تثير موسوعة جينيس للأرقام القياسية فضول الناس منذ عقود، فهي تجمع أغرب الإنجازات البشرية وأكثرها طرافة، من أطول فستان زفاف إلى أضخم قالب حلوى وأسرع دخول إلى حقيبة سفر. وتجمع عجائبها بين المهارة الحقيقية والتحدي الجماعي والدعاية الذكية للشركات والمدن.
نعرض في هذا المقال مجموعة من الأرقام الغريبة المسجلة كما وردت، ثم نتعرف إلى قصة نشأة الموسوعة، وكيف تُسجل الأرقام وتعتمد، وأنواع الفئات التي تقبلها، وأسباب إقبال الدول والشركات عليها، وما يوجه إليها من انتقادات، مع نصائح لمن يحلم بدخولها.
أرقام قياسية غريبة من الموسوعة

قصة نشأة الموسوعة
تعود فكرة الكتاب إلى مطلع خمسينيات القرن العشرين، حين دخل السير هيو بيفر، المدير الإداري لشركة غينيس لصناعة المشروبات في أيرلندا، في جدال مع أصدقائه أثناء رحلة صيد حول أسرع طيور الصيد في أوروبا، ولم يجد مرجعاً يحسم الخلاف. فخطرت له فكرة كتاب يجمع الحقائق والأرقام القياسية ليحسم مثل هذه النقاشات التي تدور في الحانات والمجالس. واستعان بالتوأمين نوريس وروس ماكويرتر، وكانا يديران وكالة لجمع الحقائق والمعلومات في لندن، فأعدا الطبعة الأولى التي صدرت عام 1955.
من كتاب ترويجي إلى ظاهرة عالمية
لم يتوقع أحد أن يحقق الكتاب هذا النجاح، فقد تصدر قوائم المبيعات في بريطانيا بسرعة، ثم تُرجم إلى لغات كثيرة وصدرت منه طبعات سنوية. ومع الوقت تحول الاسم إلى علامة تجارية مستقلة، وعُرفت الموسوعة منذ مطلع الألفية الثالثة باسم غينيس للأرقام القياسية العالمية، وتوسعت لتشمل برامج تلفزيونية ومواقع إلكترونية ومعارض ومتاحف في عدد من المدن.
كيف يُسجل الرقم القياسي؟
لا يكفي أن يقوم شخص بعمل غريب كي يدخل الموسوعة، فهناك إجراءات محددة يجب اتباعها:
- تقديم طلب: يتقدم الشخص أو الجهة بطلب يوضح فكرة المحاولة، سواء لكسر رقم موجود أو اقتراح فئة جديدة.
- الحصول على الإرشادات: ترسل الموسوعة شروطاً مفصلة لكل فئة، تحدد طريقة القياس والمعدات المسموح بها وعدد الشهود.
- جمع الأدلة: تشمل عادة تسجيلات مصورة كاملة وصوراً وشهادات من شهود مستقلين وخبراء قياس.
- التحكيم: يمكن أن يحضر محكم رسمي من الموسوعة إلى موقع المحاولة مقابل رسوم، أو تُرسل الأدلة للمراجعة لاحقاً.
- الاعتماد: إذا ثبت استيفاء الشروط تُمنح شهادة رسمية ويُدرج الرقم في قاعدة البيانات، ولا يعني ذلك بالضرورة ظهوره في الكتاب المطبوع.
لماذا ترفض بعض المحاولات؟
تُرفض المحاولات إذا لم تتبع الإرشادات بدقة، أو كانت الأدلة ناقصة، أو كانت الفئة غير قابلة للقياس الموضوعي أو المقارنة. كما ترفض الموسوعة الأفكار التي قد تعرض المشاركين أو غيرهم للخطر الشديد، أو تتضمن إيذاء الحيوانات، أو تشجع على سلوك غير صحي.
أنواع الأرقام القياسية
- أرقام الطبيعة: كأطول نهر وأعلى جبل وأكبر شجرة وأصغر حيوان من نوعه.
- أرقام الجسم البشري: كأطول إنسان وأطول أظافر وأكبر عمر موثق.
- الإنجازات الرياضية والبدنية: كأسرع عدو وأطول مدة لحبس النفس وأكبر عدد من تمارين الضغط في دقيقة.
- الأرقام الجماعية: كأكبر عدد من الأشخاص يرقصون أو يغنون أو يفتحون عبوات في وقت واحد.
- أرقام الطعام: كأكبر طبق وأطول شطيرة وأضخم كعكة.
- أرقام التقنية والهندسة: كأطول جسر وأعلى مبنى وأسرع حاسوب في فترة معينة.
لماذا تقبل الشركات والمدن على هذه الأرقام؟
يلاحظ القارئ أن كثيراً من الأرقام المذكورة ارتبط بمهرجانات تسوق أو شركات مشروبات وحلويات، وهذا ليس مصادفة. فتحطيم رقم قياسي حدث إعلامي يجذب الصحافة والزوار ويمنح العلامة التجارية دعاية واسعة بتكلفة قد تكون أقل من الإعلانات التقليدية. ولهذا أصبحت الموسوعة تقدم خدمات تجارية تساعد الشركات على تصميم محاولات قياسية تخدم حملاتها التسويقية. وقد برزت مدن خليجية، ومنها دبي، في تسجيل عدد كبير من الأرقام المرتبطة بالمباني والفعاليات الكبرى.
البعد الاجتماعي للأرقام الجماعية
تحمل الأرقام الجماعية أحياناً أهدافاً تتجاوز الدعاية، فتستخدم لجمع التبرعات لقضايا إنسانية، أو لتعزيز الروح الوطنية، أو للتوعية بقضايا صحية وبيئية، كأكبر حملة لزراعة الأشجار أو أكبر درس جماعي في الإسعافات الأولية.
انتقادات توجه إلى الموسوعة
تتعرض الموسوعة لانتقادات متعددة، منها أن الطابع التجاري طغى على فكرتها الأصلية، وأن بعض الأرقام تبدو تافهة لا تضيف شيئاً، وأن بعض الحكومات استخدمتها لتلميع صورتها. كما أثيرت في الماضي مخاوف من أن بعض الفئات تشجع على سلوك خطر، فتوقفت الموسوعة عن قبول عدد منها، كبعض أرقام الأكل والشرب السريع وأرقام زيادة وزن الحيوانات الأليفة، حرصاً على السلامة والرفق بالحيوان.
أرقام عربية في سجل الموسوعة
دخلت دول عربية كثيرة سجل الموسوعة في مجالات متنوعة، فبرزت أرقام تتعلق بأطول المباني وأكبر النوافير والمراكز التجارية والعروض الضوئية والألعاب النارية، إلى جانب أرقام شعبية في الطهي التقليدي، ومن أشهرها تنافس لبناني على أكبر طبق من الحمص والتبولة، فضلاً عن محاولات مماثلة لأطباق تقليدية أخرى في دول عربية مختلفة. وتعكس هذه المحاولات رغبة في إبراز الهوية الثقافية والمطبخ المحلي أمام العالم، وتحويل المناسبات الوطنية والمهرجانات إلى أحداث تجذب الإعلام الدولي.
ما مصير الأطباق العملاقة بعد تسجيلها؟
تشترط الموسوعة في كثير من فئات الطعام ألا يُهدر الطبق القياسي، فيوزع عادة على الحضور أو يتبرع به لجمعيات خيرية أو مراكز إيواء، وهو شرط يهدف إلى الحد من الانتقادات المتعلقة بالإسراف.
دور الإعلام الرقمي
زاد انتشار منصات الفيديو القصير من شعبية محاولات كسر الأرقام، إذ أصبح بإمكان أي شخص أن يصور تحدياً منزلياً بسيطاً وينشره، وقد شجعت الموسوعة هذا الاتجاه بإطلاق فئات يمكن محاولتها في المنزل بأدوات بسيطة.
نصائح لمن يحلم بدخول الموسوعة
- ابحث في قاعدة البيانات الرسمية لمعرفة الأرقام الحالية في المجال الذي يهمك.
- اختر فئة تتوافق مع مهاراتك وقدراتك الحقيقية، ولا تخاطر بصحتك.
- اطلب الإرشادات الرسمية والتزم بها حرفياً.
- وثق كل شيء بالفيديو والصور واستعن بشهود مستقلين.
- تدرب طويلاً قبل المحاولة الرسمية.
أسئلة شائعة
هل يدفع المتقدم رسوماً؟
التقديم الأساسي قد يكون مجانياً مع مدة انتظار أطول، بينما تقدم الموسوعة خدمات مدفوعة للمراجعة السريعة وحضور محكم رسمي.
هل تبقى الأرقام مسجلة إلى الأبد؟
لا، فالرقم القياسي يبقى قائماً حتى يكسره شخص آخر، وتحدث قاعدة البيانات باستمرار، وقد تُلغى فئات بأكملها.
لماذا سميت الموسوعة بهذا الاسم؟
لأن فكرتها انطلقت من شركة غينيس للمشروبات التي موّلت إصدارها الأول لأغراض ترويجية.
خلاصة
بدأت موسوعة غينيس كتاباً صغيراً لحسم الجدل في المجالس، ثم أصبحت مؤسسة عالمية تعتمد الأرقام القياسية بإجراءات دقيقة. وتجمع عجائبها بين الإنجاز الإنساني الحقيقي والطرافة والتسويق، وتبقى مرآة لرغبة الإنسان الدائمة في التميز وكسر الحدود، شرط ألا يكون ذلك على حساب سلامته أو سلامة غيره.
.png)

.jpg)




