العدل في ظل الإسلام

يحتل العدل في ظل الإسلام مكانة مركزية، فهو من القيم الكبرى التي جاءت بها الرسالات، وعليه تقوم العلاقات بين الأفراد والأسر والمجتمعات والدول. وقد جعلته الشريعة أساسًا للحكم والقضاء والشهادة والمعاملات، وأمرت به حتى مع المخالف والخصم.

نعرض في هذا المقال نصوصًا من القرآن والسنة وأقوال السلف في فضل الإنصاف، ثم نتوسع في معناه اللغوي والاصطلاحي، والفرق بينه وبين المساواة، ومجالاته في الحياة، ونماذج من التاريخ الإسلامي، وآثاره في استقرار المجتمعات كما رآها العلماء والمفكرون.

نصوص في فضل العدل والأمر به


العدل في ظل الإسلام وإعطاء كل ذي حق حقه

العدل بمفهومه الإنساني هو إعطاء كل ذي حق حقه ولأهميته ومنزلته ، بعث الله روسله وأنزل كتبه ، لنشره بين الناس على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم  وأن العدل  صفة خلقية كريمة تعني التزام الحق والإنصاف في كل أمر من أمور الحياة ، والبعد عن الظلم والبغي والعدوان.

وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم : ( تعدل بين اثنين صدقة ) فاتقوا الله عز وجل فهي مفتاح كل خير، وهي مفتاح العدل ولأهمية العدل في الإسلام في كونه صفة من صفات الله تعالى ومن القيم الأساسية التي حث عليها القرآن و كررها في العديد من الآيات، أمر الله به عباده في آيات كثيرة من كتابه العزيز وبين محبته لأهله فقال عز وجل: ("يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون") ( المائدة / 8).

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقال سبحانه: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعاً بصيراً وقال سبحانه مبينا وجوب العدل في كافة الأحوال دون مراعاة لقرابة أوعرف أو غير ذلك من الاعتبارات الأرضية الجاهلية : ("يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا") - النساء/ 135 .

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل دون أن تأخذهم في الله لومة لائم شهداء لله أي أدوها ابتغاء وجه الله فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أي اشهد بالحق ولو عاد ضررها عليك أو على الوالدين والأقربين لا تراعهم فأما إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقر فالله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا أي لا يحملنكم الهوى والمعصية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم وفي هذا الحق يتساوى عند الله عز وجل المؤمنون وغير المؤمنين، ويتساوى الأقارب والأباعد، ويتساوى الأعداء والأصدقاء والأغنياء والفقراء، وليس الأمر مجرد مثاليات نظرية لا تجد سبيلها في التطبيق العملي .. كلا وألف كلا وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر :
ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين! فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه، فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين، فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه، فقال القبطي: إنما ضربتُ مَن ضربني . ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟.

ويبين الله عز وجل محبته لأهل القسط والعدل في آيات كثيرة من كتابه الكريم فقال:
("وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين") سورة الحجرات / 9

وقال: ("وإن حكمت فأحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين") المائدة / 42
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا)) وروى مسلم كذلك عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال)) وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر أولهم ((إمام عادل)).

قال سبحانه: ("ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون") المائدة / 44 ، ("ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون") المائدة / 45 ،("ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون") المائدة / 47 ،("شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام") . آل عمران/ 18 .

وكما قال تعالى: ("لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط") . الحديد / 25

والله عز وجل يقول: ("ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا") الإسراء/ 36 

وقال الله تعالى: ("إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل") النساء:58)

وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) وقال تعالى: (فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)) سورة النساء الآية 3

ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم)).

يقول عمر رضي الله عنه: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .

المعنى اللغوي والاصطلاحي

العدل في اللغة ضد الجور، وأصله الاستقامة والتسوية، يقال عدل الميزان إذا استوت كفتاه. ويقرب منه القسط، وهو النصيب العادل، ولهذا اقترن اللفظان كثيرًا في النصوص. أما في الاصطلاح فيعرّفه العلماء بأنه وضع الأمور في مواضعها، وإعطاء كل ذي حق حقه دون زيادة أو نقصان، وهو تعريف يجمع بين الحكم الصحيح والمعاملة المنصفة.

العدل من الأسماء الحسنى

يذكر كثير من العلماء العدل ضمن أسماء الخالق سبحانه في القوائم المشهورة للأسماء الحسنى، ومعناه المنزه عن الظلم في حكمه وفعله. ومن هنا كان الإنصاف خُلقًا يقترب به المؤمن من الكمال المأمور به، والظلم صفة يحرمها الشرع على العباد فيما بينهم.

الفرق بين العدل والمساواة

يخلط بعض الناس بين المفهومين، والصحيح أن بينهما عمومًا وخصوصًا. فالمساواة تعني التسوية في المعاملة، وهي عين الإنصاف إذا تساوت الأحوال، كالتسوية بين المتخاصمين أمام القاضي، والتسوية بين الناس في الحقوق الأساسية. لكن إذا اختلفت الأحوال كان الإنصاف في مراعاة الفروق، كإعطاء العامل أجره بحسب عمله، ومراعاة المريض والعاجز في التكاليف. ولهذا قرر العلماء أن الشريعة تسوي بين المتماثلات وتفرق بين المختلفات.

مجالات العدل في حياة المسلم

في القضاء والحكم

أولى الفقهاء القضاء عناية بالغة، وألفوا كتبًا في أدب القاضي تبين واجباته: أن يسوي بين الخصمين في المجلس والنظر والكلام، وألا يقضي وهو غضبان، وأن يسمع حجة كل طرف. ومن القواعد المشهورة في هذا الباب أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت خلافها.

في الأسرة

يشمل الإنصاف داخل البيت التسوية بين الأبناء في العطايا والمعاملة، وقيام الزوجين بحقوق كل منهما تجاه الآخر، والعدل بين الزوجات لمن عدّد، كما قرر الفقهاء في الأمور الظاهرة من النفقة والمبيت.

في القول والشهادة

أمرت النصوص بقول الحق ولو كان على النفس أو الوالدين أو الأقربين، ونهت عن كتمان الشهادة وشهادة الزور، وعدّ العلماء ذلك من أعظم الكبائر لما فيه من تضييع الحقوق.

في المعاملات

يتجلى في إيفاء الكيل والميزان، والوفاء بالعقود، وإعطاء الأجير أجره، وتحريم الغش والاحتكار والربا، وكلها صور لمنع أكل أموال الناس بالباطل.

مع المخالفين والخصوم

من أبرز ما يميز التصور الإسلامي للإنصاف أنه لا يسقط بالعداوة، فالبغض لقوم لا يبيح ظلمهم، وأهل الذمة والمعاهدون لهم حقوق مصونة في الفقه الإسلامي.

مع النفس

تحدث العلماء أيضًا عن إنصاف الإنسان نفسه، بأن يعطي جسده حقه من الراحة والغذاء، وأسرته حقها من الوقت والرعاية، وعمله حقه من الإتقان، فلا يطغى جانب على آخر. ومن ظلم النفس إهمال صحتها، أو إيقاعها في المعاصي، أو تحميلها ما لا تطيق. ويُستشهد في هذا المعنى بأخبار تدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أقر التوازن بين العبادة وحقوق النفس والأهل، ونهى عن الغلو والتشدد الذي يُفضي إلى الانقطاع والملل.

نماذج من التاريخ الإسلامي

  • عمر بن الخطاب: اشتهر بلقب الفاروق، وتروي كتب التاريخ قصصًا كثيرة عن محاسبته ولاته، ومنها قصة القبطي الذي شكا ابن عمرو بن العاص، وتُنسب إلى عمر في هذه القصة عبارة مشهورة في إنكار استعباد الناس وقد ولدوا أحرارًا.
  • علي بن أبي طالب: تروي المصادر أنه تقاضى وهو خليفة مع رجل من أهل الكتاب في درع أمام القاضي شريح، فحكم القاضي للخصم لعدم البينة الكافية، فكان ذلك مثالًا على استقلال القضاء.
  • عمر بن عبد العزيز: اشتهر برد المظالم وإصلاح الإدارة خلال خلافته القصيرة، حتى صار نموذجًا يُستشهد به في الحكم الراشد.

العدل وعمران المجتمعات

ربط المفكرون المسلمون بين الإنصاف واستقرار الدول، فقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلًا بعنوان أن الظلم مؤذن بخراب العمران، بيّن فيه أن الاعتداء على أموال الناس وحقوقهم يقتل الحافز على العمل والإنتاج، فتضعف الدولة وتنهار. ويُنقل عن ابن تيمية معنى مشهور مفاده أن الدولة العادلة تبقى ولو كانت كافرة، وأن الظالمة لا تدوم ولو كانت مسلمة، في إشارة إلى أن سنن الاجتماع تجري على الجميع.

وسائل تحقيق الإنصاف في المجتمع

لا يتحقق هذا المبدأ بالمواعظ وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات وضمانات، منها: قضاء مستقل لا يخضع للأهواء، وقوانين واضحة يعرفها الناس، ورقابة على أصحاب السلطة، وتعليم يربي النشء على احترام حقوق الآخرين، وإعلام يتحرى الصدق في نقل الأخبار.

ثمرات العدل

  1. الأمن والطمأنينة في المجتمع.
  2. الثقة بين الحاكم والمحكوم وبين الناس فيما بينهم.
  3. ازدهار الاقتصاد لاطمئنان الناس على أموالهم.
  4. قلة النزاعات والأحقاد.
  5. رضا الخالق وحسن العاقبة في الآخرة.

أسئلة شائعة

هل العدل واجب مع غير المسلمين؟

نعم، فقد قرر العلماء أن الإنصاف واجب مع كل أحد، وأن الظلم محرم في حق المسلم وغيره.

كيف يطبق الفرد العدل في حياته اليومية؟

بالإنصاف في الحكم على الآخرين، وأداء الحقوق في العمل والأسرة، وقول الحق في الشهادة، وتجنب التحيز في المواقف والآراء.

ما الفرق بين العدل والإحسان؟

العدل إعطاء الحق دون نقص، والإحسان زيادة على الواجب تفضلًا، وقد جمعت النصوص بينهما في الأمر.

خلاصة

الإنصاف في التصور الإسلامي قيمة شاملة تمتد من القلب واللسان إلى القضاء والحكم والاقتصاد، وهو أساس الملك وسبب بقاء الأمم، والتزام المسلم به في نفسه وأسرته ومجتمعه طريق إلى صلاح الدنيا والآخرة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !