ما وظيفة خطوط الحمار الوحشي ؟

تُعد خطوط الحمار الوحشي من أشهر الأنماط اللونية في عالم الحيوان، وقد شغلت العلماء منذ زمن داروين وحتى اليوم، فلماذا يرتدي هذا الحيوان الإفريقي ثوبًا مخططًا بالأسود والأبيض بينما تكتسي أقاربه من الخيول والحمير ألوانًا موحدة؟ في هذا المقال نتعرف إلى الحمار الوحشي وأنواعه وبيئته، ونستعرض الفرضيات العلمية المختلفة التي طُرحت لتفسير وظيفة الخطوط، من التمويه وإرباك المفترسات إلى تنظيم الحرارة وطرد الحشرات، ونوضح ما تميل إليه الأدلة الحديثة.

دراسة الضوء المستقطب والذباب

خطوط الحمار الوحشي السوداء والبيضاء


في حقيقة الامر بقيت الأسباب التي من أجلها أصبح للحمار الوحشي خطوط على جسده سوداء وبيضاء موضوعاً للجدل لعقود بين العلماء ، في الاونة الاخيرة توصل علماء من المجر والسويد لفك هذا اللغز , ويقولون إن الخطوط التي تظهر على جسد الحمار الوحشي جاءت لتبعد عنه حشرات الذباب الماصة للدماء .

وقال الباحثون في مجلة العلم البيولوجي التجريبي إن هذا النمط من الخطوط الرفيعة يجعل الحمار الوحشي "غير جذاب" بالنسبة للذباب ، ولكن النقطة الرئيسية في هذا الأمر، هي كيف يعكس هذا الشكل من الخطوط الضوء الساقط عليه .

وقالت سوزان أكيسون من جامعة لوند، وهي أيضاً أحد أعضاء فريق البحث الدولي الذي قام بإعداد الدراسة : " لقد بدأنا أولا بدراسة الخيول ذات الجلود السوداء أو البنية أو البيضاء " ، واستمرت أكيسون بالقول : "ووجدنا أنه في الخيول السوداء والبنية ، حصلنا على أضواء مستقطبة أفقياً ". وهذا يجعل الخيول ذات الألوان الداكنة جذابة لذباب الخيل المعروف باسم "تابانيد" .

وهذا يعني أن الضوء الذي ينعكس من جلود الخيول الداكنة ، وينتقل في موجات إلى أعين الذباب الجائع، يتحرك على مستوى أفقي، مثل الثعبان الذي يزحف وجسده ممتد بشكل مستو على الأرض.

ووجدت أكيسون وفريقها أن ذباب الخيول كان ينجذب بشدة إلى هذه الموجات "المسطحة" من الضوء ، وأضافت :"ويتم الحصول على ضوء منعكس غير مستقطب من جلود الخيول البيضاء" . حيث تنتقل موجات الضوء غير المستقطبة عبر أي مستوى، وكل مستوى في نفس الوقت، ولذلك فهي أقل جاذبية للذباب.

ونتيجة لذلك ، فالخيول ذات الجلود البيضاء هي أقل معاناة من الذباب من مثيلاتها من الخيول ذات الجلود الداكنة اللون ، وبعد ما وجد فريق البحث أن الذباب يفضل الجلود الداكنة، أخذ الفريق يهتم بالحمار الوحشي ، فقد أراد أن الفريق أن يعرف نوع الضوء المنعكس من الجسد المخطط لهذا الحمار، وكيف يؤثر هذا في الذباب الذي يعد من أكثر الأعداء إزعاجاً للخيول والحمير.

وقالت أكيسون لـ بي بي سي : " لقد أقمنا نموذجاً تجريبياً وقمنا بدهان الأشكال المختلفة على لوحات " ، ثم وضع الفريق لوحات سوداء وأخرى بيضاء ، ولوحات أخرى عديدة عليها خطوط بأحجام مختلفة طولاً وعرضاً ، ثم وضع ذلك في أحد الحقول التي تضم مزرعة للخيل في منطقة ريفية بدولة المجر.

وقالت أكيسون: "وقمنا بوضع مادة لاصقة للحشرات على اللوحات وقمنا بإحصاء عدد الذباب الذي جذبته كل لوحة " ، وكانت اللوحات التي تتخذ أقرب الأشكال لشكل جلود الحمار الوحشي هي التي اجتذبت عددا أقل من الذباب على الإطلاق ، "حتى أقل من اللوحات البيضاء التي كانت تعكس الضوء غير المستقطب ".

وظيفة خطوط الحمار الوحشي في الطبيعة

وقالت الباحثة أيضاً : " كانت هذه مفاجأة ، لأنه بالنسبة للشكل المخطط ، فلا تزال لدينا هذه المناطق الداكنة التي تعكس الضوء المستقطب بشكل أفقي "،"إلا أن الخطوط الضيقة -كما في جسد الحمار الوحشي- كانت الأقل جذباً للذباب" .

ولإختبار رد فعل الذباب ، بشكل واقعي على نموذج ثلاثي الأبعاد، وضع الفريق أربعة نماذج من الخيل بنفس الحجم الحقيقي في أحد الحقول، ووضع عليها مادة لاصقة ، وتنوعت ألوان هذه النماذج الأربعة، فكان واحد منها باللون البني، وآخر بالأسود، وثالث 
بالأبيض، ورابع مخططاً بألوان بيضاء وسوداء، مثل الحمار الوحشي.

وأخذ الباحثون يجمعون الذباب العالق بسبب المادة اللاصقة كل يومين، ووجدوا أن نموذج الحمار الوحشي ذي الخطوط البيضاء والسوداء، هو الأقل عدداً في جذب الذباب، مقارنة بالنماذج الأخرى.

وقال البروفيسور ماثيو كوب، وهو عالم أحياء متخصص في التطور البيولوجي من جامعة مانشستر، إن التجربة "قوية ومثيرة" لكنه لم يستبعد الافتراضات الأخرى، بشأن أصل الحمار الوحشي المخطط .

وقال كوب لـ بي بي سي: "عموماً ، كان ينبغي على الباحثين، ليصبح هذا التفسير حقيقياً، أن يظهروا أن لدغات الذباب من نوع "تابانيد"، كانت تمثل ضغطا كبيراً بالفعل على الحمار الوحشي، وليس على الخيل والحمير العادية الموجودة في أي مكان آخر في العالم ... والتي ليست بها خطوط " .

وأضاف كوب : "هم يدركون ذلك في دراستهم، ولكن رأيي هو أنه ليس هناك تفسير واحد ، وأن العديد من العوامل لها علاقة بالخطوط على جسد الحمار الوحشي".

تعريف بالحمار الوحشي وأنواعه

ينتمي الحمار الوحشي إلى الفصيلة الخيلية التي تضم الخيول والحمير، ويعيش في مناطق متفرقة من شرق إفريقيا وجنوبها. ويعترف العلماء بثلاثة أنواع رئيسية:

  • حمار السهول: أكثر الأنواع انتشارًا، يعيش في السافانا والأراضي العشبية، ويُعرف بخطوطه العريضة التي قد تظهر بينها خطوط ظلية باهتة لدى بعض جماعاته.
  • حمار غريفي: أكبر الأنواع حجمًا، بخطوط ضيقة كثيفة وبطن أبيض، ويعيش في مناطق جافة من كينيا وإثيوبيا، ويُعد من الأنواع المهددة.
  • الحمار الوحشي الجبلي: يعيش في المناطق الجبلية والمرتفعات في جنوب غرب القارة، ويتميز بثنية جلدية في الرقبة.

ولكل حمار وحشي نمط خطوط فريد لا يتطابق مع غيره، يشبه بصمة الإصبع لدى الإنسان. ويرجح العلماء استنادًا إلى دراسات الأجنة والجلد أن الحيوان ذو جلد داكن، وأن الخطوط البيضاء تنتج عن تثبيط إنتاج الصبغة في مناطق معينة من الشعر.

الفرضيات العلمية لتفسير الخطوط

التمويه وإرباك المفترسات

من أقدم الفرضيات أن الخطوط تساعد على التخفي بين الأعشاب الطويلة أو تحت ضوء الغسق، أو أنها تُربك الأسود والضباع عندما يركض القطيع، إذ تتداخل الخطوط فيصعب على المفترس تمييز حيوان بعينه وتقدير اتجاه حركته وسرعته. غير أن بعض الباحثين شككوا في هذه الفرضية، لأن المفترسات تصطاد غالبًا ليلًا أو من مسافات قريبة، ولأن حدة بصرها في الإضاءة الخافتة قد لا تسمح بتمييز الخطوط من بعيد أصلًا.

تنظيم حرارة الجسم

اقترح بعض العلماء أن الخطوط السوداء تمتص الحرارة أكثر من البيضاء، فتنشأ تيارات هوائية صغيرة فوق الجلد تساعد على التبريد في الحر الإفريقي. لكن التجارب التي قارنت بين أسطح مخططة وأخرى موحدة اللون لم تقدم دليلًا حاسمًا على هذا الأثر.

التعرف الاجتماعي

بما أن نمط الخطوط فريد لكل فرد، فقد يساعد أفراد القطيع على التعرف إلى بعضهم، وخصوصًا الأمهات وصغارها. وهذه الوظيفة ممكنة، لكنها لا تفسر وحدها سبب نشأة الخطوط، لأن حيوانات كثيرة تتعرف إلى بعضها بالرائحة والصوت دون خطوط.

طرد الحشرات الماصة للدماء

هذه الفرضية التي تناولها المقال الأصلي حظيت بدعم متزايد في السنوات الأخيرة. فإلى جانب تجارب الضوء المستقطب، أجرى باحثون آخرون تجارب ميدانية على خيول ألبسوها أغطية مخططة، وصوروا سلوك ذباب الخيل حولها، فلاحظوا أن الذباب يقترب لكنه يجد صعوبة في الهبوط على الأسطح المخططة، فيصطدم بها أو يحلق مبتعدًا. ويرجح الباحثون أن الخطوط تشوش على قدرة الذباب البصرية في أثناء الاقتراب الأخير. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة لأن الذباب في المناطق الإفريقية قد ينقل أمراضًا خطيرة للحيوانات.

هل حُسم الجدل؟

يميل كثير من العلماء اليوم إلى اعتبار طرد الحشرات أقوى التفسيرات المدعومة بالتجارب، لكنهم لا يستبعدون أن تكون للخطوط وظائف متعددة في آن واحد، وأن الانتقاء الطبيعي فضّلها لأكثر من سبب. ويستمر البحث في هذا المجال باستخدام الكاميرات عالية السرعة ونماذج الرؤية لدى الحشرات والمفترسات.

السلوك والحياة الاجتماعية

يعيش حمار السهول والنوع الجبلي في مجموعات عائلية صغيرة يقودها ذكر واحد مع عدد من الإناث وصغارها، وقد تجتمع هذه المجموعات في قطعان كبيرة خلال مواسم الهجرة بحثًا عن المراعي والمياه. أما حمار غريفي فأقل ارتباطًا بالمجموعات الثابتة. ويتغذى الحمار الوحشي أساسًا على الأعشاب، ويقضي ساعات طويلة في الرعي يوميًا، ويعتمد على السرعة والركل والعض في الدفاع عن نفسه.

الحمار الوحشي والإنسان

رغم تشابهه الكبير مع الحصان، لم ينجح الإنسان في استئناس الحمار الوحشي على نطاق واسع، بسبب طباعه الحذرة وسرعة رد فعله العدواني عند الشعور بالخطر. ويواجه بعض أنواعه تهديدات مثل فقدان الموائل والمنافسة مع الماشية على المراعي والمياه والصيد، ولذلك تعمل محميات طبيعية وبرامج حماية في عدة دول إفريقية على صون أعداده.

أسئلة شائعة

هل الحمار الوحشي أبيض بخطوط سوداء أم العكس؟

يرجح العلماء أن لونه الأساسي داكن، وأن الخطوط البيضاء ناتجة عن غياب الصبغة في مناطق معينة.

هل تتشابه خطوط حمارين وحشيين؟

لا، فلكل فرد نمط خاص، ويستخدم الباحثون صور الخطوط لتمييز الأفراد ومتابعة أعدادها في البرية.

هل تحمي الخطوط من الأسود؟

هذه إحدى الفرضيات القديمة، لكن الأدلة عليها أضعف من الأدلة على دورها في الحد من لدغات الذباب.

خلاصة

ظلت خطوط الحمار الوحشي لغزًا علميًا طويلًا، وتعددت الفرضيات حولها بين التمويه وتنظيم الحرارة والتعرف الاجتماعي. وتشير التجارب الحديثة بقوة إلى أن الحد من هبوط الذباب الماص للدماء من أبرز وظائفها، مع بقاء احتمال أن تؤدي أدوارًا أخرى مكملة، مما يجعلها مثالًا رائعًا على تعقيد التكيفات في الطبيعة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !