يحتل القرآن الكريم في حياة المسلمين مكانة لا يعدلها شيء، فهو كلام الله الذي يتعبدون بتلاوته ويحتكمون إليه ويتدبرون معانيه. ومع مرور القرون نشأت حوله عادات وممارسات متنوعة، يرى فريق من العلماء أن بعضها لا أصل له في الشرع فيعدونه من البدع، بينما يرى آخرون في بعضها مجالاً للاجتهاد. في هذا المقال نعرض قائمة بممارسات يعدها كاتبها من بدع احدثها الناس في تعاملهم مع القران الكريم، ثم نتناول مفهوم البدعة عند العلماء واختلافهم في تقسيمها، والآداب المتفق عليها في التعامل مع كتاب الله، وأهمية الرجوع إلى أهل العلم في المسائل الخلافية.
ممارسات يعدها الكاتب من البدع
مفهوم البدعة في اللغة والاصطلاح
البدعة في اللغة مأخوذة من الابتداع، أي إحداث الشيء على غير مثال سابق، ومنه وصف الله تعالى بأنه بديع السماوات والأرض. أما في الاصطلاح الشرعي فقد عرفها العلماء بتعريفات متقاربة، من أشهرها ما ذكره الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام من أنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد. ويتفق العلماء على أن الأصل في العبادات التوقيف، أي أنها لا تثبت إلا بدليل شرعي، بخلاف العادات والمعاملات التي الأصل فيها الإباحة ما لم يرد ما يمنعها.
اختلاف العلماء في تقسيم البدعة
تباينت مناهج العلماء في النظر إلى البدعة؛ فذهب فريق منهم، كالإمام الشاطبي وغيره، إلى أن كل بدعة في الدين مذمومة، وأن ما يستحسنه الناس من أمور لها أصل في الشرع لا يسمى بدعة شرعية وإن سمي بدعة لغوية. وذهب فريق آخر، ومنهم الإمام الشافعي فيما ينقل عنه والعز بن عبد السلام، إلى تقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة، أو إلى أقسام بحسب الأحكام الشرعية الخمسة، فما وافق أصول الشرع ومقاصده لم يذموه. ويترتب على هذا الاختلاف المنهجي اختلاف في الحكم على كثير من الممارسات التفصيلية.
مسائل وقع فيها الخلاف بين العلماء
من الإنصاف أن يعلم القارئ أن عدداً من الأمور الواردة في القائمة مسائل اجتهادية اختلف فيها العلماء قديماً وحديثاً، ولكل فريق أدلته وتوجيهاته. ومن أمثلة ذلك:
- قراءة القرآن على الأموات وإهداء ثوابها: اختلف فيها الفقهاء، فمنهم من منع وصول ثوابها إلى الميت، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه المقارن.
- أخذ الأجرة على الرقية: يستدل كثير من العلماء على جوازها بحديث مشهور في الصحيحين في قصة الصحابة الذين رقوا سيد قوم فأعطوهم أجراً، بينما يفرقون بينها وبين أخذ الأجر على مجرد التلاوة.
- التغني بالقرآن: يتفق العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ويختلفون في حدود استعمال المقامات الصوتية، ويتفقون على منع ما يخرج القراءة عن أحكام التجويد أو يحولها إلى طرب يذهب بالخشوع.
- تعليق الآيات وكتابتها: يفرق كثير من العلماء بين كتابة الآيات للتذكير والزينة المحتشمة، وبين تعليقها تمائم يعتقد فيها النفع بذاتها، ولهم في كل صورة تفصيل.
ولهذا فإن الحكم في هذه المسائل يرجع فيه المسلم إلى أهل العلم الموثوقين في بلده، ولا ينبغي أن تكون سبباً للتنازع والتبديع المتبادل بين المسلمين.
آداب متفق عليها في التعامل مع القرآن
في مقابل المسائل الخلافية، هناك آداب يتفق عليها العلماء ويحث عليها الشرع، ومن أبرزها:
- الإخلاص: أن تكون التلاوة والتعلم ابتغاء وجه الله لا للرياء أو المباهاة.
- الطهارة: يستحب للقارئ أن يكون على طهارة، وللفقهاء تفصيل في حكم مس المصحف للمحدث.
- الترتيل والتجويد: قراءة القرآن بتأنٍ مع مراعاة أحكام التلاوة.
- التدبر: وهو المقصد الأعظم من التلاوة، أي التفكر في المعاني والعمل بها.
- الإنصات عند سماعه: فالاستماع بخشوع من تعظيم كلام الله.
- العمل بما فيه: فالقرآن منهج حياة، وليس مجرد ألفاظ تتلى.
- المداومة على التلاوة: وتخصيص ورد يومي ولو قليل.
- احترام المصحف: بوضعه في مكان لائق وعدم امتهانه.
التحذير من السحر والشعوذة
يتفق العلماء على تحريم استغلال الآيات القرآنية في أعمال السحر والشعوذة، أو كتابتها بطرق مهينة، أو خلطها بطلاسم وأسماء مجهولة، فهذا من الامتهان لكتاب الله ومن الدجل الذي يستغل حاجات الناس. والرقية المشروعة عند العلماء ما كانت بكلام الله وأسمائه وصفاته والأدعية المأثورة، بلسان عربي مفهوم، مع اعتقاد أن الشفاء من الله وحده.
منهج التعامل مع المسائل الخلافية
يوصي العلماء المسلم بجملة من المبادئ عند النظر في المسائل التي اختلف فيها أهل العلم:
- الرجوع إلى العلماء الراسخين الموثوقين وعدم الاكتفاء بالمنشورات المتداولة.
- التفريق بين المسائل القطعية المجمع عليها والمسائل الاجتهادية.
- احترام المخالف في المسائل الاجتهادية وعدم الطعن في نيته أو دينه.
- الحرص على وحدة الصف وتجنب ما يثير الفتنة في المساجد والمجتمعات.
- تقديم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة عند نصح الآخرين.
من آداب الخلاف عند السلف
عرف تاريخ الفقه الإسلامي نماذج كثيرة من أدب الخلاف بين الأئمة، فقد اختلف الأئمة الأربعة في مسائل كثيرة مع بقاء الاحترام والمودة بينهم، وكان بعضهم يثني على بعض، ويصلي خلف من يخالفه في الاجتهاد. وتُنقل عنهم عبارات تدل على تواضعهم، كقول بعضهم إن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب.
جهود العلماء في خدمة القرآن
من المفيد أن نتذكر أن كثيراً من الوسائل التي لم تكن معروفة في العصر الأول قبلها العلماء لأنها تخدم حفظ القرآن وتيسير قراءته، كجمع القرآن في مصحف واحد في عهد الخلفاء الراشدين، ثم نقط المصحف وتشكيله لاحقاً لحماية القراءة من اللحن، وتقسيمه إلى أجزاء وأحزاب لتيسير التلاوة، ووضع علم التجويد وكتب القراءات وعلوم القرآن. ويستدل كثير من العلماء بهذه الأمثلة على التفريق بين الوسائل التي تخدم مقصداً شرعياً ثابتاً، والعبادات المحدثة التي تضاف إلى الدين بصفات وهيئات لا دليل عليها. وفي عصرنا ظهرت وسائل حديثة كالمصاحف الإلكترونية والتطبيقات الصوتية وبرامج التحفيظ عن بعد، وهي في جملتها وسائل لخدمة الكتاب العزيز يتعامل معها العلماء بحسب أثرها ومقاصدها.
القرآن في حياة المسلم اليومية
الغاية من الحديث عن البدع والآداب أن يعود المسلم إلى جوهر علاقته بالقرآن، وهي علاقة قائمة على التلاوة والفهم والعمل. ومن الوسائل العملية لذلك تخصيص وقت يومي ثابت للقراءة، والاستعانة بتفسير ميسر لفهم المعاني، وحفظ ما تيسر من السور، وحضور حلقات التحفيظ والتجويد، وتعليم الأبناء حب القرآن بالقدوة والتشجيع.
أسئلة شائعة
هل كل ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم يعد بدعة؟
هذه مسألة تفصيلية بين العلماء؛ فالمتفق عليه أن إحداث عبادة جديدة لا دليل عليها مذموم، أما الوسائل والعادات وما يندرج تحت أصل شرعي عام فللعلماء فيه تفصيل واجتهاد.
كيف أعرف حكم مسألة مختلف فيها؟
بالرجوع إلى أهل العلم الموثوقين ودور الإفتاء المعتمدة، وعدم الاعتماد على الرسائل المتداولة دون مصدر.
ما أعظم ما يحقق به المسلم تعظيم القرآن؟
تلاوته بتدبر، والعمل بأحكامه، والتخلق بأخلاقه، وتعليمه للآخرين، فهذه هي الصورة المتفق عليها لتعظيم كتاب الله.
هل يجوز الإنكار على من يخالفني في مسألة اجتهادية؟
يقرر كثير من العلماء أن المسائل الاجتهادية المعتبرة لا يشتد فيها الإنكار، وإنما يكون فيها الحوار العلمي والنصح بلطف.
خلاصة
تعرض القائمة المذكورة ممارسات يراها كاتبها من البدع في التعامل مع القرآن، وبعضها محل اتفاق في المنع كاستعماله في الشعوذة، وبعضها محل خلاف معتبر بين العلماء. والمنهج الأسلم أن يلتزم المسلم بالآداب المتفق عليها من إخلاص وتدبر وعمل، وأن يرجع في المسائل الخلافية إلى أهل العلم، محافظاً على أدب الخلاف ووحدة المسلمين، وأن يجعل همه الأكبر أن يكون القرآن حاضراً في قلبه وسلوكه قبل أن يكون حاضراً في المناسبات والطقوس.
.png)