أغلى عطر في العالم | رفاهية تفوق الخيال

يُعد عطر "امبريال ماجستي" (Imperial Majesty) الصادر عن دار "كلايف كريستيان" البريطانية العريقة واحداً من أشهر وأغلى العطور في تاريخ صناعة العطور الفاخرة عالمياً، وقد سجّل عند إطلاقه رقماً قياسياً موثقاً لدى موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأغلى عطر متاح تجارياً في العالم. في هذا المقال نستعرض قصة هذا العطر الاستثنائي، وأسباب سعره الباهظ، والتفاصيل الفاخرة التي تميزه عن أي عطر آخر في السوق.

قصة إطلاق عطر امبريال ماجستي

أطلقت دار "كلايف كريستيان" هذا العطر الاستثنائي في نوفمبر من عام 2005، كإصدار محدود جداً من مجموعة "No.1" الشهيرة التابعة للدار، والتي تُعد من أقدم دور العطور البريطانية، إذ تأسست أصلاً تحت اسم "Crown Perfumery" عام 1872، وحظيت بشرف استخدام رمز التاج الملكي بعد أن منحتها الملكة فيكتوريا هذا الامتياز شخصياً تقديراً لجودة منتجاتها العالية. وقد أُطلق العطر رسمياً في متجري "روجا دوف هوت بارفيومري" في لندن و"بيرغدورف غودمان" في نيويورك، وبيعت أولى الزجاجات خلال موسم الأعياد في نهاية ذلك العام.

كم يبلغ سعر هذا العطر فعلياً؟

تتفاوت التقديرات المعلنة لسعر هذا العطر بحسب المصدر والفترة الزمنية، إذ بلغ سعره عند الإطلاق الأولي نحو 205 آلاف دولار أمريكي تقريباً (ما يعادل 115 ألف جنيه إسترليني آنذاك) لكل زجاجة سعة 500 مل، بينما تشير بعض التقديرات اللاحقة والمصادر التجارية إلى سعر أعلى يصل أحياناً إلى ما بين 215 و250 ألف دولار، ويعود هذا التفاوت جزئياً إلى تقلبات أسعار الصرف بمرور الوقت، وربما إلى إضافة تكاليف إضافية كالتوصيل الفاخر أو التخصيص الشخصي لبعض الزجاجات المتبقية.

عدد الزجاجات المصنوعة وتوزيعها حول العالم

صُنعت عشر زجاجات فقط من هذا العطر النادر، حجز سبعاً منها هواة اقتناء العطور الفاخرة وأصحاب الثروات الكبيرة فور طرحها. أما الزجاجات الثلاث المتبقية، فاحتفظت بها دار كلايف كريستيان ضمن مجموعتها الخاصة، حيث استقرت الأولى في متجر "روجا دوف هوت بارفيومري" بلندن، والثانية في متجر "بيرغدورف غودمان" بنيويورك، بينما ظلت الزجاجة الثالثة تجوب مختلف أنحاء العالم ضمن معارض وفعاليات خاصة، ومنها معرض عُرضت خلاله في دبي مول ضمن أول ظهور لها في منطقة الشرق الأوسط.

تصميم الزجاجة الفاخر

يأتي هذا العطر في زجاجة مصنوعة من أنقى أنواع الكريستال الفرنسي من صناعة دار "باكارات" الشهيرة، وهي من أعرق دور صناعة الكريستال في فرنسا، ومزدانة بماسة بيضاء يبلغ وزنها خمسة قراريط مثبتة في طوق مصنوع من الذهب الخالص عيار 18 قيراطاً، والذي صُمم خصيصاً على شكل مستوحى من تاج التتويج الملكي البريطاني. وتُعد صناعة هذه الزجاجة عملية بالغة الدقة والصعوبة، إذ تشير بعض المصادر المتخصصة إلى أن واحدة من كل ثلاث محاولات لصناعتها تنتهي بكسر الزجاجة أثناء عملية التصنيع اليدوي الدقيقة.

لماذا يُعد هذا العطر بهذا الثمن الباهظ؟

تُعزى الكلفة الباهظة لهذا العطر إلى عاملين رئيسيين مجتمعين: تكلفة الزجاجة الفاخرة نفسها بما تحمله من ماسة وذهب خالص، وتكلفة المكونات العطرية النادرة والطبيعية المستخدمة في تركيبته. فقد استعان صانع العطر الشهير روجا دوف بأندر وأغلى المكونات العطرية المتوفرة عالمياً، ومنها زهور الفانيليا التاهيتية النادرة، التي تحتاج إلى ما يقارب ستة أشهر كاملة حتى تكتمل رائحتها الزكية المميزة بعد قطفها، إلى جانب زيت خشب الصندل الهندي الفاخر، وهي مكونات نادرة نسبياً وتخضع لعمليات استخلاص وتنقية معقدة ترفع من تكلفتها الإجمالية بشكل كبير.

خيارات أصغر حجماً بأسعار أقل نسبياً

ورغم صعوبة اقتناء الزجاجة الأصلية بحجمها وسعرها الكامل، أتاحت دار كلايف كريستيان خيارات أصغر حجماً لعشاق هذا العطر الذين لا يملكون ميزانية بهذا الحجم، إذ تتوفر عصارة العطر نفسها في زجاجة كريستال بحجم 30 مل مزدانة بماسة بيضاء بسعر أقل نسبياً، وأخرى بحجم 50 مل في زجاجة بطوق من الذهب دون الماسة، ما يمنح شريحة أوسع من عشاق العطور الفاخرة فرصة تجربة هذا العطر الاستثنائي دون الحاجة لدفع مئات الآلاف من الدولارات.

