تحذير من الجلوس لأكثر من 8 ساعات يوميا

أصبح الجلوس الطويل سمة من سمات الحياة الحديثة، فكثير من الناس يقضون ساعات العمل أمام الحاسوب، ثم ينتقلون إلى السيارة، وينهون يومهم أمام التلفاز أو الهاتف. ومن هنا جاء التحذير من الجلوس لأكثر من 8 ساعات يوميا، بعد أن ربطت أبحاث علمية بين قلة الحركة وارتفاع خطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة.

نعرض في هذا المقال ما ورد في الدراسة، ثم نشرح مفهوم نمط الحياة الخامل، وتأثير الجلوس المطول في أجهزة الجسم، والتوصيات العامة للنشاط البدني، إضافة إلى أفكار عملية لكسر فترات الجلوس في المكتب والمنزل دون أن يتعارض ذلك مع العمل.

ماذا كشفت الدراسة عن الجلوس الطويل؟


تحذير من الجلوس أكثر من 8 ساعات يوميا

حذرت دراسة استرالية من أن الجلوس لأكثر من ثمانى ساعات فى اليوم حتى لو كان الإنسان يمارس نشاطا رياضيا يزيد من احتمالات الوفاة والإصابة بأمراض القلب.

وكشفت دراسة أجراها باحثون فى جامعة سيدنى الاسترالية على أكثر من 200 ألف شخص فى الفترة من 2006 إلى 2012 عن أنه لوحظ ارتفاع نسبة الذين ماتوا بسبب جلوسهم أكثر من ثمانى ساعات فى اليوم سواء بسبب العمل أو بسبب مشاهدة التلفزيون أو الجلوس أمام الكومبيوتر بنحو 40 فى المائة مقارنة بالذين لم تزد ساعات جلوسهم فى اليوم عن أربع ساعات.

وأرجعت الدراسة ذلك إلى أن الجلوس لأكثر من ثمانى ساعات فى اليوم دون حركة بدنية يؤدى إلى ارتفاع نسبة الكوليسترول فى الدم و يزيد معدلات مادة تريجليسريد (مكونات دسمة تخزن فى الشحوم) مما يعرض الإنسان للإصابة بأمراض القلب.

وذكرت مجلة "سيانس إيه أفونير" الفرنسية أن الدراسة شددت على ضرورة أن يتحرك من تتطلب أعمالهم الجلوس لأكثر من ثمانى ساعات فى اليوم مرة أو مرتين كل ساعة لتحاشى مخاطر الجلوس لفترات طويلة على صحتهم.

ما المقصود بنمط الحياة الخامل؟

يستخدم المختصون في الصحة العامة مصطلح السلوك الخامل لوصف الأنشطة التي يقضيها الإنسان مستيقظاً وهو جالس أو مستلقٍ مع إنفاق قليل جداً من الطاقة، مثل العمل المكتبي، وقيادة السيارة، ومشاهدة التلفاز، واستخدام الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة. ومن المهم التمييز بين هذا المفهوم وبين قلة ممارسة الرياضة، فقد يمارس الشخص التمارين نصف ساعة يومياً، لكنه يقضي بقية يومه جالساً، فيظل معرضاً لآثار البقاء على الكرسي ساعات متواصلة.

ويفسر هذا التمييز إحدى النتائج اللافتة التي تكررت في أبحاث عدة، وهي أن ممارسة الرياضة لا تلغي بالضرورة كل آثار القعود الممتد، وإن كانت تخففها. ولذلك صار الحديث اليوم لا يقتصر على زيادة التمارين، بل يشمل أيضاً تقليل ساعات القعود وتقطيعها.

كيف يؤثر الجلوس المطول في الجسم؟

تشير الدراسات إلى أن البقاء جالساً لفترات طويلة دون حركة يرتبط بتغيرات في عدة أجهزة حيوية، وإن كانت آليات بعضها ما زالت قيد البحث. ومن أبرز ما يذكره الباحثون:

القلب والأوعية الدموية

عندما تبقى عضلات الساقين الكبيرة ساكنة لساعات، يقل نشاطها في استهلاك الدهون والسكر من الدم، وقد يرتبط ذلك بتغيرات غير مرغوبة في مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول. كما أن ضعف حركة الدم في الأطراف السفلية أثناء القعود الطويل قد يزيد لدى بعض الأشخاص من احتمال تكون الجلطات في الأوردة العميقة، خاصة في الرحلات الطويلة.

الوزن والتمثيل الغذائي

يحرق الجسم سعرات حرارية أقل والإنسان جالس مقارنة بالوقوف أو المشي، ومع تراكم الأيام قد يسهم ذلك في زيادة الوزن. وتربط أبحاث عديدة بين قلة الحركة وانخفاض حساسية الجسم للإنسولين، وهو ما قد يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني لدى المعرضين له.

العضلات والعظام والمفاصل

يؤدي القعود الطويل بوضعية غير صحيحة إلى آلام شائعة في أسفل الظهر والرقبة والكتفين، كما قد تضعف عضلات البطن والأرداف مع قلة الاستخدام، وتتيبس عضلات الفخذ الخلفية ومثنيات الورك. ومع الوقت قد ينعكس ذلك على القوام والقدرة على الحركة بسهولة.

الصحة النفسية والتركيز

يلاحظ كثير من الموظفين أن البقاء على المكتب دون انقطاع يرافقه شعور بالخمول وتراجع في التركيز، بينما تساعد فترات الحركة القصيرة على استعادة النشاط. وتشير بعض الدراسات إلى ارتباط النشاط البدني المنتظم بتحسن المزاج وتقليل التوتر.

التوصيات العامة للنشاط البدني

تنصح منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة نشاط بدني معتدل الشدة لمدة تتراوح بين 150 و300 دقيقة أسبوعياً، أو نشاط مرتفع الشدة لمدة أقل، إضافة إلى تمارين تقوية العضلات مرتين أسبوعياً على الأقل. كما تؤكد توصياتها على ضرورة تقليل الوقت الخامل واستبداله بأي نشاط، ولو كان خفيفاً، لأن كل حركة إضافية لها فائدة.

  • النشاط المعتدل: مثل المشي السريع، وركوب الدراجة بسرعة عادية، والأعمال المنزلية النشطة.
  • النشاط المرتفع الشدة: مثل الجري، والسباحة السريعة، وكرة القدم.
  • تمارين التقوية: مثل رفع الأثقال الخفيفة، وتمارين وزن الجسم كالقرفصاء والضغط.
  • تمارين المرونة والتوازن: مثل الإطالة واليوغا، وهي مفيدة خاصة مع التقدم في العمر.

ومن يعاني من أمراض مزمنة أو لم يمارس الرياضة منذ مدة طويلة، يُنصح باستشارة الطبيب قبل البدء ببرنامج تمارين جديد، والبدء بشكل تدريجي.

أفكار عملية لكسر فترات الخمول

لا يحتاج تقليل أضرار القعود إلى تغيير جذري في نمط الحياة، بل يكفي في البداية إدخال حركات صغيرة متكررة على مدار اليوم. ومن الأفكار التي ينصح بها المختصون:

في مكان العمل

  1. الوقوف والمشي لبضع دقائق كل نصف ساعة إلى ساعة، ويمكن ضبط تذكير على الهاتف أو الحاسوب.
  2. إجراء المكالمات الهاتفية وقوفاً أو أثناء المشي في الممر.
  3. استخدام الدرج بدلاً من المصعد كلما أمكن.
  4. التوجه إلى مكتب الزميل للحديث بدلاً من إرسال رسالة إلكترونية.
  5. عقد بعض الاجتماعات القصيرة وقوفاً أو أثناء المشي.
  6. تجربة المكتب القابل للتعديل الذي يسمح بالتبديل بين الجلوس والوقوف.
  7. أداء تمارين إطالة بسيطة للرقبة والكتفين والظهر على الكرسي.

في المنزل

  • الوقوف أو التحرك أثناء فواصل البرامج التلفزيونية.
  • تقسيم الأعمال المنزلية على مدار اليوم بدلاً من إنجازها دفعة واحدة.
  • المشي مع أفراد الأسرة بعد العشاء.
  • تحديد وقت يومي لاستخدام الهاتف والأجهزة الإلكترونية.
  • إشراك الأطفال في الألعاب الحركية بدلاً من الألعاب الإلكترونية فقط.

الجلسة الصحيحة أمام الحاسوب

إذا كان الجلوس جزءاً لا مفر منه من العمل، فإن تحسين وضعيته يخفف من الآلام المرتبطة به. ومن القواعد العامة في هذا المجال أن تكون القدمان مستويتين على الأرض أو على مسند، وأن تكون الركبتان في مستوى الوركين تقريباً، وأن يُسند أسفل الظهر جيداً على الكرسي. كما يُنصح بأن يكون أعلى الشاشة في مستوى العينين أو أدنى قليلاً، وأن تكون لوحة المفاتيح قريبة بحيث يبقى المرفقان بجانب الجسم بزاوية مريحة. ويُستحسن كذلك إراحة العينين بالنظر إلى مسافة بعيدة من حين لآخر.

تمارين بسيطة يمكن أداؤها في المكتب

  • رفع الكعبين: الوقوف بجانب المكتب ورفع الكعبين ببطء ثم إنزالهما عدة مرات، لتنشيط عضلات الساق.
  • القرفصاء الخفيفة: النهوض من الكرسي والعودة إليه ببطء دون استخدام اليدين، مع الحفاظ على استقامة الظهر.
  • دوران الكتفين: تحريك الكتفين في دوائر إلى الأمام ثم إلى الخلف لتخفيف التوتر في أعلى الظهر.
  • إطالة الرقبة: إمالة الرأس برفق نحو كل كتف والثبات لثوانٍ قليلة.
  • المشي في المكان: بضع دقائق من المشي أو صعود الدرج تكفي لتنشيط الدورة الدموية.

ويُستحسن أداء هذه الحركات بلطف ودون ألم، والتوقف عند الشعور بأي انزعاج غير معتاد، ومراجعة الطبيب أو أخصائي العلاج الطبيعي عند وجود مشكلات سابقة في الظهر أو المفاصل.

دور بيئة العمل والمؤسسات

لا تقع مسؤولية الحركة على الموظف وحده، فبإمكان المؤسسات أن تشجع على نمط عمل أكثر نشاطاً من خلال توفير مكاتب قابلة للتعديل، وتخصيص استراحات قصيرة منتظمة، وتصميم المكاتب بطريقة تشجع على المشي، مثل وضع الطابعات وأماكن المياه بعيداً قليلاً عن المكاتب. كما يمكن تنظيم تحديات جماعية للمشي أو برامج للتوعية الصحية، وهي مبادرات تنعكس إيجاباً على صحة العاملين وعلى إنتاجيتهم ورضاهم الوظيفي.

التنقل اليومي فرصة للحركة

يمكن تحويل الطريق إلى العمل أو المدرسة إلى مصدر للنشاط، كأن يركن الشخص سيارته في مكان أبعد قليلاً ويكمل المسافة مشياً، أو ينزل من الحافلة قبل محطته بمحطة واحدة، أو يستخدم الدراجة للمسافات القصيرة إن كانت الطرق آمنة. وتتراكم هذه الدقائق القليلة على مدار الأسبوع لتشكل جزءاً معتبراً من النشاط البدني الموصى به.

الأطفال والمراهقون

لا يقتصر خطر الخمول على البالغين، فقد ازداد وقت قعود الأطفال والمراهقين أمام الشاشات بصورة ملحوظة. وتوصي الجهات الصحية بأن يحصل الأطفال والمراهقون على نشاط بدني يومي، وأن تُحدد أوقات الشاشات الترفيهية، وأن يشجع الأهل أبناءهم على اللعب في الهواء الطلق وممارسة الرياضات الجماعية.

أسئلة شائعة

هل ممارسة الرياضة تعوض القعود الطويل؟

تشير أبحاث إلى أن الرياضة تخفف كثيراً من آثار القعود، لكنها قد لا تلغيها تماماً، لذا يُنصح بالجمع بين التمارين المنتظمة وتقطيع فترات الجلوس على مدار اليوم.

كم مرة يجب أن أقف خلال يوم العمل؟

لا توجد قاعدة واحدة للجميع، لكن كثيراً من المختصين ينصحون بالنهوض والتحرك لبضع دقائق مرة أو مرتين كل ساعة.

هل الوقوف طوال اليوم هو الحل؟

الوقوف الطويل المتواصل له أيضاً متاعبه، مثل آلام القدمين والساقين، والأفضل هو التنويع بين الجلوس والوقوف والحركة.

خلاصة

يرتبط الجلوس لساعات طويلة يومياً بمخاطر صحية متعددة تشمل القلب والوزن والعضلات والمزاج، حتى لدى من يمارسون الرياضة. والحل لا يكمن في خطوة واحدة، بل في عادات يومية بسيطة: الحركة المنتظمة، وتقطيع فترات الجلوس، وتحسين وضعية العمل، والالتزام بالتوصيات العامة للنشاط البدني، مع استشارة الطبيب عند الحاجة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !