!  
قال: أقتلت أباهم ؟! 
قال: نعم قتلته ! 
قال : كيف قتلتَه ؟ 
قال : دخل بجمله في أرضي،فزجرته، فلم ينزجر،فرميته بحجر فوقع على رأسه فمات.. 
قال عمر: القصاص (الإعدام) قرار لم يكتب، وحكم سديد لا يحتاج مناقشة، لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة شريفة ؟! هل هو من أسرة قوية ؟! 

ما مركزه في المجتمع ؟ كل هذا لا يهم عمر - رضي الله عنه - لأنه لا يحابي ‏أحداً في دين الله، ولا يجامل أحدا ً على حساب شرع الله، ولو كان إبنه ‏القاتل، لاقتص منه .. 

قال الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض ‏أن تتركني ليلة، لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني، ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا .. 

قال عمر رضي الله عنه: من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ ؟! 

فسكت الناس جميعاً، إنهم لا يعرفون إسمه، ولا خيمته، ولا داره، ‏ولا قبيلته ولا منزله، فكيف يكفلونه، وهي كفالة ليست على عشرة دنانير، ولا على ‏أرض ، ولا على ناقة ، إنها كفالة على الرقبة بأن تُقطع بالسيف !! .. 

ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله ؟! ومن يشفع عنده ؟! ومن ‏يمكن أن يُفكر في وساطة لديه ؟! فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه وقع في حيرة، هل يُقدم فيقتل هذا الرجل، وأطفاله يموتون جوعاً هناك أو يتركه فيذهب بلا كفالة، فيضيع دم المقتول، وسكت الناس، ونكّس عمر رأسه، وإلتفت إلى الشابين :أتعفوان عنه ؟! قالآ : لا، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين.. 

قال عمر : من يكفل هذا أيها الناس ؟!! 

فقام أبو ذر الغفاريّ رضي الله عنه بشيبته وزهده، وصدقه، وقال: يا أمير المؤمنين، أنا أكفله!! 

قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قاتلاً !! 

قال: أتعرفه ؟ !قال: ما أعرفه، قال : كيف تكفله؟! 

قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لا يكذب، وسيأتي إن شاء‏ الله..!! 

قال عمر : يا أبا ذرّ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك! 

‏قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين .. 

‏فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليالٍ، يُهيئ فيها نفسه، ويُودع أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي، ليقتص منه لأنه قتل .. 

وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، يَعُدّ الأيام عداَ، وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابان، وإجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر الغفاري وجلس أمام عمر، _رضي الله عنهم أجمعين_ .. قال عمر: أين الرجل ؟! 

قال: ما أدري يا أمير المؤمنين !! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها،، وسكت‏الصحابة وأجمين، عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله تعالى .. صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر، وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد لكن هذه شريعة، لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية، لا يلعب بها ‏اللاعبون ‏ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها، ولا تنفّذ في ظروف دون ظروف ‏وعلى أناس دون أناس، وفي مكان دون مكان .. وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي ، فكبّر عمر، وكبّر المسلمون‏ جميعاَ معه .. 

‏فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك !! 

‏قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى !! ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل،، وخشيت أن يقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس،، فسأل عمر بن الخطاب أبو ذر لماذا ضمنته؟؟! 

فقال أبو ذر رضي الله عنه: خشيت أن يقال لقد ذهب الخير من الناس .. 

‏فوقف عمر وقال للشابين: ماذا تريان ؟! 

‏قالآ وهمآ يبكيان : عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه،، 

وقالوا نخشى أن يقال لقد ذهب العفو من الناس ! 

‏قال عمر رضي الله عنه: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته،، جزاكمآ الله خيراً أيها الشابان على عفوكما، وجزاك الله خيراً يا أبا ‏ذرّ يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته، وجزاك الله خيراً أيها الرجل لصدقك ووفائك .. 

‏وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك و رحمتك.. 

‏قال أحد المحدثين: والذي نفسي بيده، لقد دُفِنت سعادة الإيمان ‏والإسلام في أكفان عمر ..!!

عمر بن الخطاب في سطور

هو ثاني الخلفاء الراشدين، تولى الخلافة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وامتدت خلافته نحو عشر سنوات. وفي عهده اتسعت الدولة الإسلامية اتساعًا كبيرًا، وأُنشئت الدواوين لتنظيم شؤون الجند والعطاء، واعتُمد التقويم الهجري، ومُصّرت أمصار جديدة كالبصرة والكوفة. واشتهر بلقب الفاروق، وبصرامته في محاسبة الولاة، وتفقده أحوال الرعية بنفسه. وقد استشهد رضي الله عنه وهو يصلي بالناس الفجر سنة ثلاث وعشرين للهجرة.

ملامح العدل العمري في المصادر

  • محاسبة الولاة: كان يحصي أموال العمال قبل توليتهم وبعدها، ويحاسبهم على ما زاد دون وجه حق.
  • التسوية بين الناس: تُروى عنه مواقف يقتص فيها للضعيف من القوي دون محاباة لمكانة أو نسب.
  • تفقد الرعية: اشتهرت أخبار عسسه بالليل ليعرف حاجات الناس، ومنها خبر المرأة التي كانت تعلل أطفالها الجياع.
  • عام الرمادة: حين أصاب المجاعة الحجاز، شارك الناس شدتهم وامتنع عن الطعام الطيب حتى يزول البلاء.

موقف الباحثين من ثبوت القصة

انتشرت هذه القصة انتشارًا واسعًا في الخطب والكتب الوعظية والمواقع، وتذكر فيها شخصيات من الصحابة. غير أن عددًا من الباحثين المهتمين بتخريج القصص والأخبار ذكروا أنهم لم يقفوا لها على إسناد ثابت في كتب الحديث والتاريخ المعتمدة، وأنها أقرب إلى القصص المتأخرة التي تُروى للعبرة. ولا يقدح ذلك في المعاني الصحيحة التي تتضمنها، فالوفاء بالعهد والعفو عن القصاص ومكانة العدل كلها قيم ثابتة في الشريعة، لكن الأمانة العلمية تقتضي التنبيه عند نسبة الأقوال والوقائع إلى الصحابة، والرجوع إلى أهل الاختصاص في ذلك.

لماذا تنتشر مثل هذه القصص؟

لأنها تجمع عناصر مؤثرة: المفاجأة، والتضحية، والنهاية السعيدة، وتجسد قيمًا يحبها الناس في صورة درامية سهلة الحفظ. ولهذا يحسن بالخطباء والمعلمين أن يجمعوا بين قوة التأثير وصحة النقل، فيختاروا من الأخبار الثابتة ما يحقق الغرض، وهي كثيرة في سير الصحابة.

القيم المستفادة

الوفاء بالعهد

تُعلي القصة من قيمة الكلمة، وتصور رجلًا يعود ليُقتص منه لأنه وعد. والوفاء بالعهد من الأخلاق التي أمر بها الإسلام وعدها من صفات المؤمنين.

العفو عند المقدرة

تنازل أولياء الدم عن القصاص مخيرين، وهو حق مشروع لهم، والعفو فضيلة رغب فيها القرآن الكريم في مواضع عدة، مع بقاء حق ولي الدم في المطالبة بحقه أو قبول الدية.

المروءة والكفالة

تبرز في القصة مروءة من يكفل غريبًا لا يعرفه، وهي صورة عن التكافل والثقة التي يُرجى أن تسود المجتمع.

العدل دون محاباة

تظهر القصة الحاكم لا يسأل عن نسب الجاني أو مكانته قبل تطبيق الحكم، وهو معنى ثابت في سيرة عمر من مصادر أخرى.

كيف نتحقق من القصص المتداولة؟

يستطيع القارئ غير المتخصص اتباع خطوات بسيطة قبل نشر قصة منسوبة إلى أحد الصحابة أو السلف:

  1. البحث عن مصدرها الأصلي في كتب الحديث أو التاريخ، لا الاكتفاء بالمواقع والمنتديات.
  2. الرجوع إلى مواقع ومراكز علمية موثوقة تهتم بتخريج الأحاديث والآثار وبيان درجتها.
  3. الانتباه إلى العبارات المبالغ فيها والتفاصيل الدرامية التي لا تشبه أسلوب الروايات القديمة.
  4. سؤال أهل العلم المختصين عند الشك.
  5. عند الاستشهاد بقصة غير ثابتة للموعظة، الإشارة إلى أنها تُروى ولا يُجزم بصحتها.

أسئلة شائعة

هل القصة ثابتة عن عمر بن الخطاب؟

ذكر بعض الباحثين أنها لا تُعرف بإسناد صحيح في المصادر المعتمدة، وأنها تُروى على سبيل الموعظة، ويُرجع في الحكم عليها إلى أهل الحديث.

هل يجوز العفو عن القاتل في الشريعة؟

يقرر الفقهاء أن لأولياء الدم في القتل العمد حق القصاص أو العفو إلى الدية أو العفو المطلق، وتفاصيل ذلك تُطلب من كتب الفقه وأهل العلم والجهات القضائية المختصة.

ما أشهر ألقاب الخليفة الثاني؟

اشتهر بلقب الفاروق، وهو أول من لُقّب بأمير المؤمنين بحسب ما تذكره كتب التاريخ.

خلاصة

تحمل هذه القصة معاني نبيلة عن الوفاء والعفو والمروءة، وتنسجم مع ما عُرف عن عدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومع ذلك يحسن التثبت من صحة الروايات قبل نسبتها، والاستفادة من قيمها التربوية دون الجزم بوقوع تفاصيلها.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !