قصة حذاء الطنبوري

تعد قصة حذاء الطنبوري من أشهر النوادر الشعبية في الأدب العربي، يتداولها الناس منذ زمن طويل لما فيها من طرافة ومفارقة، إذ تحكي عن تاجر بغدادي بخيل لم يستطع التخلص من حذائه المرقع مهما حاول.

نورد الحكاية كما وردت، ثم نتوقف عند أصلها في كتب النوادر، ودلالاتها الأخلاقية والاجتماعية، وأسلوبها القصصي القائم على تراكم المصائب، ومكانة البخل موضوعًا للسخرية في التراث العربي، مع إجابات عن أسئلة يكثر طرحها حولها.

أحداث الحكاية كاملة

قصة حذاء الطنبوري التاجر البخيل من بغداد

الطنبوري هذا كان تاجراً من أهل بغداد , وكان ثرياً وفي الوقت نفسه بخيلاً , وكان من بخله أنه كلما انقطع من حذاءه مكان وضع فيه رقعة من جلد أو قماش , حتى أصبح الحذاء عبارة عن مجموعة من الرقع يمسك بعضها بعضاً واشتهر في بغداد كافة وعرف الجميعُ حذاءَ الطنبوري عابه بعض أصحابه وأصرّوا عليه أن يتخلص من حذائه , فقام برمي الحذاء في مرمى القمامة وعاد إلى بيته , وفي الطريق مر بالسوق فوجد زجاجات رائعة الجمال للبيع , فأعجبته ولكنه ليس في حاجةٍ لها كما أنها غالية الثمن , فتركها وسار في طريقه , فوجد مسكاً رائعاً للبيع فأعجبه وقرر أن يشتريه ولكنه قال : لا يصلح هذا المسك إلا في تلك الزجاجات , فعاد إلى الأول واشترى منه الزجاجات , وعاد إلى الثاني واشترى منه المسك ، ذهب إلى البيت ووضع المسك في الزجاجات ووضعها على رف في البيت وخرج لبعض شأنه . 

كان هناك رجل قد مر بجانب النفايات فرأى حذاء الطنبوري ملقىً في القمامة ولم يتصور أن الطنبوري سوف يرمي حذاءه , فقال : لعل بعض الأشقياء هم الذين فعلوا هذا وسوف أردها إلى الطنبوري . فأخذ الحذاء وذهب بها إلى بيت الطنبوري , فقرع الباب فلم يرد أحد عليه , فرأى النافذة مفتوحة فقذف بالحذاء من النافذة .. بالطبع فهمتم ما الذي حدث …… لقد كسر الزجاجات وانسكب كل المسك على الأرض ولم يبق منه شيء . عاد الطنبوري إلى البيت فرأى كل شيء , ورأى ذلك الحذاء بجانب الزجاجات ,فقال : لعنك الله من حذاء . 

أخذ حذاءه وذهب بها إلى النهر وألقاها هناك وكان هناك صياداً قد ألقى شباكه في النهر فعلقت بها حذاء الطنبوري , وعندما وجد الحذاء قال : لابد أن أصنع إليه معروفاً وأعيد إليه حذاءه وفعلاً ذهب إلى الطنبوري وأعاد إليه الحذاء , فأخذها الطنبوري ووضعها على سطح بيته لتجف من البلل , فمر قط من سطح البيت فرأى الحذاء فظنها قطعة لحم فأخذها بفمه , فنهره الطنبوري , فهرب القط بالحذاء في فمه وأخذ يقفز فوق أسطح المنازل , فسقطت منه الحذاء على امرأة حامل فأسقطت حملها فأخذ زوجها الحذاء وذهب إلى القاضي شاكياً من فعلة الطنبوري بامرأته بالطبع كان عذر الطنبوري غير مقنع , فحكم عليه القاضي بدية الجنين وعاقبه على فعلته وأذيته لجيرانه , وأعاد إليه الحذاء , فقال : لعنك الله من حذاء .

ثم إنه قال : سوف ألقيها هذه المرة في مكان لا يصل إليها أحد . فذهب بها إلى الحش (المجاري بلغة عصرنا) وألقاها في أحد المجاري , وعاد إلى منزله وكله فرح وسرور ، مرّ يوم أو يومان فطفحت المجاري بالطريق وآذت الناس . فأتوا بعمال لتنظيف المجرى المسدود , فوجدوا حذاء الطنبوري !!! فرفعوا أمره إلى القاضي , فحبسه وجلده على فعلته , وأعاد إليه الحذاء , فقال : لعنك الله من حذاء فقال : ليس هناك من حل إلا بحفر حفرةً في الأرض ودفن الحذاء بها . وفعلاً في ساعة من الليل أخذ مسحاته وخرج إلى خارج البيت وأخذ يحفر في مكان بعيد بجانب جدار , فسمع الجيران صوت الحفر فظنوا أنه سارق يريد نقب الجدار , فأبلغوا الشرطة , فجاء الحرس فوجدوا الطنبوري يحفر بجانب الجدار , وعندما سألوه عن السبب , قال : لأدفن الحذاء.

وبالطبع عذرٌ غير مقنع , فحبسوه إلى الصبح , ثم رفع أمره إلى القاضي , فلم يقبل من عذره وجلده وحبسه بتهمة محاولة السرقة وأعاد إليه الحذاء , فقال : لعنك الله من حذاء. 

فاهتدى أخيراً إلى طريقة …… ذهب إلى الحمام العام ( تشبه المسابح العامّة في عصرنا هذا ) وترك الحذاء خارج الحمام وعاد إلى بيته وليأخذه من يأخذه صادف ذلك وجود أحد الأمراء في الحمام , وقد جاء سارق وسرق حذاء الأمير , وعندما خرج الأمير لم يجد الحذاء .. من أخذها ؟؟

قالوا : ننتظر وصاحب آخر حذاء هو السارق ونبحث عنه , فلم يبق إلا حذاء الطنبوري .. وبالطبع لا حاجة للبحث عن السارق من يكون فقد عرفه كل أهل بغداد بهذا الحذاء .. رفع أمره إلى القاضي بتهمة سرقة حذاء الأمير , فغرّمه القاضي قيمة الحذاء وجُلد وأُعيدت إليه حذاؤه , فقال : لعنك الله من حذاء.

وأخيراً قال : سوف أخرج إلى خارج بغداد وأدفنها هناك ، خرج إلى الصحراء , وأخذ يحفر في الأرض …… فداهمه الحرس وأخذوه إلى السجن ورفعوا أمره إلى القاضي , وجيء به إلى القاضي , فقالوا : قد عثرنا على القاتل .. وكانوا قد وجدوا رجلاً مقتولاً في هذا المكان , وعندما حملوه وجدوا تحته آثار حفر , فحفروا فوجدوا كيساً من الذهب , فقالوا : إن القاتل إنما يريد الذهب ولابد أن يعود للبحث عنه , فاختبؤا وأخذوا في مراقبة المكان فجاء الطنبوري يحفر في المكان نفسه فأقسم لهم الأيمان أنه لم يقتل أحد وأقام الشهود والبينات أنه لم يخرج من بغداد منذ زمن , وأخذ يقيم الحجج على ذلك حتى ثبتت براءته , فأطلق القاضي سراحه ولكن بعد تأديبه على إزعاجه للحرس المكلفين بمراقبة المكان بسببٍ تافهٍ جداً وهو دفن الحذاء.

فقال للقاضي : يا سيدي اكتب صكاً بيني وبين هذا الحذاء أني بريءٌ منه فقد أفقرني وفعل بي الأفاعيل , وقص عليه ما تعرض له بسبب الحذاء .. فضحك القاضي وقال : يا أحمق هلا مزقته أو أحرقته.

أصل القصة ومصادرها

تُنسب الحكاية إلى رجل يُعرف بأبي القاسم الطنبوري، وتُروى في عدد من كتب النوادر والأدب المتأخرة، ومنها ما ذكره بعض الباحثين من ورودها في كتاب ثمرات الأوراق المنسوب إلى ابن حجة الحموي. ولا يوجد ما يثبت أن الطنبوري شخصية تاريخية حقيقية بتفاصيل حياته، فالأرجح أنها حكاية شعبية صيغت لتحمل عبرة، ثم تناقلتها الألسن وتعددت رواياتها واختلفت بعض تفاصيلها من راوٍ لآخر.

البناء القصصي للحكاية

تقوم القصة على حبكة تراكمية، فكل محاولة يقوم بها التاجر للتخلص من حذائه تقود إلى مصيبة جديدة أكبر من سابقتها، ويعود الحذاء إليه في كل مرة بطريقة غير متوقعة. ويُعرف هذا الأسلوب في دراسات السرد بالبناء المتسلسل أو السببي، حيث تترابط الأحداث كحلقات السلسلة. ويولد التكرار نوعًا من الترقب لدى السامع، إذ يتوقع عودة الحذاء في كل مرة ويتشوق لمعرفة الكيفية.

عناصر الطرافة

  • المفارقة: فالشيء الذي أراد البخيل التخلص منه بعد أن وفر به المال طويلًا صار سبب خسارته الكبرى.
  • المبالغة: في حجم المصائب التي يجرها حذاء بالٍ.
  • التكرار: الذي يرسخ الحكاية في الذاكرة ويضحك السامع.
  • النهاية الساخرة: التي يعلن فيها التاجر براءته من الحذاء أمام القاضي.

الدلالات الأخلاقية للقصة

عاقبة البخل

تنتقد الحكاية البخل المفرط الذي يجعل صاحبه يتمسك بأشياء لا قيمة لها، ثم يدفع ثمن ذلك أضعافًا. فلو اشترى التاجر حذاءً جديدًا منذ البداية لما وقع فيما وقع فيه.

التخلص من الماضي

يقرأ بعض المعاصرين القصة قراءة رمزية، فيرون في الحذاء صورة للعادات السيئة أو الأخطاء القديمة التي يصعب على الإنسان التخلص منها إذا تركها تتراكم طويلًا.

التصرف بتسرع

تُظهر الحكاية أيضًا أن كل محاولة متعجلة وغير مدروسة للتخلص من المشكلة زادتها تعقيدًا، وأن الحلول السريعة قد تخلق مشكلات جديدة.

البخل في التراث الأدبي العربي

احتل البخلاء مساحة واسعة في الأدب العربي الساخر، ولعل أشهر ما كُتب فيهم كتاب البخلاء للجاحظ، الذي رسم فيه صورًا دقيقة لشخصيات بخيلة وحججهم في تبرير شحهم بأسلوب يجمع بين الفكاهة والنقد. وفي المقابل احتفى الشعر العربي بالكرم وأهله، وصار حاتم الطائي مضرب المثل في الجود، وتغنى الشعراء بإكرام الضيف وإيقاد النار في الليل ليهتدي إليها السائرون. وكان العربي يعد البخل من أقبح الصفات التي يُهجى بها الرجل وقبيلته. وتأتي قصة الطنبوري ضمن هذا التقليد الذي يسخر من البخل ويرفع من قيمة السخاء.

حضور القصة في الثقافة المعاصرة

ما زالت الحكاية تُروى للأطفال في الكتب والبرامج، ويُستشهد بحذاء الطنبوري في الحديث اليومي للإشارة إلى الشيء الذي يلاحق صاحبه ولا يستطيع الخلاص منه، أو إلى الخسارة التي تتوالد من قرار خاطئ صغير. كما اقتبسها بعض الكتّاب في مسرحيات وقصص مصورة للصغار، واستعملها مدربو التنمية البشرية مثالًا على أهمية التخلي عن الأعباء القديمة.

أسئلة شائعة

هل الطنبوري شخصية حقيقية؟

لا يوجد دليل تاريخي موثق على ذلك، والأرجح أنه شخصية في حكاية شعبية رُويت لغاية تعليمية وترفيهية.

ما العبرة الرئيسية من القصة؟

أن البخل المفرط والتمسك بما لا قيمة له قد يجر على صاحبه خسائر أكبر بكثير مما أراد توفيره.

هل تناسب القصة الأطفال؟

نعم، فهي طريفة وسهلة الفهم وتحمل قيمة أخلاقية واضحة، ويمكن استخدامها لتعليم الأطفال قيمة الاعتدال في الإنفاق.

خلاصة

تبقى حكاية حذاء الطنبوري نموذجًا ممتعًا للنادرة العربية القائمة على المفارقة والتكرار، تسخر من البخل وتحذر من التمسك بما لا ينفع، ولا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية والتربوية حتى اليوم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !