يدفع الألم والمرض المزمن كثيراً من الناس إلى البحث عن أي أمل في الشفاء، حتى لو جاء من طرق تبدو غريبة أو بعيدة عن الطب المعروف. ولهذا تنتشر في أنحاء العالم علاجات غريبة وممارسات بديلة غير مألوفة، بعضها قائم على تقاليد شعبية قديمة، وبعضها ظهر حديثاً في منتجعات ومراكز تجارية.
بعد عرض خمس من هذه الممارسات كما وردت في المقال الأصلي، نلقي نظرة نقدية على كل منها في ضوء ما يعرفه العلم اليوم، ونشرح الفرق بين الطب المبني على الأدلة والطب البديل والتكميلي، ونتحدث عن تأثير الدواء الوهمي، ونقدم معايير تساعد القارئ على تقييم أي علاج غير تقليدي قبل تجربته.
خمسة من أغرب العلاجات
نظرة نقدية على العلاجات الخمسة
الجراحة النفسية
تعرف هذه الممارسة في بعض الكتابات باسم الجراحة الروحية، ويزعم ممارسوها في بلدان مثل الفلبين والبرازيل أنهم يخرجون أنسجة مريضة من جسم المريض بأيديهم العارية دون شق أو تخدير. وقد كشف محققون ومختصون في الخدع البصرية أن كثيراً من هذه العروض تعتمد على خفة اليد واستخدام دم وأنسجة حيوانية مخبأة، وحذرت جهات صحية من أنها احتيال قد يكلف المرضى أموالاً طائلة، والأخطر أنه قد يؤخرهم عن العلاج الحقيقي لأمراض خطيرة كالسرطان.
العلاج بالدلافين الافتراضية
تقوم هذه الفكرة على مشاهدة صور أو مقاطع لدلافين تسبح مع أصوات البحر بهدف الاسترخاء. ولا ضرر يذكر في ذلك، فمشاهد الطبيعة والأصوات الهادئة قد تساعد بعض الناس على الشعور بالراحة، لكن لا توجد أدلة على أنها تعالج أمراضاً بعينها. أما العلاج بالسباحة مع الدلافين الحقيقية، الذي روج له لعلاج بعض حالات الأطفال، فقد انتقده باحثون لضعف الأدلة على فعاليته، إضافة إلى المخاوف المتعلقة برفاهية الدلافين المحتجزة واحتمال تعرض المشاركين للإصابة.
العلاج بلسع النحل
يعد العلاج بسم النحل جزءاً مما يسمى العلاج بمنتجات النحل، وقد درس الباحثون بعض مكونات السم، كمادة الميليتين، في المختبر لمعرفة تأثيراتها في الالتهاب. لكن الأدلة السريرية على فعالية لسع النحل في علاج الروماتيزم أو غيره من الأمراض ما تزال محدودة وغير حاسمة، في حين أن مخاطره معروفة، إذ قد يسبب ردود فعل تحسسية شديدة تصل إلى صدمة الحساسية المهددة للحياة، حتى لدى أشخاص لم تظهر عليهم حساسية من قبل. ولذلك يحذر الأطباء من هذه الممارسة خارج الإطار الطبي.
العلاج بالعودة إلى الماضي
يقوم هذا الأسلوب على استخدام التنويم الإيحائي لاستعادة ذكريات الطفولة، بل يزعم بعض ممارسيه استعادة ذكريات حيوات سابقة. ويحذر علماء النفس من أن التنويم قد يجعل الإنسان أكثر قابلية للإيحاء، فيتكون لديه ما يعرف بالذكريات الزائفة، أي أحداث يعتقد بصدق أنها وقعت وهي لم تقع، وقد سببت هذه الظاهرة مشكلات أسرية وقانونية خطيرة في بعض الحالات. ويختلف هذا عن العلاج النفسي المعتمد الذي يتناول تجارب الماضي بأساليب علمية تحت إشراف مختصين مؤهلين.
التدليك بالأفاعي
ظهر هذا النوع في بعض المنتجعات بوصفه تجربة غريبة لجذب الزبائن، حيث توضع أفاع غير سامة على جسم الشخص لتتحرك فوقه. وقد يشعر بعضهم بإحساس غريب أو بالإثارة، لكن لا يوجد دليل على فوائد علاجية خاصة لهذه الطريقة تفوق التدليك العادي، بينما تبقى مخاطر العض والعدوى والذعر قائمة، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعاملة الحيوانات.
الطب المبني على الأدلة والطب البديل
يقوم الطب الحديث على مبدأ أساسي هو الاعتماد على الأدلة، أي أن يثبت العلاج فعاليته وأمانه بالتجارب السريرية المضبوطة التي تقارن بين مجموعة تتلقى العلاج وأخرى لا تتلقاه أو تتلقى علاجاً وهمياً، دون أن يعرف المشاركون أو الباحثون أحياناً من تلقى ماذا. أما الطب البديل فيشمل ممارسات متنوعة لم تثبت فعاليتها بهذه الطريقة، أو ثبت عدم فعاليتها. وبين الطرفين يوجد ما يعرف بالطب التكميلي، وهو ممارسات تستخدم إلى جانب العلاج الطبي لا بدلاً منه، كبعض تقنيات الاسترخاء والتدليك، وقد يكون لبعضها فائدة في تحسين الراحة وجودة الحياة.
تأثير الدواء الوهمي
من أهم أسباب اعتقاد الناس بفعالية العلاجات الغريبة ما يعرف بتأثير الدواء الوهمي، وهو تحسن يشعر به المريض لأنه يتوقع التحسن، لا بسبب العلاج نفسه. ويضاف إلى ذلك أن كثيراً من الأمراض تتحسن من تلقاء نفسها مع الوقت، أو تمر بفترات هدوء وانتكاس، فينسب المريض التحسن إلى آخر علاج جربه. ولهذا لا تكفي الشهادات الشخصية، مهما كانت صادقة، لإثبات فعالية أي علاج.
معايير لتقييم أي علاج غير تقليدي
- هل توجد دراسات منشورة في مجلات علمية محكمة تؤيده؟ أم أن الأدلة مجرد قصص وشهادات؟
- هل يعد بنتائج مذهلة أو بعلاج أمراض كثيرة مختلفة؟ فهذه من علامات الادعاءات المبالغ فيها.
- هل يطلب منك التوقف عن علاجك الطبي؟ وهذه علامة خطر كبيرة.
- هل يكلف مبالغ كبيرة مقابل جلسات متكررة؟
- هل الممارس مؤهل ومرخص من جهة رسمية؟
- ما المخاطر المحتملة؟ فحتى العلاجات الطبيعية قد تكون لها آثار جانبية أو تتداخل مع الأدوية.
قبل أن تجرب
يُنصح دائماً بمناقشة أي علاج بديل أو تكميلي مع الطبيب المعالج، وعدم إخفاء استخدامه عنه، لأن بعض الأعشاب والمكملات قد تتداخل مع الأدوية، كما أن الطبيب يستطيع أن يوضح ما إذا كانت الممارسة آمنة في حالتك.
العلاجات الشعبية في البيئة العربية
لا تقتصر العلاجات غير المألوفة على البلدان البعيدة، ففي التراث الشعبي العربي ممارسات كثيرة متوارثة، بعضها له أصل مقبول كاستخدام بعض الأعشاب المعروفة في تخفيف أعراض بسيطة، وبعضها قد يكون ضاراً، كالكي بالنار لعلاج أمراض داخلية، أو وضع مواد غريبة على الجروح والحروق، أو الاعتماد على وصفات مجهولة المكونات يبيعها العطارون على أنها تشفي أمراضاً مزمنة. ويحذر الأطباء من هذه الممارسات حين تؤدي إلى حروق أو التهابات أو تأخير في تشخيص أمراض تحتاج إلى تدخل سريع، ويدعون إلى التعامل مع التراث الشعبي بعين ناقدة تأخذ النافع المجرب وتترك الضار.
لماذا تنتشر العلاجات الغريبة؟
- الإحباط من الأمراض المزمنة التي لا يوجد لها شفاء كامل.
- الرغبة في علاج طبيعي بعيد عن الأدوية الكيميائية وآثارها الجانبية.
- قلة الوقت الذي يمنحه بعض الأطباء للمريض، مقابل اهتمام كبير من ممارسي الطب البديل.
- التسويق الذكي وقصص النجاح المتداولة على مواقع التواصل.
- الفضول والرغبة في خوض تجارب جديدة.
أسئلة شائعة
هل كل العلاجات البديلة عديمة الفائدة؟
لا، فبعض الممارسات التكميلية قد تساعد في الاسترخاء وتحسين جودة الحياة، لكن ينبغي أن تستخدم إلى جانب العلاج الطبي لا بدلاً منه، وبعد استشارة الطبيب.
هل العلاج بلسع النحل آمن؟
ينطوي على مخاطر حقيقية، أبرزها الحساسية الشديدة، ولا يُنصح به خارج الإشراف الطبي.
كيف أعرف أن العلاج احتيال؟
من العلامات الشائعة الوعود بالشفاء التام السريع، وادعاء علاج أمراض كثيرة، وطلب ترك العلاج الطبي، والاعتماد على الشهادات بدل الأدلة العلمية.
خلاصة
تتنوع العلاجات الغريبة بين ممارسات لا ضرر كبيراً فيها كمشاهد الدلافين المريحة، وأخرى خطيرة كالجراحة النفسية ولسع النحل والتنويم لاستعادة ذكريات مزعومة. ويبقى المعيار الأهم في الحكم على أي علاج هو الدليل العلمي الموثوق، مع إدراك أثر التوقع والدواء الوهمي. والقاعدة الذهبية هي ألا يترك المريض علاجه الطبي، وأن يستشير طبيبه قبل تجربة أي طريقة غير مألوفة.
.png)




