يظل الدماغ أكثر أعضاء الجسم إثارة للدهشة والفضول، فهو مركز التفكير والذاكرة والمشاعر والحركة، وما زال العلماء يكتشفون أسراره يوماً بعد يوم. ولهذا تنتشر على الإنترنت قوائم كثيرة تحمل عنوان معلومات غريبة عن العقل البشري، بعضها دقيق وبعضها مبالغ فيه أو غير مثبت علمياً. في هذا المقال نقدم خلفية علمية مبسطة عن تركيب الدماغ ووظائفه، ونتحدث عن المرونة العصبية والنوم والذاكرة، ونصحح بعض الخرافات الشائعة، مع نصائح عامة للحفاظ على صحة الدماغ.
حقائق متداولة عن الدماغ
تركيب الدماغ وأقسامه الرئيسة
يقع الدماغ داخل الجمجمة التي تحميه، ويحيط به سائل خاص يعمل كوسادة تخفف أثر الصدمات، كما تغلفه أغشية تُعرف بالسحايا. ويتكون الدماغ من أقسام رئيسة لكل منها وظائف محددة، وإن كانت جميعها تعمل بتناغم وتكامل مستمر.
المخ
المخ هو الجزء الأكبر من الدماغ، وينقسم إلى نصفين أيمن وأيسر يتصلان بحزمة كبيرة من الألياف العصبية تسمى الجسم الثفني. وتغطي المخ طبقة متعرجة تُعرف بالقشرة المخية، وهي المسؤولة عن الوظائف العليا كالتفكير واللغة والتخطيط والإدراك. وتنقسم القشرة إلى فصوص، منها الفص الجبهي المرتبط باتخاذ القرار وضبط السلوك، والفص الجداري المرتبط بالإحساس، والفص الصدغي المرتبط بالسمع والذاكرة، والفص القذالي المسؤول عن معالجة الرؤية.
المخيخ وجذع الدماغ
يقع المخيخ في مؤخرة الرأس أسفل المخ، ويؤدي دوراً أساسياً في تنسيق الحركة وحفظ التوازن وتعلم المهارات الحركية كركوب الدراجة والعزف. أما جذع الدماغ فيصل الدماغ بالحبل الشوكي، ويتحكم في الوظائف الحيوية التلقائية مثل التنفس ونبض القلب ودورات النوم واليقظة.
الخلايا العصبية ولغة الدماغ
يتكون الدماغ من عدد هائل من الخلايا العصبية، تقدره بعض الدراسات بنحو ستة وثمانين مليار خلية، إضافة إلى خلايا داعمة تُعرف بالخلايا الدبقية تؤدي أدواراً مهمة في تغذية الخلايا العصبية وحمايتها. وتتواصل الخلايا العصبية فيما بينها عبر إشارات كهربائية وكيميائية، إذ تنتقل الإشارة الكهربائية على طول الخلية، ثم تُطلق مواد كيميائية تسمى النواقل العصبية في الفجوة الدقيقة بين خليتين، وتُعرف هذه الفجوة بالمشبك العصبي.
ومن أشهر النواقل العصبية الدوبامين المرتبط بالتحفيز والمكافأة، والسيروتونين المرتبط بتنظيم المزاج والنوم، والأستيل كولين المرتبط بالذاكرة والحركة. ويرى العلماء أن قدرات الإنسان العقلية لا تعتمد على عدد الخلايا وحده، بل على شبكات الاتصال المعقدة التي تربط بينها.
استهلاك الدماغ للطاقة
رغم أن الدماغ لا يشكل إلا نسبة صغيرة من وزن الجسم، فإنه يستهلك نسبة كبيرة من الطاقة والأكسجين قياساً إلى حجمه، ويعتمد بدرجة أساسية على الجلوكوز الذي يحمله الدم. ولهذا فإن انقطاع تدفق الدم عن الدماغ ولو لمدة قصيرة قد يسبب أضراراً بالغة، وهو ما يفسر خطورة السكتات الدماغية.
المرونة العصبية: الدماغ الذي يتغير
كان الاعتقاد السائد في الماضي أن الدماغ يتوقف عن التغير بعد مرحلة الطفولة، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن الدماغ يتمتع بما يسمى المرونة العصبية، أي القدرة على تكوين روابط جديدة وتعديل الروابط القائمة استجابة للتعلم والتجربة، بل والتعويض جزئياً عن بعض الإصابات. وتكون هذه المرونة في أعلى مستوياتها في الطفولة، لكنها تستمر بدرجات متفاوتة طوال العمر.
ويشير كثير من المختصين إلى أن نضج الدماغ يستمر إلى ما بعد سن المراهقة، إذ تواصل بعض مناطقه، ولا سيما الفص الجبهي المسؤول عن التخطيط وضبط الاندفاع، نموها وتطورها حتى منتصف العشرينيات تقريباً بحسب ما تذكره دراسات عديدة. وهذا يفسر جزئياً اختلاف طريقة اتخاذ القرار بين المراهقين والبالغين.
تعلم اللغات والدماغ
تهتم أبحاث كثيرة بأثر تعلم أكثر من لغة على الدماغ، ويرى بعض الباحثين أن ثنائية اللغة قد ترتبط بمهارات أفضل في التنقل بين المهام والتحكم في الانتباه، وإن كانت النتائج في هذا المجال ما تزال موضع نقاش علمي. والمؤكد أن الطفولة المبكرة مرحلة مثالية لاكتساب اللغات بسهولة ونطق أقرب إلى نطق أهلها.
النوم والذاكرة
النوم ليس فترة خمول للدماغ كما يظن بعضهم، بل هو مرحلة نشطة تحدث خلالها عمليات مهمة، منها تثبيت الذكريات ونقلها من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، وتنظيف الدماغ من بعض الفضلات الناتجة عن نشاطه أثناء اليقظة كما تشير بعض الأبحاث الحديثة. ويمر النائم بدورات متكررة من مراحل النوم المختلفة، ومنها مرحلة حركة العين السريعة التي ترتبط غالباً بالأحلام الواضحة.
أنواع الذاكرة
- الذاكرة الحسية: تحتفظ بالانطباعات الحسية لجزء من الثانية.
- الذاكرة العاملة قصيرة المدى: تحتفظ بكمية محدودة من المعلومات لفترة قصيرة، كتذكر رقم هاتف حتى تكتبه.
- الذاكرة طويلة المدى: تخزن المعارف والتجارب لسنوات، ومنها ذاكرة الأحداث وذاكرة المهارات.
الحواس والإدراك
لا نرى العالم كما هو تماماً، بل كما تبنيه أجهزتنا العصبية انطلاقاً من الإشارات التي تلتقطها الحواس. فالعين مثلاً تستقبل الضوء، ثم تتحول هذه المعلومات إلى نبضات تنتقل عبر العصب البصري لتُفسَّر وتُفهم، وفي أثناء ذلك تُملأ الفراغات وتُصحح بعض التفاصيل اعتماداً على الخبرات السابقة. ولهذا تنجح الخدع البصرية في خداعنا، إذ تستغل الطريقة التي نتوقع بها الأشكال والألوان والمسافات.
ويحدث أمر مشابه مع السمع واللمس والتذوق والشم، فكل حاسة ترسل بياناتها، ثم تُدمج معاً لتكوين صورة موحدة متكاملة عن المحيط. ومن الأمثلة الطريفة على هذا الدمج أن رائحة الطعام تؤثر بقوة في إحساسنا بطعمه، فحين يصاب المرء بالزكام يشعر بأن الأطعمة فقدت كثيراً من نكهتها. كما أن الانتباه يحدد جزءاً كبيراً مما ندركه، فقد تمر أمام أعيننا أشياء واضحة دون أن نلاحظها إذا كان تركيزنا منصرفاً إلى أمر آخر، وهي ظاهرة درسها علماء النفس بتجارب شهيرة.
خرافات شائعة عن العقل
- خرافة استخدام عشرة في المئة فقط من الدماغ: تُظهر تقنيات تصوير الدماغ أن مناطقه المختلفة تنشط في أوقات ومهام مختلفة، ولا يوجد جزء معطل بلا وظيفة.
- خرافة الشخص ذي المخ الأيمن والشخص ذي المخ الأيسر: صحيح أن بعض الوظائف تتركز في أحد النصفين أكثر من الآخر، لكن معظم المهام تعتمد على تعاون النصفين معاً.
- خرافة أن خلايا الدماغ لا تتجدد أبداً: تشير أبحاث إلى أن بعض مناطق الدماغ قد تشهد تكون خلايا عصبية جديدة لدى البالغين، وإن كان حجم هذه الظاهرة ما يزال موضع بحث.
- خرافة أن الموسيقى الكلاسيكية تجعل الأطفال أذكى: لم تثبت الدراسات أثراً دائماً كبيراً لمجرد الاستماع، وإن كان تعلم العزف نشاطاً مفيداً للتنمية.
نصائح عامة لصحة الدماغ
- الحصول على قسط كافٍ من النوم المنتظم.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام، لما له من أثر إيجابي على الدورة الدموية والمزاج.
- اتباع نظام غذائي متوازن غني بالخضار والفواكه والحبوب الكاملة.
- تحدي العقل بتعلم مهارات جديدة كاللغات والقراءة وحل الألغاز.
- الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين.
- التقليل من التوتر المزمن بممارسة الاسترخاء والتأمل وتخصيص وقت للهوايات.
- الابتعاد عن التدخين والإفراط في المنبهات.
- حماية الرأس من الإصابات بارتداء الخوذة في الأنشطة الخطرة.
- متابعة ضغط الدم والسكر بانتظام، واستشارة الطبيب عند ملاحظة تغيرات في الذاكرة أو التركيز.
أسئلة شائعة
هل يستخدم الإنسان عشرة في المئة فقط من دماغه؟
لا، فهذه خرافة شائعة، وتقنيات التصوير الحديثة تبين أن معظم مناطق الدماغ تنشط خلال اليوم بحسب المهام المختلفة.
لماذا لا نستطيع دغدغة أنفسنا؟
يفسر العلماء ذلك بأن الدماغ يتوقع الإحساس الناتج عن حركاتنا الذاتية فيخفف استجابته له، بينما يفاجئه لمس الآخرين.
هل يتوقف نمو الدماغ في سن الثامنة عشرة؟
تشير دراسات كثيرة إلى أن بعض مناطق الدماغ تواصل النضج حتى منتصف العشرينيات، كما أن قدرته على التغير والتعلم تستمر طوال الحياة.
خلاصة
العقل البشري عالم واسع من الخلايا والشبكات والإشارات، يتحكم في كل ما نفكر فيه ونشعر به ونفعله. وقد كشف العلم كثيراً من أسراره، مثل المرونة العصبية ودور النوم في تثبيت الذكريات، لكنه ما زال يواجه أسئلة مفتوحة كثيرة. ومن المهم أن نتعامل مع المعلومات الغريبة المتداولة بحذر ونرجع إلى المصادر العلمية الموثوقة، وأن نحافظ على صحة أدمغتنا بالنوم الجيد والحركة والتعلم المستمر.
.png)
.jpg)