هل لا يزال هذا العطر الأغلى في العالم اليوم؟

رغم أن عطر "امبريال ماجستي" احتفظ بلقب أغلى عطر متاح تجارياً في العالم لسنوات طويلة منذ إطلاقه، إلا أن هذا اللقب تغيّر لاحقاً مع ظهور عطور أخرى أكثر فخامة وسعراً في السنوات التالية. فمن أبرز الأمثلة عطر "شموخ" الإماراتي الذي أُطلق عام 2019 تكريماً لدولة الإمارات، والذي بلغ سعره نحو 1.25 مليون دولار للزجاجة الواحدة، بفضل زجاجته المرصعة بأكثر من 3500 ماسة إلى جانب الذهب والفضة واللؤلؤ والتوباز. كما ظهرت لاحقاً عطور مخصصة بالكامل حسب الطلب من دور عطور فرنسية فاخرة، وصلت أسعارها في بعض الحالات إلى ملايين الدولارات للزجاجة الواحدة، ما يعكس استمرار المنافسة المحتدمة في عالم العطور الفاخرة جداً على لقب "الأغلى في العالم".

قصة مؤسس الدار كلايف كريستيان

يحمل مؤسس هذه الدار العريقة، كلايف كريستيان، قصة شخصية مثيرة للاهتمام مع عالم العطور، إذ لم يكن في الأصل عطاراً محترفاً، بل عمل مصمماً داخلياً وصانع أثاث فاخر بريطانياً معروفاً، قبل أن يستحوذ على دار "كراون بيرفيومري" العريقة عام 1999. وتشير بعض الروايات إلى أن شغفه بعالم العطور بدأ بعد أن اكتشفت ابنته زجاجة عطر قديمة تعود لأواخر القرن التاسع عشر مخبأة تحت أرضية منزله العائلي في مقاطعة تشيشير البريطانية، وهي اللحظة التي ألهمته لاحقاً للدخول في هذا المجال الفاخر بجدية، وتطوير عشرات الروائح العطرية بالتعاون مع خبراء عطور عالميين على مدى السنوات التالية.

ما الذي يجعل صناعة العطور الفاخرة جداً مكلفة إلى هذا الحد؟

يتساءل كثيرون عن السر الحقيقي وراء الفارق الهائل بين سعر عطر عادي وعطر فاخر جداً كهذا العطر تحديداً. ويكمن جزء كبير من الإجابة في ندرة المكونات الطبيعية المستخدمة، إذ تحتاج بعض المكونات النادرة، كالعنبر الطبيعي أو أنواع معينة من خشب العود عالي الجودة، إلى عقود من النمو الطبيعي أو عمليات استخلاص معقدة ومكلفة للغاية قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام في تركيبة عطرية. كما تلعب سمعة دار العطور وتاريخها العريق دوراً مهماً في تحديد السعر النهائي، إذ يدفع كثير من هواة اقتناء الفخامة علاوة سعرية إضافية مقابل الحصول على منتج يحمل اسم دار عريقة ذات تاريخ يمتد لأكثر من قرن من الزمن، إلى جانب حصرية الإصدار المحدود نفسه، والذي يمنح المشتري إحساساً بامتلاك قطعة فريدة يصعب على الآخرين الحصول على مثيل لها.

سوق العطور الفاخرة كاستثمار جامعي

إلى جانب كونها منتجاً استهلاكياً فاخراً، تحوّلت بعض إصدارات العطور النادرة جداً، كهذا العطر تحديداً، إلى نوع من الاستثمار الجامعي المشابه لجمع الساعات الفاخرة أو السيارات الكلاسيكية النادرة. فبعض هواة الاقتناء يشترون هذه الزجاجات النادرة الإصدار ليس بهدف الاستخدام اليومي بالضرورة، بل كقطع فنية وتراثية يُتوقع أن ترتفع قيمتها مع مرور الوقت نظراً لندرتها الشديدة، خصوصاً مع وجود عشر نسخ فقط من هذا الإصدار المحدد في العالم بأسره. وهذا التوجه يعكس تحولاً أوسع في عالم الفخامة، حيث أصبحت بعض المنتجات الاستهلاكية النادرة جداً تُعامل معاملة الأعمال الفنية أو المقتنيات النادرة، بدلاً من مجرد سلعة استهلاكية عادية تُستخدم ثم تنفد.

خاتمة

يبقى عطر "امبريال ماجستي" من دار كلايف كريستيان رمزاً بارزاً في تاريخ صناعة العطور الفاخرة، جمع بين الحرفية الدقيقة في صناعة الزجاجة الكريستالية المرصعة بالماس والذهب، والمكونات العطرية النادرة التي تحتاج أشهراً طويلة لتكتمل رائحتها الفريدة. وحتى بعد ظهور عطور أخرى أكثر ثمناً في السنوات اللاحقة، يظل هذا العطر علامة فارقة ومرجعية تاريخية في عالم الفخامة والعطور الاستثنائية، وشاهداً على مدى الإبداع والاستثمار الذي يمكن أن تحمله زجاجة عطر واحدة صغيرة الحجم.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !