الإسترفاع(Levitation)

الاسترفاع أو الليفيتيشن من الظواهر التي شغلت خيال البشر منذ القدم، فهو يعني ارتفاع جسم الإنسان أو الأشياء في الهواء دون سند ظاهر، وقد ارتبط بقصص الروحانيين والسحرة وعروض الخدع البصرية. في هذا المقال نعرض ما يروى عن الاسترفاع، ثم نتوسع في تتبع حضوره في الثقافات المختلفة، ونشرح كيف ينفذ السحرة عروضه، ونبين الطرق العلمية الحقيقية التي يمكن بها رفع الأجسام في المختبرات، ولماذا يظل العلماء متشككين في الادعاءات الخارقة.

ما يروى عن ظاهرة الاسترفاع

الاسترفاع Levitation من أغرب الظواهر الخارقة
الاسترفاع هي احدى اكثر الظواهر غرابة في العالم وهي احدى الظواهر الخارقة للعادة ، حيث ترتفع الأشياء او الحيوانات او البشر دونما تفسير علمي او منطقي ودون استخدام اي وسيلة مساعدة ، ويقال ان هذه الظاهرة تحدث اثناء الوساطة الصوفية.
ظاهرة الاسترفاع وارتفاع الأشياء دون تفسير علمي

وهناك اعتقادا سائدا بأن تلك المقدرة متعلقة بممارسة السحر، إلا أن هذا التفسير غير مؤكد حتى الآن، كما أن هناك اعتقاد آخر متعارف عليه عند المشككين، وهو أن قضية الاسترفاع ليست سوى خدعة يطلق عليها اسم: استرفاع بالدوتشي (Levitation Balducci ) وهي خدعة متداولة بكثرة ويعرفها الكثيرون، بل وتوجد مواقع متخصصة في الإنترنت تشرح تفاصيل التدرب عليها وممارستها، أما المتحمسين لهذه القضية فيرون أن الاسترفاع حقيقة ولا علاقة له بممارسة السحر والشعوذة، وإنما يقدر على ممارسته الروحانيين والرهبان عند الوصول إلى حالة متقدمة من حالات النيرفانا.

ومن القصص التي تروى حول هذا الموضوع قصة المجوسي الملقب بـ (شمعون) واللذي طار بالهواء امام بطرس ، فقام بطرس بالصلاة لله حتى يفضح حيلة المجوسي شمعون فهوى شمعون على الأرض ومات ، كما يوجد العديد من القصص حول هذه الظاهرة الخارقة للعادة كقصص الهودوس والبوذيين ومحاربي النينجا وغيرهم.
استرفاع دانيال دنغلاس هوم من أشهر حالات الاسترفاع
كما يذكر ان حيلة رفع الحبل التي يقوم بها فقراء الهنود ، لها علاقة وطيدة بالتنويم المغناطيسي حيث يرى البعض ما يحدث بينما لا يرى البعض الآخر ما يحدث .
أشتهر الروحانييون بموضوع الاسترفاع فيذكر ان دانيال داغليس هوم (Daniel Dunglas Home) وهو احد علماء الفيزياء المعروفين بالقرن الثامن عشر ، قد مارس الاسترفاع ويذكر انه قد شوهد يخرج من منزله في الطابق الثالث الى الطابق الثاني عبر النافذة .

في الحقيقة يبقى العلم عاجزا حيال مثل هذه الظواهر لكن بعض اللذين مارسوا الاسترفاع قد استخدموا اسلاك رفيعة لخداع الناظرين ويقال كذلك إن للتنويم المغناطيسي دور كبير في مثل هذه الظاهرة .

الاسترفاع في الثقافات والمعتقدات

لا تكاد تخلو ثقافة من قصص عن أشخاص ارتفعوا عن الأرض أو طاروا في الهواء، فقد نسبت الأساطير القديمة هذه القدرة إلى الحكماء والسحرة والقديسين. ففي بعض التقاليد الآسيوية تروى حكايات عن نساك ورهبان بلغوا مراتب روحية عالية فصاروا قادرين على الارتفاع، وفي التراث الأوروبي في العصور الوسطى ارتبطت الظاهرة أحياناً بالقديسين، وأحياناً أخرى بالسحر وتهم الشعوذة. كما ظهرت في الأدب الشعبي وقصص الخيال الحديثة، من حكايات البساط الطائر إلى أفلام الأبطال الخارقين.

الحركة الروحانية في القرن التاسع عشر

شهد القرن التاسع عشر انتشار ما يعرف بالحركة الروحانية في أوروبا وأمريكا، وهي حركة كان أتباعها يعتقدون بإمكانية التواصل مع أرواح الموتى عبر وسطاء. وكانت جلسات تحضير الأرواح تتضمن أحياناً ظواهر غريبة كطرقات على الطاولات، وتحرك الأثاث، وادعاءات الاسترفاع. ومن أشهر الأسماء في تلك المرحلة دانيال دنغلاس هوم المذكور في المقال، وقد كان وسيطاً روحانياً اسكتلندي الأصل لا عالماً في الفيزياء، واشتهر بعروض حضرها أشخاص من الطبقات الراقية، وأثارت جدلاً واسعاً بين من صدقوه ومن رأوا فيها خداعاً لم يكشف سره.

موقف المحققين والمتشككين

تصدى عدد من الباحثين والسحرة المحترفين لكشف حيل الوسطاء الروحانيين، ومن أشهرهم الساحر هاري هوديني الذي كرس جزءاً من حياته لفضح الوسطاء المحتالين. وقد كشفت التحقيقات أن كثيراً من الظواهر المدعاة كانت تعتمد على الإضاءة الخافتة، وتشتيت انتباه الحضور، والمساعدين الخفيين، والأدوات المخفية.

كيف ينفذ السحرة عروض الاسترفاع؟

يعد الاسترفاع من أشهر فقرات عروض الخدع البصرية، ويستخدم السحرة فيه أساليب متنوعة تعتمد على فهم دقيق لطريقة إدراك العين والدماغ، ومن أبرزها:

  • زوايا الرؤية: كما في خدعة بالدوتشي المذكورة في المقال، حيث يقف المؤدي بزاوية معينة تخفي جزءاً من قدمه، فيبدو للمشاهدين أنه ارتفع قليلاً عن الأرض.
  • الدعامات المخفية: مثل القضبان المعدنية المتينة المختبئة داخل الملابس أو العصي، وهي أساس عروض الشوارع التي يظهر فيها شخص جالساً في الهواء.
  • الأسلاك الرفيعة: تستخدم في المسارح مع إضاءة مدروسة تجعلها غير مرئية للجمهور.
  • المرايا والخلفيات: لإخفاء أدوات الرفع وتشويش إدراك العمق.
  • التحرير والمؤثرات: في المقاطع المصورة يمكن إنتاج مشاهد مقنعة بالمونتاج والمؤثرات الرقمية.

خدعة الحبل الهندي

من القصص المتداولة خدعة الحبل الهندي، التي يقال فيها إن ساحراً يرمي حبلاً في الهواء فيقف منتصباً، ثم يتسلقه صبي ويختفي. وقد بحث مؤرخو السحر في أصول هذه الحكاية، ويرى كثير منهم أن الرواية الكاملة بصيغتها المدهشة لم توثق بشكل موثوق، وأن انتشارها في الغرب ارتبط بالقصص الصحفية والمبالغات، بينما ينسبها بعضهم إلى الإيحاء أو التنويم كما يذكر المقال، وهو تفسير لا يحظى بإجماع.

الرفع الحقيقي في العلم: كيف ترتفع الأجسام دون لمس؟

على عكس الادعاءات الخارقة، توصل العلماء إلى طرق حقيقية لرفع الأجسام في الهواء دون ملامستها، وكلها تعتمد على قوانين فيزيائية مفهومة:

الرفع المغناطيسي

يقوم على استخدام قوى التنافر المغناطيسي، وأشهر تطبيقاته قطارات الماغليف التي ترتفع قليلاً عن السكة وتسير بسرعات عالية مع احتكاك منخفض. كما يمكن رفع المغناطيسات الصغيرة فوق قاعدة مغناطيسية مصممة بعناية.

الموصلات الفائقة

عند تبريد بعض المواد إلى درجات حرارة منخفضة جداً، تصبح موصلات فائقة تطرد المجال المغناطيسي، فيمكن أن تطفو فوق المغناطيس بشكل ثابت، وهي تجربة شائعة في عروض الفيزياء التعليمية.

الرفع الصوتي والمغناطيسية المعاكسة

تستطيع الموجات الصوتية القوية المركزة رفع قطرات صغيرة من السوائل أو حبيبات خفيفة في نقاط معينة من الهواء. كما أجرى باحثون تجارب على رفع أجسام حية صغيرة باستخدام مجالات مغناطيسية شديدة جداً بفضل خاصية تسمى المغناطيسية المعاكسة، وهي خاصية موجودة في الماء وكثير من المواد.

وهذه التطبيقات تبين أن الارتفاع في الهواء ممكن فعلاً، لكنه يحتاج إلى أجهزة وطاقة وظروف خاصة، ولا علاقة له بالقدرات الروحية أو السحرية.

لماذا يتشكك العلماء في الاسترفاع الخارق؟

يعتمد العلم على الأدلة القابلة للتكرار والقياس، والادعاءات المتعلقة بالاسترفاع البشري تفتقر في الغالب إلى ذلك، فهي تعتمد على شهادات الحضور، أو صور ومقاطع يمكن التلاعب بها، أو عروض في ظروف غير خاضعة للرقابة. وحين تخضع مثل هذه الادعاءات لاختبارات مضبوطة، لا تظهر عادة أي نتائج تؤيدها. كما أن الذاكرة البشرية والإدراك قابلان للتأثر بالتوقعات والإيحاء، مما يفسر اختلاف روايات الشهود للحدث الواحد.

التفكير النقدي أمام الظواهر الغريبة

عند سماع قصة عن ظاهرة خارقة، يحسن أن نسأل: من رواها؟ وهل وثقت بطريقة مستقلة؟ وهل يوجد تفسير أبسط لها؟ فالقاعدة المعروفة في التفكير العلمي أن الادعاءات الاستثنائية تحتاج إلى أدلة استثنائية.

الاسترفاع في الفن والسينما

ألهمت فكرة الارتفاع في الهواء الفنانين منذ قرون، فظهرت في اللوحات الدينية التي تصور القديسين محلقين، وفي الرسوم التي تصور السحرة على المكانس الطائرة في الحكايات الأوروبية الشعبية. وفي العصر الحديث أصبحت السينما ميداناً واسعاً لهذه الفكرة، فالأفلام تعتمد على الحبال الخفية والمؤثرات الرقمية لتصوير شخصيات تطير وتطفو بإقناع شديد، وهو ما يجعل كثيراً من المشاهدين يتقبلون الفكرة بصرياً وإن كانوا يعلمون أنها خيال.

تأثير الصورة في تصديق الظاهرة

انتشرت على مواقع التواصل مقاطع كثيرة تظهر أشخاصاً يطفون في الشوارع أو الحدائق، وتحصد ملايين المشاهدات. وكثير من هذه المقاطع نتاج تحرير ذكي أو أدوات مخفية، أو تصوير من زوايا محسوبة بعناية. ولأن الإنسان يميل إلى تصديق ما يراه، فإن الصورة المتقنة قد تكون أكثر إقناعاً من أي رواية مكتوبة، وهنا تبرز أهمية الوعي بإمكانات التلاعب البصري في عصرنا الرقمي.

الاسترفاع بين الخرافة والترفيه

من المفيد أن نفرق بين الاسترفاع بوصفه فناً ترفيهياً يعلن صاحبه أنه خدعة ويستمتع الجمهور بمهارته، وبين ادعاء القدرات الخارقة الذي قد يستغل لخداع الناس أو أخذ أموالهم. فالساحر المحترف يقدم عرضاً فنياً، أما مدعي الكرامات الزائفة فقد يتلاعب بمعتقدات الناس وآمالهم، ولذلك يحذر الكثير من المختصين من الانسياق وراء هؤلاء.

أسئلة شائعة

هل يمكن لإنسان أن يرتفع في الهواء بقدرته الذاتية؟

لا يوجد دليل علمي موثق على ذلك، وكل العروض المعروفة تفسر بالخدع البصرية أو الأدوات المخفية.

ما خدعة بالدوتشي؟

هي خدعة بسيطة يقف فيها المؤدي بزاوية مدروسة أمام الجمهور، فيرفع جسمه على أطراف قدم واحدة مخفية، فيبدو كأنه يطفو قليلاً فوق الأرض.

هل قطارات الماغليف نوع من الاسترفاع؟

نعم بالمعنى الفيزيائي، فهي ترتفع عن السكة بفعل القوى المغناطيسية، وهو رفع علمي حقيقي يعتمد على التقنية.

خلاصة

ظاهرة الاسترفاع جزء من الموروث الأسطوري والروحاني للبشرية، وقد ارتبطت بقصص القديسين والوسطاء والسحرة، لكن التحقيقات الجادة كشفت أن معظم العروض المعروفة تقوم على الخداع البصري والأدوات المخفية. وفي المقابل، يقدم العلم الحديث طرقاً حقيقية لرفع الأجسام بالمغناطيس والموصلات الفائقة والموجات الصوتية، مما يثبت أن الفهم العلمي للطبيعة أكثر إدهاشاً أحياناً من الأساطير نفسها.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !