بر أباه فماذا وجد ؟

تتناقل المجالس والمنابر قصصاً كثيرة عن ثمرة الإحسان إلى الوالدين، ومنها قصة الشاب الذي بر أباه فوجد من خير الدنيا ما لم يكن يتوقعه. وسواء أكانت تفاصيل هذه الحكايات موثقة أم مما يرويه الوعاظ للعبرة، فإن مغزاها يلتقي مع قيمة راسخة في الإسلام وفي الفطرة الإنسانية.

نعرض في هذا المقال القصة كما وردت، ثم نتناول مكانة بر الوالدين في الشريعة، وصوره العملية في الحياة اليومية، وكيف يستمر البر بعد وفاتهما، مع وقفات تربوية حول الدين والمسؤولية الأسرية.

قصة الابن البار بأبيه

قصة بر الوالدين وجزاء من بر أباه

يقول أحد الدعاة: كان هناك رجل عليه دين , وفي يوم من الأيام جاءه صاحب الدين وطرق عليه الباب ففتح له أحد الأبناء فاندفع الرجل بدون سلام ولا احترام وأمسك بتلابيب صاحب الدار وقال له : اتق الله وسدد ما عليك من الديون فقد صبرت عليك أكثر من اللازم ونفذ صبري ماذا تراني فاعل بك يا رجل؟!.

وهنا تدخل الابن ودمعة في عينيه وهو يرى والده في هذا الموقف وقال للرجل كم على والدي لك من الديون , قال أكثر من تسعين ألف ريال.

فقال الابن : اترك والدي واسترح وأبشر بالخير، ودخل الشاب إلى غرفته حيث كان قد جمع مبلغا من المال قدره سبعة وعشرون ألف ريال من راتبه ليوم زواجه الذي ينتظره ولكنه آثر أن يفك به ضائقة والده ودينه على أن يبقيه في دولاب ملابسه.

دخل إلى المجلس وقال للرجل: هذه دفعة من دين الوالد قدرها سبعة وعشرون ألف ريال وسوف يأتي الخير ونسدد لك الباقي في القريب العاجل إن شاء الله.

هنا بكى الأب وطلب من الرجل أن يعيد المبلغ إلى ابنه فهو محتاج له ولا ذنب له في ذلك فأصرّ الشاب على أن يأخذ الرجل المبلغ.
وودعه عند الباب طالبا ًمنه عدم التعرض لوالده و أن يطالبه هو شخصياً ببقية المبلغ.
ثم تقدم الشاب إلى والده وقبل جبينه وقال يا والدي قدرك أكبر من ذلك المبلغ وكل شيء يعوض إذا أمد الله عمرنا ومتعنا بالصحة والعافية فأنا لم أستطع أن أتحمل ذلك الموقف , ولو كنت أملك كل ما عليك من دين لدفعته له ولا أرى دمعة تسقط من عينيك على لحيتك الطاهرة.

وهنا احتضن الشيخ ابنه و أجهش بالبكاء و أخذ يقبله ويقول الله يرضى عليك يا ابني ويوفقك ويحقق لك كل طموحاتك.

وفي اليوم التالي وبينما كان الابن منهمكاً في أداء عمله الوظيفي زاره أحد الأصدقاء الذين لم يرهم منذ مدة وبعد سلام وسؤال عن الحال والأحوال قال له ذلك الصديق: يا أخي أمس كنت مع أحد كبار رجال الأعمال وطلب مني أن أبحث له عن رجل مخلص وأمين وذو أخلاق عالية ولديه طموح وقدرة على إدارة العمل وأنا لم أجد شخصاً أعرفه تنطبق عليه هذه الصفات إلا أنت فما رأيك أن نذهب سوياً لتقابله هذا المساء.

فتهلل وجه الابن بالبشرى وقال: لعلها دعوة والدي وقد أجابها الله فحمد الله كثيراً , وفي المساء كان الموعد فما أن شاهده رجل الأعمال حتى شعر بارتياح شديد تجاهه وقال : هذا الرجل الذي أبحث عنه وسأله كم راتبك؟ فقال: ما يقارب الخمسة ألاف ريال. فقال له: اذهب غداً وقدم استقالتك وراتبك خمسة عشر ألف ريال، وعمولة من الأرباح 10% وراتبين بدل سكن وسيارة , وراتب ستة أشهر تصرف لك لتحسين أوضاعك.

وما أن سمع الشاب ذلك حتى بكى وهو يقول ابشر بالخير يا والدي. فسأله رجل الأعمال عن سبب بكائه فحدثه بما حصل له قبل يومين، فأمر رجل الأعمال فوراً بتسديد ديون والده، وكانت محصلة أرباحه من العام الأول لا تقل عن نصف مليون ريال.

وقفة :ـ
بر الوالدين من أعظم الطاعات وأجل القربات وببرهما تتنزل الرحمات وتنكشف الكربات , فقد قرن الله برهما بالتوحيد فقال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما } الإسراء . 

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: ثم الجهاد في سبيل الله ). 

وعن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول:(يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بارٌ بها، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) صحيح مسلم.

وهذا حيوة بن شريح وهو أحد أئمة المسلمين والعلماء المشهورين يقعد في حلقته يعلم الناس ويأتيه الطلاب من كل مكان ليسمعوا عنه، فتقول له أمه وهو بين طلابه: قم يا حيوة فاعلف الدجاج، فيقوم ويترك التعليم.

واعلم أخي الحبيب أن من أبواب الجنة الثمانية ( باب الوالد ) فلا يفوتك هذا الباب واجتهد في طاعة والديك فو الله برك بهما من أعظم أسباب سعادتك في الدنيا والآخرة .
أسال الله جلا وعلا أن يوفقني وجميع المسلمين لبر الوالدين والإحسان إليهما ...

مكانة بر الوالدين في الإسلام

جعل القرآن الكريم الإحسان إلى الوالدين تالياً للأمر بعبادة الله وحده في أكثر من موضع، وهذا الاقتران يدل على عظم منزلة هذا الواجب. كما نهى عن أدنى كلمة تدل على التضجر منهما، وأمر بالقول الكريم والتواضع لهما والدعاء لهما بالرحمة، تذكيراً بما قدماه في الصغر من رعاية وتعب.

وقد وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة تجعل البر من أحب الأعمال إلى الله، وتعد العقوق من كبائر الذنوب، ويذكر العلماء أن للأم نصيباً مضاعفاً من البر لما تحملته من الحمل والولادة والرضاع، مع بقاء حق الأب في الطاعة بالمعروف والإكرام.

صور عملية للبر في الحياة اليومية

  • الكلمة الطيبة: مخاطبة الوالدين بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت أو الجدال الحاد.
  • الإنفاق عليهما: خاصة عند الحاجة، وهو واجب على الأبناء القادرين بحسب ما يقرره الفقهاء.
  • قضاء حوائجهما: من مراجعة الطبيب إلى شراء المستلزمات وإنجاز المعاملات.
  • الاستشارة والإشراك: أخذ رأيهما في الأمور المهمة يشعرهما بالتقدير ويحفظ مكانتهما.
  • الصبر عند الكبر: فالشيخوخة قد تصاحبها عصبية أو نسيان أو مرض، والبار يقابل ذلك برحمة.
  • الزيارة والاتصال: لمن يسكن بعيداً عن والديه، فالسؤال الدائم يدخل السرور على قلبيهما.

البر بالمال وقضاء الديون

تبرز القصة صورة خاصة من البر، هي حمل هم الأب المدين والسعي إلى سداد دينه. والدين في الإسلام أمر عظيم شدد الشرع في أدائه، ولذلك كان تحمل الابن لهذا العبء من أبيه عملاً نبيلاً يجمع بين البر وحفظ كرامة الأسرة.

آداب المطالبة بالدين

وفي المقابل تلفت القصة النظر إلى أسلوب صاحب الدين الذي اقتحم البيت بغلظة؛ فمن حق الدائن أن يطالب بماله، لكن الشريعة ترغب في إنظار المعسر والتيسير عليه، وتحث على حسن المطالبة دون إهانة، وتمدح من يتجاوز عن المعسر أو يمهله.

التوازن بين البر والمسؤوليات الأخرى

البر لا يعني إهمال الإنسان لنفسه أو لأسرته، فالحكمة أن يوازن الابن بين حاجات والديه وواجباته تجاه زوجته وأولاده ومستقبله، وأن يستشير أهل العلم والخبرة عند تعارض الحقوق.

البر بعد وفاة الوالدين

لا ينقطع البر بموت الوالدين، ويذكر العلماء أبواباً كثيرة لاستمراره، منها:

  1. الدعاء والاستغفار لهما باستمرار.
  2. قضاء ما عليهما من ديون، وتنفيذ وصاياهما المشروعة.
  3. الصدقة عنهما، وعمل الخير باسمهما.
  4. صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، كأعمامه وأخواله.
  5. إكرام أصدقائهما والإحسان إليهم.

البر في الثقافة العربية والأدب

لم يكن تعظيم الوالدين قيمة دينية فحسب، بل حضر بقوة في الموروث العربي شعراً ونثراً وأمثالاً، فكان العرب يمدحون الابن البار ويعيبون العاق، وتنقل كتب الأدب حكايات كثيرة عن أبناء حملوا آباءهم وأمهاتهم في الأسفار، أو آثروهم بالطعام في أيام القحط.

دروس تربوية من القصة

تعلمنا هذه الحكاية أن القيم تُغرس في البيت منذ الصغر، وأن الابن الذي يرى والديه يحسنان إلى أجداده يتعلم البر عملياً. كما تؤكد أن الإيثار والتضحية لا يذهبان سدى، وأن السمعة الطيبة والأمانة رأس مال حقيقي يفتح للإنسان أبواب الرزق. غير أن المؤمن يبر والديه طلباً لرضا الله أولاً، لا انتظاراً لمكافأة دنيوية عاجلة قد تأتي وقد تتأخر.

أسئلة شائعة

هل يجب على الابن سداد دين أبيه الحي؟

الدين في الأصل متعلق بذمة المدين نفسه، لكن مساعدة الابن لأبيه في سداده من أعظم صور البر والإحسان، ويُرجع في التفاصيل الفقهية إلى أهل العلم.

كيف أبر والديّ إن كانا قاسيين معي؟

يبقى الإحسان إليهما مطلوباً، مع حماية النفس من الأذى، والتعامل بحكمة وهدوء، وطلب النصح من مختص أو عالم موثوق عند الحاجة.

هل تصح القصة المروية؟

هي من القصص التي يرويها الدعاة للعبرة، ولا يتوقف فضل البر على ثبوت تفاصيلها، فأصله ثابت في القرآن والسنة.

خلاصة

الإحسان إلى الأب والأم من أعظم القربات، وهو باب واسع يبدأ بالكلمة الطيبة ولا ينتهي بالمال والخدمة، ويستمر بعد وفاتهما بالدعاء والصدقة وصلة أحبابهما. وتبقى قصة هذا الشاب مثالاً ملهماً على أن من يحفظ كرامة والديه ويؤثرهما على نفسه يجد بركة ذلك في حياته.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !