الصراط يوم القيامة: جسر العبور إلى دار السلام

دار العلوم

يؤمن المسلمون بأن يوم القيامة تتوالى فيه مشاهد عظيمة، من البعث والحشر إلى الحساب والميزان، ثم العبور الذي يفصل بين أهل النجاة وأهل الهلاك. ويتناول هذا المقال الصراط يوم القيامة: جسر العبور إلى دار السلام كما ورد وصفه في النصوص، وقد أضفنا إليه بيان معنى الكلمة في اللغة، وموقع الإيمان به في عقيدة أهل السنة، وترتيب مشاهد القيامة كما يذكره العلماء، والأعمال التي تعين المسلم على النجاة، مع التذكير بأن الحديث عن الغيب يُتلقى من النصوص الصحيحة دون زيادة أو خيال.

وصف الصراط وأحوال العابرين

الصراط يوم القيامة جسر العبور إلى دار السلام

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خير البرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

يعد يوم القيامة أعظم يوم في حياة الإنسان، يوم تتبدل فيه السماوات والأرض، ويكون الموقف أشد هولاً ومفزعاً لكل من عاش في الدنيا. من بين أحداث هذا اليوم العظيم، يظهر الصراط، الجسر الذي يعبر عليه الخلائق ليدخلوا الجنة أو النار، وهو محور الاختبار الأكبر بعد الحساب.

مكاننا يوم تبدل السماوات والأرض

عندما سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكان الإنسان في يوم تبدل السماوات والأرض، أجابه النبي الكريم: «سنكون على الصراط». هذا يعني أن الإنسان سيقف على جسر عظيم، يمتد فوق جهنم، لا طريق غيره للعبور إلى الجنة، أو الوقوع في نار جهنم.

والصراط في الحديث النبوي هو جسر عرض جهنم، موصوف بأنه:

  • أدق من الشعرة،

  • أحد من السيف،

  • شديد الظلمة، وتحته نار جهنم السوداء الغاضبة التي «تكاد تميز من الغيظ».

كيف هو الصراط؟

الصراط هو طريق العبور بين نار جهنم وجنة الفردوس. ومن أجمل ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه «يضرب بالصراط بعرض جهنم»، أي أنه يمتد فوقها مباشرة.

على هذا الجسر الحاسم، يحمل كل إنسان أوزار ذنوبه على ظهره، كما قال تعالى:
{لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} [النحل: 25]

وهذا الحمل يبطئ من سرعة المرور على الصراط، فكلما كثرت الذنوب، كان المرور أبطأ وأكثر خطورة، وأصحاب الأعمال الصالحة يمرون كالبروق، والضعفاء منهم يزحفون أو يخطفون إلى النار.

مواصفات الصراط وعذابه

الصراط لا يخلو من الخطورة، فهو مزود بـ:

  • كلاليب (خطاطيف) وأشواك حادة تخدش وتجرح أقدام العابرين، تمثل تكفير الذنوب الناتجة عن المعاصي الصغيرة كالكلمة الحرام، والنظرة المحرمة، وغيرها.

  • تحته نار جهنم مستعرة، والأصوات الصادرة من الساقطين في النار شديدة ومخيفة، كما جاء في القرآن:
    {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهَا جَمَلَاتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 32-34]

من أول العابرين على الصراط؟

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(يضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجتاز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلامهم يومئذ: اللهم سلم سلم) [رواه البخاري ومسلم].

أي أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيكون أول من يعبر الصراط مع أمته، متبوعاً بالأنبياء والمرسلين، ثم بقية الناس بحسب أعمالهم.

نور العبور وسرعة المرور

يوم القيامة، يسود ظلام دامس يحجب القدرة على المشي أو التحرك إلا بنور، وهو نور أعمال الإنسان الصالحة:

  • من كان عمله كثيراً، يضيء له نوره كالجبل أو الشجرة الكبيرة،

  • ومن كان عمله قليلاً، نوره صغير جداً، كضوء إبهامه المتقطع،

  • ومن كان فاسداً، تحيط به الظلمات من كل جانب.

كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
(فمنهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يكون نوره كالرجل القائم، ومنهم من يكون نوره على إبهامه يتقد مرة وينطفئ مرة، وهذا أقلهم نوراً، ومنهم من تحوطه الظلمة من كل ناحية) [رواه أحمد وصححه الألباني].

لحظة اللقاء والذكرى في يوم القيامة

السيدة عائشة رضي الله عنها عندما تذكرت ذلك اليوم العظيم بكت، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائها، فقالت:
«تذكرت يوم القيامة، هل سيُذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ وهل سنذكر أبائنا؟»

فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم:
«نعم، إلا في ثلاث مواضع: عند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط.»

وهذا يظهر شدة التركيز والاختبار في تلك اللحظات التي لا ينفع فيها إلا ما قدمه الإنسان من عمل صالح.

دروس مستفادة من مشهد الصراط العظيم

  • كلنا سنمر على هذا الجسر الرفيع، فلا يكفي الاعتماد على النسب أو المال أو المنصب.

  • الأعمال الصالحة هي من تجعل مرورنا سهلاً، وسريعاً، ومضيئاً.

  • الذنوب والأعمال السيئة تثقل كاهلنا، فتجعل المرور بطيئاً وخطيراً، بل قد تسبب السقوط في النار.

  • الاستعانة بالله، والإكثار من الأعمال الصالحة، والابتعاد عن الذنوب، خصوصاً المعاصي الصغيرة التي قد تبدو لنا بسيطة لكنها مؤثرة.

دعاء الختام

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لعبور الصراط بسلام، وأن يجعلنا من أهل الجنة، وينجينا من عذاب النار، وأن يلهمنا السير على طريقه المستقيم بكل خضوع وتقوى.
اللهم آمين.


معنى الصراط في اللغة والاصطلاح

الصراط في اللغة هو الطريق الواضح المستقيم، وقد ورد اللفظ في القرآن الكريم بهذا المعنى كثيراً، ومنه سؤال الهداية إلى الطريق المستقيم في سورة الفاتحة. أما في اصطلاح علماء العقيدة فيطلق على الجسر المنصوب على متن جهنم يوم القيامة، يمر عليه الناس على قدر أعمالهم. ويلاحظ العلماء صلة لطيفة بين المعنيين، فمن استقام على الصراط المعنوي في الدنيا، وهو دين الله، ثبتت قدمه على الصراط الحسي في الآخرة.

الإيمان بالصراط في عقيدة أهل السنة

يعد الإيمان بالصراط جزءاً من الإيمان باليوم الآخر، وقد قرره علماء أهل السنة والجماعة في كتب العقائد، استناداً إلى أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما. ويؤمنون به على ظاهر ما جاء في النصوص، دون الخوض في كيفيته بما لم يرد، لأنه من أمور الغيب التي لا تُدرك بالعقل المجرد.

منهج التعامل مع نصوص الغيب

يؤكد العلماء أن الحديث عن أحوال الآخرة يجب أن يقتصر على ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة، وأن يحذر المتحدث من القصص المكذوبة والمبالغات التي تنتشر في بعض المجالس والمواقع، لأن الغيب لا يُعرف إلا بالخبر الصادق.

ترتيب مشاهد القيامة كما يذكره العلماء

اجتهد العلماء في ترتيب أحداث اليوم الآخر بحسب ما فهموه من النصوص، والمشهور في كثير من كتب العقيدة الترتيب الآتي، مع وجود خلاف في بعض التفاصيل:

  1. النفخ في الصور والبعث من القبور.
  2. الحشر إلى أرض المحشر والوقوف الطويل.
  3. الشفاعة العظمى لبدء الحساب.
  4. العرض والحساب وتطاير الصحف.
  5. الميزان الذي توزن فيه الأعمال.
  6. الحوض الذي يرده المؤمنون، وفي موضعه خلاف بين العلماء.
  7. المرور على الصراط.
  8. القنطرة التي ذكر بعض أهل العلم أن المؤمنين يُحبسون عليها بعد الصراط ليُقتص لبعضهم من بعض قبل دخول الجنة.

الصراط في القرآن الكريم

لم يرد في القرآن الكريم لفظ الصراط بمعنى الجسر المنصوب على جهنم صراحة، وإنما جاءت تفاصيله في السنة النبوية. غير أن بعض المفسرين ربطوا به آيات تتحدث عن ورود الناس جميعاً على النار ثم نجاة المتقين، وعن النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم يوم القيامة، بينما يطلب المنافقون أن يقتبسوا منه فيُحال بينهم وبينه. وهذه المعاني تتكامل مع ما ورد في الأحاديث من أن الناس يمرون على الجسر بقدر أعمالهم وأنوارهم.

أعمال تعين على النجاة

بيّن العلماء أن سرعة المرور على الصراط مرتبطة بالأعمال، وأن النور الذي يُعطاه المؤمن يكون بقدر إيمانه وعمله. ومن الأعمال التي يحث عليها أهل العلم استعداداً لذلك اليوم:

  • المحافظة على الصلاة: فهي عماد الدين وأول ما يُسأل عنه العبد.
  • الاستقامة على الطاعة: وترك الكبائر، والإكثار من التوبة والاستغفار.
  • أداء الحقوق إلى أصحابها: لأن المظالم بين الناس لا تسقط إلا بالأداء أو العفو.
  • حسن الخلق: فقد ورد في السنة أنه من أثقل ما يوضع في الميزان.
  • الدعاء بالثبات: وقد كان من دعاء الرسل يومئذ سؤال الله السلامة، كما ورد في الأحاديث.
  • الصدقة وإعانة المحتاجين: وتفريج الكربات عن الناس.

التوازن بين الخوف والرجاء

ليس المقصود من الحديث عن أهوال القيامة بث اليأس في القلوب، بل إيقاظها للعمل، فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف من عقابه والرجاء في رحمته، ويحسن الظن بربه مع الاجتهاد في الطاعة.

أسئلة شائعة

هل يمر الكفار على الصراط؟

للعلماء في هذه المسألة أقوال، وقد ذكر بعضهم أن المرور يكون للمؤمنين ومن انتسب إلى الإيمان، والتفصيل موجود في كتب العقيدة المعتمدة.

هل وصف الصراط بأنه أدق من الشعر ثابت؟

ورد هذا الوصف في بعض الروايات، وقد بحث المحدثون في أسانيدها، ويُرجع إلى أهل الاختصاص لمعرفة درجتها.

ما الحكمة من ذكر الصراط في النصوص؟

من حكمه تذكير الإنسان بعاقبة أعماله، وحثه على الاستقامة، وتعظيم شأن ذلك اليوم في نفسه، وإظهار عدل الله ورحمته في التفريق بين العباد بحسب ما قدموا.

خلاصة

الصراط جسر منصوب على جهنم يعبره الناس يوم القيامة بحسب أعمالهم، والإيمان به من أصول الإيمان باليوم الآخر عند أهل السنة. ويحسن بالمسلم أن يتلقى أخبار الغيب من النصوص الصحيحة، وأن يجعل من التفكر فيها دافعاً إلى الاستقامة والعمل الصالح وأداء الحقوق، مع رجاء رحمة الله وحسن الظن به.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !